
فارس الجواري
قراءة فلسفية في إدارة الطيران المدني العراقي بشقيه التشريعي والخدمي
مقالة رأي موجهة لصناع القرار
أن طريق الإصلاح لقطاع الطيران المدني العراقي بات يخالف قواعد الادارة المؤسساتية بسبب معطيات غير واضحة وأدوار متداخلة لا تسمح للوصول الى الهدف المخطط له مما ابقاه في دوامة الأخفاقات المستمرة منطقيا وإداريا لغياب التعريف الواضح للادوار مابين ادارات هذا القطاع بشقيه التشريعي والخدمي التي لازمت مسيرة هذا القطاع خلال العقدين المنصرمين من الزمن فأختفت فيها بوصلة الاصلاح المنشود الذي يوضع في كل برنامج حكومي طوال تلك الفترة الماضية في وصف ابجديات عمليات هذا الاصلاح وتحديدا مسؤليات المشرع وايضا المخدم , لذا تحمل المشرع المتمثل بسلطة الطيران المدني العراقي التحدي الاكبر كونه الجهة التنظيمية المستقلة المعنية بوضع الأطر القانونية لقطاع الطيران في العراق للفصل بين دورها الرقابي والإخفاقات التشغيلية المستمرة للمخدمين وهي النقطة التي لطالما أثارتها الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران (EASA) في ملف رفع الحظر عن الناقل الوطني , حيث بدأت السلطة حراكاً ملموساً لتجاوز عقبات البطء التي رافقت مسيرة عملها في السنوات السابقة من خلال نجاحها ولو بشكل يسير في رسم خارطة طريق واقعية للإصلاح تهدف من خلالها إلى اجتياز برنامج التدقيق الخاص بالسلامة التشغيلية في اقرب وقت وحسب ماتم الاعلان عنه من قبل المسؤولين الجدد في السلطة وهو المسار الذي ظل غائباً لسنوات طويلة كي تضع حداً لسنوات من التخبط الإداري والتقني وعزل أدائها السيادي عن الثغرات التشغيلية لمخدمي هذا القطاع وحسب متطلبات المنظمات الدولية التي رهنت رفع الحظر الجوي بوجود سلطة رقابية قوية في خطوة وصفت بأنها الأهم لتصحيح مسار الطيران المدني في البلاد.
في المقابل يبقى الجانب الخدمي لقطاع الطيران المدني العراقي المتمثل بالقطبين الرئيسيين الخطوط الجوية العراقية وقطاع المطارات يعمل بمنطق الدوائر الحكومية التقليدية الذي جعله يدور في دائرة الاخفاقات المستمرة برغم صرف مبالغ مالية كبيرة على لجان دولية تابعة لـ الإياتا (IATA) تاتي لرفع حظر الخطوط الجوية العراقية من الطيران فوق الأجواء الأوروبية منذ 11 سنة ولا رفع حالي ولا مستقبلي قريب يضاف الى هذا الاخفاق افتقاد الشركة لمركز صيانة طائرات والاعتماد على مراكز صيانة خارجية وهو ما أدى إلى توقف عدد كبير من الطائرات عن العمل ولفترات طويلة ماكانت تحصل لو كان هناك مركز صيانة داخل هناكر الشركة فعلى سبيل المثال مايحصل هذه الايام لطائرة الإيرباص A330 فلازالت ومنذ اكثر من 50 يوماً في مركز صيانة بإيطاليا فقط لتبديل مجموعة النزول وهي عملية لا تستغرق أكثر من أسبوع وكذلك مايحصل من توقف لطائرة B777 وايضا طائرة الايرباص A321 وغيرها للأسباب ذاتها بالاضافة الى ذلك عدم وجود مركز تدريب متخصص للطيارين دفع الإدارة إلى إرسال الطيارين مرتين سنوياً إلى مراكز تدريب خارج العراق في إخفاق إداري ومالي واضح واستنزاف مستمر للعملة الصعبة ناهيك عن الاعتماد على شركات ثانوية في تقديم الوجبات الغذائية رغم امتلاك الخطوط الجوية مرافق الإعاشة وكوادرها الخاصة في نموذج آخر لسوء الإدارة وتعطيل الموارد الذاتية التي وصلت الى مرحلة متقدمة من الضعف الاداري جعلها تستعين بشركات لتوفير مضيفين جويين وحتى طيارين في بعض الاحيان وهي الشركة الوطنية الرائدة التي اصبحت عاجزة عن تشغيل كوادرها وتدريبهم وتأهيلهم فكانت النتيجة واضحة خطط إصلاحية بلا أثر وأموال مصرؤفة بلا مردود وإدارة تكرر معالجات سابقة فشلت في حل ازماتها .
وهكذا هو حال المخدم الثاني في قطاع الطيران المدني العراقي قطاع المطارات الحكومية الذي بعد فصله عن شركة الملاحة الجوية وإلحاقه كـ مديرية هامشية بدائرة داخل وزارة النقل بدأت معالم الإخفاق تتضح يوماً بعد آخر هذا الفصل الذي يوصف بأنه فصلٌ إداري بلا رؤية وإلحاقٌ بلا تخصيصات مالية ونتيجته الطبيعية كوادر تعمل بلا غطاء مالي كافي اسوة باقرانهم في الخطوط او الملاحة مما تسبب عملياً في شلل وظيفي دفع كوادر مطاري بغداد والبصرة الدوليين إلى الخروج باعتصامات سلمية ليس طلباً لامتيازات بل للمطالبة بأبسط الحقوق التي يفترض أن تضمنها الدولة لموظفيها وهو مايجعلنا نتسأل كمراقبين هل ما يجري إخفاق غير محسوب أم أنه إخفاق متعمّد لخلق بيئة فشل ممنهجة تمهّد الطريق نحو خيار دفع المطارات الحكومية قسراً نحو الاستثمار كما حدث في مطار بغداد الدولي حين ترك المرفق العام بلا تمويل ولا إدارة مستقلة ارتأت بعدها الحكؤمة عرضها للاستثمار كـ “حل إنقاذ” وهو مايدق ناقوس الخطر كون أن هذا النهج لا يضرب فقط حقوق العاملين بل يهدد السيادة التشغيلية للمطارات ويحوّل المرفق العام من خدمة سيادية إلى ورقة تفاوض مالية.
ما نحتاجه اليوم مراجعة جريئة للقرارات وإعادة الاعتبار للقطاع الخدمي في الطيران المدني العراقي سواء في ناقلنا الوطني او في المطارات الحكومية قبل أن يتحول الإخفاق الى فقدان هذه المؤسسات لصالح مستثمرين لانعلم مدى فائدة عقودهم للمصلحة العامة هذا الاخفاق في معالجة جوهر الأزمة المتمثلة بقرارات فنية تُؤجل واحيانا تُعاد صياغتها ليس وفق معايير السلامة والكفاءة بل وفق حسابات آنية لا تصمد أمام الزمن ولا أمام التدقيق الدولي بغياب المساءلة التي هي اداة التصحيح التي اعتبرها سبب كل هذه الإخفاقات في هذه المؤسسات الخدمية في الطيران المدني العراقي وخصوصا اذا علمنا انها تحولت إلى مفهوم غائب أو مؤجل أو انتقائي فلا أحد يُسأل لماذا تتأخر الصيانة ولماذا لا يُحاسَب الفشل كما يُكافأ النجاح عندها يصبح الفشل آمنًا… ويتحول إلى نمط دائم لاتنفع بعدها الخطط الاصلاحية لهكذا قطاع عالي الحساسية مثل الطيران المدني أن يعمل دون تنظيم مستقل وتشغيل مهني قابل للقياس واستقرار تشريعي طويل الأمد.
ك2 2026

979 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع