
بقلم احمد فخري
قصة ( الخطة المحكمة ) مستوحاة من احداث حقيقية - الجزء الاول
ابوظبي /الامارات العربية 1984
بطل هذه القصة يدعى همام، شاب عراقي وسيم تَخَرّجَ من جامعة دبلن بجمهورية ايرلندا الجنوبية وانتقل للامارت ليعمل كمهندس نفط بشركة زادكو النفطة في ابوظبي. كان صاحبنا يعيش في الموقع بداخل الحقل حيث كان يشتغل بنظام المناوبة اي انه يعمل لمدة اربعة اسابيع ثم يحصل على اجازة لاربعة اسابيع تليها بمعنى انه كان يحضى بـ 6 اشهر من الاجازات سنوياً. هذا النمط من العمل اتاح له التنقل حول العالم لانه كان شغوفاً بالسفر خصوصاً وإن زوجته طلبت منه الطلاق مؤخراً وغادرت الى العراق بشكل نهائي كي تستقر ببيت والدها في بغداد بشارع فلسطين.
في احدى الايام بعد اربعة شهور ونيف من الطلاق كان همام يسير بسيارته الكبيرة الفارهة بالقرب من سوق ابوظبي العتيق فاوقف السيارة بالموقف المحاذي للسوق وترجل ليبحث عن بائع حقائب. اشترى حقيبة سفر من الحجم الكبير لعلمه انه سيحتاج اليها عندما يذهب الى شقته التي اشتراها قبل سنتين في اسبانيا بمدينة بنيدورم الساحلية. وضع الحقيبة الجديدة بداخل الحاوية في مؤخرة السيارة ثم توجه الى وكالة سفريات النجاح لكي يشتري تذكرة سفر من هناك. لم يحصل على موقف مناسب للسيارة بشارع حمدان لذلك اضطر ان يوقفها بشارع خليفة الذي كان يبعد قرابة الـ 200 متر عن مكتب السفريات. مشى تحت حرارة الشمس الحارقة والرطوبة الخانقة بخطىً سريعة يتصبب عرقاً من سائر جسمه حتى دخل من الباب الزجاجي للوكالة فشعر فوراً بالارتياح لما لامس الهواء البارد وجهه. كان جميع موظفوا الشركة الاربعة جالسين بالواجهة ومنشغلين بخدمة الزبائن، لذلك جلس على احدى كراسي الانتظار حتى يأتي دوره. جلس الموظفون الاربعة خلف حواسيبهم يعملون بجد ويتحاورون مع زبائنهم. كان الموظفون مؤلفون من رجلين وامرأتين، جلهم كان يتحدث باللهجة اللبنانية الا موظفة واحدة كانت تتحدث بلهجة عراقية لا تقبل الشك. جذبت انتباهه تلك الموظفة لان ما يميزها كان جمالها الفائق. ظل صاحبنا يراقب الموظفين الاربعة وهم يتحدثون مع زبائنهم ويلبون طلباتهم حتى جاء دوره فاستدعته الموظفة ذات اللهجة العراقية كي يغير مكانه ويأتي الى عندها فيجلس امامها. بقي صاحبنا ينظر بوجهها ويصاب باعجاب كبير. فالفتاة كانت لبقة جداً في حديثها حين سألته،
** الموظفة في مكتب الطيران
الموظفة : تفضل استاذ، كيف استطيع مساعدتك؟
همام : اريد شراء بطاقة سفر مرجعة الى اسبانيا لو سمحت يا آنسة.
الموظفة : بالتأكيد. أتريد الذهاب الى العاصمة مدريد؟
همام : كلا، اود الذهاب الى مدينة اليكانتي بشرق اسبانيا.
الموظفة : لحظة واحدة لو سمحت. دعني ابحث بالحاسوب.
صارت الفتاة تضرب على مفاتيح حاسوبها ثم نظرت اليه وسألته،
الموظفة : متى تنوي السفر يا استاذ؟
همام : باقرب وقت متاح لو سمحتِ. حبذا لو كان غداً او بعد غد.
الموظفة : هناك رحلة يوم 14 من هذا الشهر، هل يناسبك ذلك؟
همام : اليوم هو العاشر من حزيران لذلك ستكون الرحلة خلال اربعة ايام. هل الرحلة مباشرة؟
الموظفة : كلا، ستقلع الطائرة مع الساعة السادسة فجراً من مطار ابوظبي الى العاصمة مدريد ثم تغيرها الى طائرة اخرى بعد ساعة ونصف لتتجه بك الى مدينة اليكانتي. ما رأيك؟
همام : اليس لديك رحلة مباشرة من ابوظبي الى اليكانتي؟ فانا اكره التغيير.
الموظفة : كلا، مع شديد الاسف.
همام : حسناً اريد حجز تلك الرحلة ليوم 14 لو سمحتِ.
الموظفة : الدرجة الاولى ام السياحية؟
همام : السياحية طبعاً.
الموظفة : وما عدد المسافرين؟
همام : انا المسافر الوحيد.
الموظفة : ماذا عن المدام؟ الن تسافر معك؟
همام : كلا انا مطلق وطليقتي رحلت الى العراق دون رجعة.
الموظفة : إذاً انت عراقي، هل تطلقتما منذ امد بعيد؟
همام : كلا، منذ اربع شهور تقريباً.
الموظفة : وكيف تجرأتْ؟
همام : كيف؟ لم افهم سؤالك. ماذا تقصدين يا آنسة؟
الموظفة : اقصد كيف تجرأت ان تتخلى عن رجل وسيم مثلك. هل انت تعمل هنا بمدينة ابوظبي؟
بهذه النقطة بالتحديد علم همام ان تلك الفتاة شائت التودد اليه. اما عن طريق الدعابة بحكم عملها في قطاع السياحة او انها معجبة به لكنه تجاوز ما قالته واجابها بكل احترام،
همام : نعم، انا مهندس بترول واعمل بحقل زاكوم التابع لشركة زادكو.
الموظفة : هل لديك اطفال؟
همام : كلا، لم يرزقني الله باطفال.
الموظفة : لماذا؟
همام : كلما قررنا البدئ بالخلفة تقوم طليقتي باختلاق مشكلة جديدة لتجعل الحرب تشتعل بيننا فنعزف عن الانجاب. ولكن دعيني اسألك، انت عراقية، اليس كذلك؟
الموظفة : اجل طبعاً. انا عراقية بنت عراقي للعظم.
هنا نظر الى الشارة التي على صدرها وقال،
همام : اسمك سمر، هذا اسم جميل.
سمر : لا ليس جميلاً ابداً. لأن الرجال عندما يفكرون بالتقدم لخطبتي ينفرون مني بسبب اسمي. لذلك بقيت عانساً.
همام : هؤلاء رجال اغبياء. اسمك اسم جميل ويليق بفتاة جميلة مثلك.
سمر : شكراً لك استاذ همام. هل انت من بغداد؟
همام : اجل انا من منطقة زيونة وانتِ؟
سمر : نحن نسكن بمنطقة راغبة خاتون اتعرفها؟
همام : لا، لا اعرفها جيداً لانني تركت العراق منذ زمن بعيد ودرست في ايرلندا.
سمر : هل لديك اقارب هنا في ابوظبي؟
همام : اجل، لدي اختي وزوجها ولديهم بنت وولد. وماذا عنك يا آنسة سمر؟
سمر : ابي يعمل بشركة تأمين اهلية وامي ربة بيت وانا الوحيدة لأهلي. وهذا جعلني اميرة البيت وصاحبة القرار فيه.
همام : هل يمكنني ان اخذ رقم هاتفك يا جلالة الاميرة سمر؟
قالها ثم ندم على ما قال لانه شعر بانه قد تسرع بهذا الطلب لكنها فاجأته حين ردت،
سمر : ساعطيك رقم بيتنا. بامكانك الاتصال بي هناك متى ما شئت، هل ستتذكر اسمي يا ترى؟
همام : اسمك جميل لا يمكن ان انساه ابداً.
سمر : شكراً استاذ همام.
همام : بل نادني همام فقط.
سمر : وانت كذلك. بامكانك ان تناديني سمر دون آنسة.
همام : تشرفت بمعرفتك يا سمر.
سمر : وانا كذلك.
همام : كم هو المبلغ الاجمالي؟
سمر : اي مبلغ تقصد؟
همام : التذكرة يا سمر. هل نسيتي؟ كم ثمن التذكرة؟
سمر : آه طبعاً طبعاً التذكرة، انه 4220 درهم لو سمحت.
همام : تفضلي.
سمر : ساجهز لك التذكرة، انتظر قليلاً.
انتصبت من كرسيها وسارت لتدخل الى غرفة خلفية. كانت تتبختر بمشيتها وكل خطوة تخطوها كان يذوب بها قلب همام المسكين فقد عثر على الفتاة التي يحلم بها طوال عمره. ستعوضه عن المشاكل التي تسببت فيها زوجته السابقة جنان. بقي ينتظر لاكثر من ربع ساعة حتى عادت وعاد معها الحب والامل. جلست على الكرسي وقالت،
سمر : تفضل هذه تذكرتك يا همام.
همام : شكراً لكِ سمر. هل اطمع بان نشرب قهوة سوية بمكان ما بعد انتهاء العمل؟
سمر : انا مشغولة بهذه الايام. انت تعرف موسم السياحة والكل يريد مغادرة الخليج. اذهب انتَ الى اسبانيا وعد الينا سالماً وسيكون لنا لقائات كثيرة. اعدك بذلك.
همام : لقد بعثتِ البهجة والأمل في قلبي بهذا الوعد. استودعك الله.
سمر : وداعاً همام، انتظر، انتظر لحظة.
همام : ما الامر؟
سمر : لا تنسى هديتي من اسبانيا. فانا احب العطور.
همام : وهل يعقل ذلك؟ ما هو نوع العطر الذي تفضلينه؟
سمر : ساترك لك الخيار.
همام : وهو كذلك.
خرج همام من المكتب وهو في غاية السعادة. لقد حصل على تذكرة سفر مع حبيبة بآن واحد. ربما ستصبح زوجته المستقبلية وتنتهي معاناته الى الابد. مشى نحو سيارته غير مبالٍ بحرارة الجو الآن فقد اصبح فكره مشغولاً بجمال تلك الفتاة وكأنها طلعت له ببطاقة اليانصيب. كم هو محظوظ {هل قمت باستبدال جنان بسمر يا ترى؟ لا ابداً، شتان ما بين الاثنين. كانت جنان متجهمة طول الوقت لا اذكر متى ابتسمت بوجهي او اسمعتني كلاماً طيباً. عانيت سنوات طوال من تلك الزيجة الفاشلة. لا اعلم لماذا تحملتها سبع سنين عجاف؟ لقد كانت انسانة كارثية. والآن عوضني الله بالاميرة سمر الجميلة، سمورتي، سمامير. انتظر انتظر لحظة، كيف سادلعها يا ترى؟ يجب ان اسألها في المرة القادمة}. رجع الى سيارته وعاد بها الى شقة اخته وفور دخوله من باب الشقة جابهته رقية قالت،
رقية : لماذا تأخرت يا خالي؟ فنحن نتضور جوعاً بسببك.
همام : انجزت اشياء كثيرة حبيبتي. اشتريت هذه الحقيبة من السوق العتيق ثم ذهبت الى مكتب السفريات لاشتري تذكرة السفر.
رقية : ياي كم انت محظوظ لانك ستسافر الى اسبانيا، انا احسدك يا خالي. متى ستكون الرحلة؟
همام : بعد اربعة ايام عزيزتي.
رقية : انا سعيدة هذا يعني انك ستبقى معنا لاربعة ايام متتالية . ففي المرات السابقة، ما ان تصل حتى تسافر باليوم التالي.
همام : اطمئني حبيبتي، سابقى عندكم اربعة ايام هذه المرة وسنلهو سوية. سنلعب لعبتك المفضلة (اللگيفة). دعيني اسألك هل لا زلت تتذكرين كيف يلعبون المنوپولي؟
رقية : سأحاول ان اغلبك هذه المرة. بالرغم من براعتك باللعب.
همام : تغلبينني فقط في احلامك. هل وصل اخوك ايمن؟
رقية : انه جالسٌ على السفرة ينتظر قدومك بفارغ الصبر لانه جوعان.
همام : إذاً دعيني اغتسل لالتحق بكم.
جلس همام على السفرة وتناول وجبة دسمة اعدتها اخته احلام ثم جلسوا في غرفة الاستقبال ليشربوا الشاي. قالت له اخته،
احلام : هل ستتأخر في اسبانيا؟
همام : ثلاثة اسابيع ونصف فقط. فانا لا يسعني التأخر عن عملي في البحر.
احلام : هل اكملت جميع مشترياتك؟
همام : ليس عندي الكثير من المشتريات. فانا قد تركت ملابس كثيرة هناك بشقتي في اسبانيا.
احلام : لماذا اقتنيت حقيبة كبيرة إذاً؟
همام : لانني سأُرجِعُ معي الكثير من الملابس من اسبانيا الى هنا فلم اعد بحاجة اليها بالشقة لانني كما تعلمين فقدت ما يقرب من 50كغم من وزني ولم تعد ملابسي القديمة تناسبني. لذلك ساتبرع بالقديمة ثم استبدلها بملابس جديدة اقتنيها من اسبانيا.
احلام : على بركة الله.
محمد : ساقلك الى المطار بسيارتي بيوم السفر.
همام : لا، هذا ليس ضرورياً يا نسيبي العزيز فوقت اقلاع الرحلة مبكر جداً وانت عليك الذهاب لعملك. لذلك ساخذ سيارة اجرة من هنا بنفسي.
محمد : على بركة الله، تذهب وتعود برعاية الله.
بعد اربعة ايام ودع همام اخته وعائلتها فجراً ثم خرج بحقيبته الشبه فارغة ليمشي بشارع حمدان حتى لوح لسيارة اجرة يقودها سائقٌ باكستاني ركب معه وانطلق به الى المطار. وبعد ان اكمل جميع اجراءات السفر نودي على الركاب للصعود الى الطائرة فجلس همام على كرسي بمؤخرة الطائرة بالقرب من الشباك بعد ان اودع حقيبته اليدوية في الخزانة العلوية فوق الكرسي {ماذا سيحدث مع سمر يا ترى؟ هل تعرف ان اليوم هو موعد سفري؟ بالتأكيد تعرف ذلك، كم انا غبي. الم تحجز لي التذكرة بنفسها قبل اربعة ايام؟ يجب ان لا استعجل بالامور وانتظر حتى اعود من رحلتي الى ابوظبي ثم ارجع الى عملي في البحر كي اكلمها من هناك. ساحاول ان اضع النقاط على الحروف لانني التمست منها تجاوباً لا يقبل الشك. سادع الامور لرب العالمين. فإن كان لي فيها نصيب، سيكتبه لي الله}.
وصلت طائرته مطار اليكانتي فاستلم حقيبته وخرج بها الى خارج مبنى المطار ثم لوح بيده لسيارة اجرة كي تقله الى مدينة بنيدورم. وفي الطريق سأله السائق بالاسبانية،
السائق : هل جئت لقضاء اجازتك بفندق في بنيدورم؟
همام : كلا. انا ساسكن بشقتي هناك.
السائق : انا اصلي من بنيدورم واعرفها جيداً. اين تقع شقتك بالتحديد؟
همام : انها بالقرب من ساحل (بونينتي).
السائق : منذ متى وانت تسكن هناك؟
همام : اشتريت شقتي قبل بضع سنين. والآن انا ذاهبٌ لاقضي فيها ثلاث اسابيع ثم اعود الى عملي بالخليج.
السائق : ستكون المدينة مكتظة بالسواح في مثل هذا الوقت.
همام : اجل هذا صحيح. لكنني تعودت على اكتظاظ المدينة لانه يريحني من عزلة عملي في البحر.
السائق : ارى انك تتحدث الاسبانية بطلاقة. القليل فقط من السواح يستطيعون التحدث بها.
همام : لقد تعلمتها بوقت قياسي لانني احب البلد واحب اهله. فهم اناس ودودون جداً.
سكت السائق قليلاً ثم قال بعد فترة،
السائق : إذا كنت تريد سيارة اجرة تقلك الى مطار اليكانتي عندما تنتهي اجازتك فبامكانك الاتصال بي هاتفياً. انا اسمي (پاكو).
همام : سيكون هذا امراً رائعاً. اعطني بطاقتك لو سمحت يا سيد (پاكو).
وبعد نصف ساعة وصلت السيارة الى مبنى (لوس فرناندوز). فدخلها وركب المصعد الى الطابق الثالث. فتح الباب ودخل ليجدها كما تركها آخر مرة قبل سنة تقريباً. كان همام يحبها كثيراً لانها كانت مأواه الوحيد في هذه الدنيا ولا يشعر بالأمان سوى بداخلها. جلس على الاريكة بغرفة الاستقبال يستمتع بمنزله وينظر الى جهاز التلفاز الصغير ذو الاثني عشر بوصة {جئت بهذا التلفاز من ابوظبي في رحلتي السابقة. ولكن ليس لدي الوقت لاتفرج عليه الآن فانا متعب من جراء السفر وعلي ان انام}. انتصب من الاريكة وسار الى غرفة النوم ساحباً ورائه حقيبته الكبيرة ليتركها بوسط الممر ويرمي بجسده المتعب على السرير الوثير. وفي صباح اليوم التالي سمع صوت الامواج وهي ترتطم بساحل بنيدورم {كم هو جميل ان يستيقظ الانسان على هذا الصوت الساحر. اشعر وكأنني في الجنة. سنقضي شهر العسل هنا مع زوجتي الجديدة سمر إن شاء الله. انا متأكد من انها ستُعْجَبْ بالشقة وسنقضي فيها لحظات رائعة. ساخذها الى جميع الاماكن المثيرة فانا اعرف المدينة عن ظهر قلب. سنقضي امسياتنا في اماكن الترفيه المتعددة. اجل سأخذها الى (بنيدورم پالاس) وسوف يعجبها العرض هناك بلا شك. سنذهب الى (اكوالانديا) ونعوم بمسابحها الكبيرة. سنستلقي بعدها على الشاطئ القريب من الشقة ونأخذ قيلولة كسل تحت الشمس الحارقة. لكن انتظر لحظة، انا لم اسألها بعد إن كانت تجيد السباحة... حتى وإن لم تكن كذلك فسوف اعلمها لانني قمت بتعليم جميع اصحابي واقاربي بسبب براعتي في العوم منذ نعومة اظفاري. المستقبل يبشر بالخير إن شاء الله. ستُنَسّيني سمر الكآبة والبؤس الذي اذاقتني اياه طليقتي جنان. سوف أعيش معها بسعادة ابدية حتى نهرم ونصبح 70 سنة. سوف اعتني بها وتعتني بي كما يفعل كبار السن الاسبان هنا بمدينة بنيدورم. يا الهي ما اجمل الحياة. لقد منحني الاله فرصة ثانية}. بعد ان انتصب من سريره، دخل المطبخ وفتش عن طعام فلم يجد اي شيء يؤكل هناك على الاطلاق. لذا ارتدى ملابسه وخرج سيراً على الاقدام ليدخل الدكان القريب من عمارته فرأى السيدة العجوز (لولا) ترتب البضاعة على الرفوف. اقترب منها وامسك بخصرها فالتفتت اليه وصاحت باعلى صوتها،
لولا : يا الهي لا اصدق، همــــــــــام. لماذا تأخرت علينا هذه المرة؟ كم اشتقت اليك يا عزيزي.
همام : احقاً ما تقولين؟ لماذا لا تطلقي رافائيل إذاً وتتزوجيني؟
لولا : اتمنى لو كنت قادرة على ذلك فاولاً انا كاثوليكية والطلاق محرم لدينا وثانياً انت تكبرني بعشرين سنة.
همام : بل بثلاثين سنة.
صار الاثنان يضحكان بصوت عالٍ. ثم سألته،
لولا : متى وصلت الى بنيدورم يا عزيزي؟
همام : بالامس فقط. وعندما استيقظت اليوم لم اجد شيئاً أكله بالمطبخ.
لولا : بالطبع لن تجد شيئاً هناك فالشقة مهجورة منذ ان جئتها آخر مرة. متى كان ذلك يا ترى؟
همام : منذ 11 شهراً تقريباً.
لولا : يترائى لي وكانه عدة سنوات. دعني اسقيك من قهوتي التي اعددتها قبل قليل.
همام : شكراً، هذا كرم منك يا سيدتي.
ذهبت لولا الى الخلف واحظرت بيدها ابريق قهوة وبيدها الثانية فنجانين قالت،
لولا : انت تحب القهوة من دون سكر، اليس كذلك؟
همام : هذا صحيح. انت تعرفين ما احب تماماً يا لولا.
وبينما صبت له القهوة وجلس على الكرسي. حضر زوجها ونظر اليهما قال،
رافائيل : مع من تخونيني هذه المرة يا امرأة؟ اهذا همام؟ يا سلام كم اشتقنا اليك يا همام. قبل يومين كنا نأتي بذكرك وقلنا انك لم تحضر منذ زمن بعيد.
همام : هذا صحيح والسبب انني تطلقت من زوجتي وكنت مشغولاً بالمحاكم لاتمام اجرائات الطلاق.
رافائيل : ليت لدينا طلاق نحن ايضاً مثلكم لكنت تخلصت من لولا الهرمة وارتحت منها.
لولا : بل انا التي كنت سارتاح منك يا عجوز يا معتوه. هل تصدق يا همام انه ينسى وضع اسنانه الاصطناعية بفمه اغلب الايام ويطلب مني العودة الى البيت كي اجلبها له الى الحانوت؟
همام : منظركما جميل جداً وانتما تتشاجران بهذه الطريقة. لكنني متيقنٌ تماماً انكما لا تستطيعان الاستغناء عن بعضكم البعض. كم مضى على زواجكما الآن؟
لولا : في يليو القادم سنكمل 53 سنة زواج.
همام : حفظكم الله ومنحكم العمر المديد.
لولا : والآن دع المزاح جانباً، بما انك تطلقت من زوجتك جينا البغيضة. فلماذا لا تتزوج فتاة اسبانية هذه المرة؟
همام : هناك بصيص امل في الافق. فلقد تعرفت مؤخراً على فتاة جميلة وسوف اتقدم لها عن قريب.
لولا : أهي اسبانية ام هي من بلاد العرب؟
همام : بل انها عراقية. وهي اجمل بكثير من زوجتي السابقة جنان.
لولا : بالحقيقة، طليقتك جينا كانت جميلة لكن اخلاقها لم تكن كما يجب.
همام : اعرف ذلك وانا اقدم اعتذاري لما بدر منها عندما جئنا آخر مرة في تموز الماضي.
لولا : لا عليك عزيزي. الانسان الشرير يبقى شريراً دائماً. انت تخلصت منها الآن، وعليك التأكد من الفتاة الجديدة كي لا تتورط مرة ثانية.
همام : لا طبعاً، نحن باول المشوار من علاقتنا. سنتحدث كثيراً وسندرس طباع بعضنا البعض كي يكون زواجاً ناجحاً هذه المرة.
لولا : اتمنى لك التوفيق يا همام. والآن بماذا استطيع خدمتك؟
همام : اريد كل شيء عندكم بالدكان. لقد احضرت معي قائمة بالمشتريات. دعنا نبدأ، اريد قهوة ورز وسكر وزعفران و...
بدأت السيدة لولا باحضار كل المواد التي طلبها ثم وضعتها بكيس كبير وقالت،
لولا : المجموع 1521 پزيتا. لم ادرج القهوة بالحساب لانها هدية من عندي.
همام : شكراً لك سيدة لولا وداعاً. ووداعاً لك يا سيد رافائيل.
رافائيل : حفظك المسيح سيد همام.
لولا : وداعاً عزيزي همام. تعال وتناول معنا القهوة كل يوم.
حمل همام المشتريات الثقيلة وعاد بها الى الشقة ليبدأ باعداد وجبة الغداء إذ قام بطبخ مرقة فاصولية مع الرز.
بالمساء ذهب الى منطقة (مدترانيو) ليزور احد اصدقائه الفلسطينيين ممن كان يسكن ويعمل في ابوظبي في الماضي والآن اصبح مقيماً بشكل دائم مع زوجته الاسبانية الجديدة. رحب به صديقه ودعاه للجلوس بالشرفة الخارجية على الهواء الطلق إذ قال،
ابو لينا : كيف حالك اخي همام؟ ماذا خطر ببالك ان تزورنا؟
همام : بالحقيقة لدي اخبار سارة واخبار سارة اكثر.
ابو لينا : ابدأ بالاخبار السارة إذاً.
همام : الخبر السار هو انني تطلقت اخيراً من جنان.
ابو لينا : هذا حقاً خبر مفرح. فانا بالحقيقة كنت قد انزعجت كثيراً من كلامها بآخر لقاء لنا بابوظبي لكنني لم اخبرك. فقد كانت تحرض زوجتي السابقة ام لينا على تركي وتسببت في طلاقي بآخر المطاف. فتركتُ لطليقتي الجمل بما حمل وغادرت ابوظبي لاستقر هنا في اسبانيا وتزوجت من زوجتي الجديدة فاطمة.
همام : اسم زوجتك فاطمة؟ هل هي مسلمة؟
ابو لينا : كلا يا عزيزي. انها مسيحية لكن الاسم فاطمة اسم متداول كثيراً هنا في اسبانيا منذ الحكم الاسلامي في بلاد الاندلس.
همام : هذه معلومة جديدة ساضيفها لمعلوماتي.
هنا دخلت عليهم زوجته وقالت،
فاطمة : اهلاً وسهلاً بك يا استاذ. لقد اخبرني عنك زوجي ياسر.
همام : شكراً لك سيدة فاطمة.
نظر ياسر او (ابو لينا) الى زوجته وقال،
ابو لينا : همام سيتعشى معنا اليوم.
لكن همام تدارك الامر وقال،
همام : لا ارجوك سامحني يا عزيزي. لدي الكثير من الاشغال يجب ان انجزها واولها الذهاب الى دار البلدية لدفع بعض الضرائب. لكنني اعدك بزيارة ثانية وسوف نتناول الطعام من يد السيدة فاطمة.
ابو لينا : وهو كذلك. الآن اشرب قهوتك قبل ان تبرد وتذوق معها (الچورروز churros) الذي اعدته فاطمة اليوم.
بعد ان انتهى من زيارة صديقه وزوجته، ودعهم وخرج لينجز الكثير من الامور التي كان عليه انجازها.
بقي همام يقضي اوقاته في انجاز المهام التي كانت تنتظره منذ امد بعيد وكان يقضي جل اوقاته الاخرى بالاستلقاء على شاطئ البحر الذي كان يبعد مجرد خمسين متراً عن العمارة التي تكمن فيها شقته. احياناً كان يعوم في البحر ليزيل عن نفسه الهموم التي طالما اثقلته بها طليقته. وفجأة تدخل ذكرى سمرعلى الخط فيبتسم ويشعر براحة نفسية تملاً قلبه. واحياناً اخرى كان يزور صديقه ياسر او يذهب ليدردش مع جيرانه الاسبان الباقين في العمارة. فقد كانوا يحبونه كثيراً. وبحكم طبيعتهم الصدوقة، كان يجد الاوقات التي يقضيها معهم ممتعة للغاية.
انتهت اجازته كلمح البصر وكان يشعر بسعادة لا توصف. فقد انجز كل شيء كان يريد انجازه وبعدها بدأ يستعد للعودة الى ابوظبي لانه يعلم يقيناً ان عليه الالتحاق بعمله بالوقت المحدد والا فقد وظيفته. اتصل بسائق سيارة الاجرة (پاكو) واخبره بانه سيعود الى مطار اليكانتي يوم الاربعاء.
عاد الى ابو ظبي بالطائرة وما ان حل ببيت اخته احلام ليلة واحدة حتى توجه بعدها الى مقرعمله بالبحر في اليوم الموالي. وفور وصوله البارجة السكنية على متن طائرة هليكوبتر، تجمع فوق راسه اغلب سكان البارجة وصاروا يرحبون به ويسألونه عن اجازته. توجه الى مكتبه والتقى ببديله منصور السوداني وصارا يتباحثان بامور العمل وما وقع خلال غيابه وما يتطلب منه متابعته. وعند الانتهاء من [التسليم] كما كان يسمى هناك. ودع همام بديله وتمنى له اجازة ممتعة ثم عاد وجلس على كرسي مكتبه وراح يرتب ملفاته ويباشر بعمله كالمعتاد. وفي المساء عندما انتهى العمل رسمياً مع الساعة السادسة والنصف، رجع همام الى غرفته وقام بالاغتسال ثم توجه الى المطعم ليتناول وجبة العشاء. هناك سأله صديقه صفوان الذي كان جالساً الى جانبه،
صفوان : ما رأيك يا ابو الهمايم ان نصطاد السمك هذه الليلة؟
همام : لا، انا آسف يا صفصف، يجب عليّ ان اجري مكالمة هاتفية مهمة وطويلة من غرفتي.
صفوان : مكالمة هاتفية طويلة ومهمة؟ يبدو ان سنارتك قد غمست وامسكت بشيئ آخر غير السمك. اليس كذلك؟
همام : لديك الحق يا صفصف. التقيت في ابوظبي بفتاة عراقية في غاية الجمال وقد تعلق قلبي فيها.
هنا راح صفوان يقرع الايقاع باصابعه على الطاولة وصار يغني،
تَعَلَّقَ قَلبي طَفلَةً عَرَبِيَّةً تَنَعمُ في الدِّيبَاجِ والحَلى والحُلَل. تَنَعمُ في الدِّيبَاجِ والحَلى والحُلَل، لَهَا مُقلَةٌ لَو أَنَّهَا نَظَرَت بِهَ إِلى رَاهِبٍ قَد صَامَ لِلّهِ وابتَهَل. لَأَصبَحَ مَفتُونًا مُعَنَّى بِحُبِّهَ كأَن لَم يَصُم لِلّهِ يَومًا ولَم يُصَل. ايــــــه يا ابو الهمايم، خبرني هل قمت بخطبتها؟
همام : كلا ليس بعد يا صديقي. لكننا نمر بمرحلة التعارف الآن.
صفوان : وصيتي لك هي التأني. لان الاستعجال بهذه الامور ليس من صالحك ابداً. انت لا تريد ان تتورط بأمرأة تريك المر وسهر الليالي مثل طليقتك المكروهة جنان. فقد صدمتني بالمرة السابقة حين زرتكم ببيتكم في ابوظبي، لقد اسمعتني كلام جارحاً للغاية.
همام : لست انت وحدك يا صديقي. فقد كانت جنان تشبه القنبلة الطائشة التي ترمي شظاياها اينما كان وبكل الاتجاهات. والآن ها قد ارتحت منها ومن لسانها السليط. فقد طلقتها بالثلاثة.
صفوان : إذاً دعني لا اعطلك عن مهمتك الوطنية والقومية. ولكن اريد منك تقريراً مفصلاً عنها فيما بعد. لا تنسى ذلك.
همام : وهو كذلك عزيزي صفصف.
نزل همام الى غرفته والتقط الهاتف الثابت ليتصل بعامل البدالة الباكستاني قال بالعربية،
همام : مساء الخير يا زولفي، كيف حالك؟
اجابه بعربية مُطَعّمة باللغة الباكستانية،
ذو الفقار : اوووووه همام البتل. انا بخير، لقد نورت البارزة. كيف استتيع خدمتك؟
همام : اريد الاتصال بهذا الرقم في ابوظبي ممكن؟
ذو الفقار : كيف مس ممكن؟ بالتأكيد ممكن. اعطني هازا ركم وساوصلك بابوزبي.
اعطاه رقم سمر قال،
ذو الفقار : الرقم يدق تررن تررن... تررن تررن تفزل.
همام : شكراً زولفي.
ردت سمر بصوتها الحنون حين قالت (الو) قال لها،
همام : مساء الخير سمر، كيف حالك؟
سمر : همــــــــام انا لا اصدق، أهذا انتَ؟ متى عدت من الاجازة؟
همام : بالامس مساءاً فقط، واليوم وصلت البحر. انت التي حجزتيلي الرحلة ذهاب واياب. هل تذكرين؟
سمر : ولماذا لم تتصل بي في الصباح فور وصولك البحر؟
همام : كنت مشغولاً مع بديلي انفذ عملية [التسليم]. فبديلي يجب ان يخبرني بكل ما وقع بالعمل خلال غيابي في الاجازة. والآن انا وحدي بالغرفة وبامكاني التحدث اليك بعيداً عن اعين المتطفلين. اخبريني، هل اشتقت اليّ؟
سمر : هل تريد الصدق ام ابن عمه؟
همام : اريد الصدق طبعاً.
سمر : لقد اشتقت اليك كثيراً يا همام. لا اعلم ماذا فعلت بي، يبدو انك سحرتني لانني افكر فيك ليل نهار، لما اكون وحدي بغرفتي، وعندما اكون في العمل كذلك اذكر كل كلمة دارت بيننا. لقد دخلت قلبي من اوسع ابوابه.
همام : هل افهم من ذلك انك مغرمة بي؟
سمر : بعد كل ما اخبرتك به وتسألني هذا السؤال؟ طبعاً انا مغرمة فيك يا همومتي.
همام : لا اصدق ما اسمع. انت لا تدركين كم افرحتيني بهذا الكلام سمورة الغالية.
سمر : هل تحدثت مع فتيات اسبانيات عندما كنت هناك؟
همام : وهل استطيع ذلك؟ فشبحك كان واقفاً لي بالمرصاد ولم يفارقني للحظة واحدة. لم يترك لي المجال التحدث مع اي واحدة ما عدى لولا.
سمر : ومن هي لولا يا خائن؟
همام : هاهاها، انها سيدة في السبعين من العمر. تعمل بحانوت للمواد الغذائية بالقرب من شقتي. تحدثت معها ومع زوجها واخبرتهم عنك ففرحا كثيراً وتمنيا لنا حياة سعيدة.
سمر : الحمد لله. افتكرتك تخونني.
همام : وهل استطيع فعل ذلك؟ انت شغلتِ عقلي وروحي وكياني فانا افكر فيك وبجمالك كل الوقت. اتمنى ان اراك باقرب فرصة.
سمر : فور بدء اجازتك القادمة بامكاننا ان نلتقي لدى احدى صديقات العائلة.
همام : الا تخافين من انها ستفشي سرنا لوالدك؟
سمر : لا انها انسانة رصينة ورائعة.
همام : ما اسمها يا ترى؟
سمر : اسمها امل وهي تعمل كمديرة مدرسة.
همام : لا اظن انني سمعت باسمها في السابق.
سمر : ساخبرك المزيد عنها لاحقاً، فهي صديقة للعائلة وهي انسانة في غاية الدماثة. سنلتقي في بيتها كثيراً وسنتحدث مع بعضنا البعض هناك مطولاً.
همام : والآن اخبريني كيف كان اشتياقك لي؟
سمر : بصراحة كنت افكر فيك ليل نهار.
همام : دعينا من النهار. كيف كنتِ تفكرين بي في الليل؟
سمر : الليل كان الطامة الكبرى. فذكراك كانت تزيدني سعادة وحبوراً. كنت اتخيل الامور الحميمية التي ستحدث بيننا.
همام : انت فتاة جريئة جداً.
سمر : يجب ان اكون جريئة فانت ستصبح زوجي وابو اولادي مستقبلاً. اليس كذلك؟ هيا اخبرني كيف ستتصرف مع فتاة عذراء شغوفة مثلي؟
همام : حسناً بما اننا ازلنا كل الحواجز بيننا فسوف اقولها بلا قيود.
سمر : اريدك ان تخبرني باول ليلة بعد ان نتزوج في شهر العسل. ماذا ستفعل معي؟
همام : بما انك سألتِ فساقول لك كل شيء. بدءاً سندخل غرفة الفندق الذي سنقضي فيه شهر العسل.
سمر : اجل، اجل هذا هو الكلام الذي انتظر سماعه. واصل حديثك ولا تترك اي تفصيل مهما كان حجمه. لا تخجل من شيء تحدث بصراحة تامة.
همام : ساقوم بازالة فستان العرس الابيض واقبلك.
سمر : اريدها ان تكون قبلة طويــــــــلة. طويلة جداً فانا اتوق لتقبيلك يا عمري. اريد تذوق لسانك بفمي.
همام : ساقبل شفتيك اولاً ثم الثم رقبتك وبعدها اهبط لاقبلك من كل بقعة من جسدك بينما ازيل فستانك واعريك تماماً بيدي.
سمر : لقد تحمست كثيراً هيا اخبرني المزيد فما عدت احتمل.
هنا بدأ همام يحدثها عما سيدور بينهما من علاقة حميمة وكانت سمر تتحمس أكثر وتطلب منه المزيد فيخبرها من خلال خبراته الكبيرة في السابق. كانت تتحمس اكثر وتكاد تصرخ من شدة حماسها. دامت المكالمة لاكثر من ساعتين ثم سمعته يقول،
همام : هل تصدقين اننا تحدثنا لاكثر من ساعتين؟
سمر : وما المشكلة؟ انا اريد ان اجلس في حضنك طوال عمري واريد منك المزيد مما سنفعل بليلة الدخلة.
همام : لك ذلك والمزيد يا عمري.
وبعد اكثر من ساعتين اخريين اغلق الخط معها لتغمره السعادة التي لم يكن يحلم بها ابداً. لم يتوقع منها ان تكون بهذه الجرأة فهي تحدثت معه بامور لا يتحدث بها سوى المتزوجون حينما يختليان مع بعضهما البعض. لقد ابدت استعداداً كبيراً للامور الحميمية. بينما كانت طليقته جنان لا تسمح له الاقتراب منها الا ما ندر. وعندما يفعلان ما يفعلان كانت تحمّله افضال كثيرة وكأنها عطفت عليه وسمحت له ان يخترق خصوصياتها. كانت تكره اللقائات الجنسية وتسميها قذارة واحياناً نجاسة. كانت تتقزز من نفسها بعد الممارسة وتلعن كل شيء وهي ذاهبة للاغتسال وكأنه قد تغوط عليها. والآن اصبح يعرف ان سمر قد اصبحت ملكاً له دون ادنى شك. لم يبقى امامه سوى ان يلتقي بها وجهاً لوجه ويحطون النقاط على الحروف قبل ان يقوم بطلب يدها من والدها.
بقيت مكالماتهم الهاتفية مستمرة كل ليلة خلال الاربعة اسابيع التي قضاها همام في البحر. وكل مكالمة كانت اكثر حميمية واكثر جرأة من سابقاتها. بقي الحبيبان يتحدثان كل ليلة حتى جاء وقت عودته الى ابوظبي كي تبدأ اجازته. كان يتطلع لتلك الاجازة بكل شوق لانه يعلم انه سيضع البصمة الاخيرة على ارتباطه مع سمر فالفتاة الجميلة ستكون له الى الابد. سيتزوجان ويؤسسان عائلة جديدة يحفها الحب والتفاهم.
التقى همام ببديله منصور بعملية [التسليم] وتباحثا عن امور العمل التي وقعت خلال الشهر الذي اشتغل فيه همام ثم ودعه وركب الطائرة لتعيده الى مدينة ابوظبي. فور هبوط الطائرة بمطار البطين اقلته حافلة الشركة لتوصله الى بيت اخته احلام بشارع حمدان. فتح الباب بمفتاحه الخاص ودخل فلم يجد احداً في الدار. علم ان اخته وزوجها لازالوا في العمل والاطفال رقية وايمن لم يرجعا بعد من دروس الموسيقى. دخل المطبخ واعد لنفسه فنجان قهوة عربية وجلس في الصالون ثم رفع السماعة ليطلب مكتب سفريات النجاح، طلب من الموظفة التحدث الى سمر فحولته الى هاتفها قالت،
سمر : الحمد لله على سلامتك يا عمري، سامحني حبيبي، لدي زبون اتحدث معه الآن. ساطلبك بعد قليل في بيت اختك احلام.
بعد ان اغلقت الخط معه، انتظر لربع ساعة ثم سمع الهاتف يرن من جديد فرفعه بشغف كبير ليسمع صوت حبيبته تقول،
سمر : حبيبي همام، اعتذر عن التأخير.
همام : لا عليكِ يا عمري. لقد دمرني الشوق اليك كثيراً.
سمر : وانا كذلك. اسمع حبيبي سجل عندك عنوان امل.
اخرج ورقة من جيبه وسجل العنوان ثم قال،
همام : ستخبرك امل بكل شيء تود ان تعرفه عني فهي صديقة العائلة وسوف لن تخفي عنك شيئاً.
سمر : سانتظر منك التقرير بعد زيارة امل.
همام : وهو كذلك، لا اريد ان اشغلك عن عملك. وداعاً.
سمر : وداعاً يا عمري.
اغلق الخط معها وعدل من جلسته ينتابه شعور جميل. صار يدرك تماماً بأن لا شيء سوف يقف بينه وبين الاقتران بحبيبته سمر التي ارسلها الله له كتعويض عن معاناته مع طليقته جنان لانهما اصبحا بحكم المخطوبين الآن. بهذه الاثناء سمع صوت الباب ينفتح ليدخل نسيبه محمد ومعه اخته احلام. دخلا فبدأ الحديث بينهم لتتوجه بعدها احلام مباشرة الى المطبخ كي تعد الطعام. وفي تلك الاثناء دخل ايمن ورقية عائدان من دروس الموسيقى. فور رؤيتهم لهمام صاحوا باعلى صوتهم، "خالو هنا". ركضا نحوه وصارا يقبلانه وراح همام يسألهم عن دروس الموسيقى في المعهد. جلس الجميع خلف السفرة فقامت اخته بتقديم الطعام ليبدأوا بتناول وجبة الغداء. وفي المساء بعد ان اخذوا قيلولة قصيرة، جلسوا في الصالة جميعاً فاعلن همام للجميع،
همام : سيداتي آنساتي سادتي، لدي خبر عظيم سيفرحكم كثيراً.
محمد : ما هو الخبر يا نسيبي؟ هل ترفعت بوظيفتك؟ او ربما ستشتري سيارة جديدة؟
همام : كلا لم اترفع لكنني وجدت فتاة بديلة لطليقتي جنان وساتزوجها.
محمد : بهذه السرعة يا همام؟ لم يمر على طلاقك من جنان سوى شهرين.
همام : بل انها خمسة شهور يا عزيزي محمد.
محمد : هل الفتاة عربية؟
همام : اجل، انها عراقية وتعمل بمكتب سفريات. اشتريت منها التذكرة وابديت اعجابي بها والتمست منها الاعجاب هي ايضاً.
محمد : متى وقع كل ذلك؟
همام : كان لقائنا الاول يوم اشتريت التذكرة لاسبانيا.
محمد : ولماذا تريد الاقتران بها قبل ان تعرفها بشكل جيد؟ اليس الاجدر بنا ان نسأل عنها ونستقصي الامر؟
بتلك اللحظة دخلت اخته تحمل بيدها صينية شاي لتضعها فوق الطاولة وتعطي كل واحد منهم قدحه. قالت،
احلام : كيف تأخذ قرارك بمثل هذه السرعة؟ المفروض ان تتعرف عليها بشكل جيد قبل ان تتخذ قراراً مصيرياً بهذا الحجم.
همام : انتم تتحدثون وكأنني قمت بخطبتها وتزوجتها فعلاً. انا فقط تعرفت عليها قبل ان اسافر الى اسبانيا. بعدها صرنا ندردش كثيراً على الهاتف كل ليلة اثناء وجودي بالبحر.
احلام : ما اسمها؟
همام : ربما تعرفينها، اسمها سمر محمود الوالي. انها الوحيدة لاهلها وتعمل بمكتب سفريات النجاح بشارع حمدان. والدها يعمل بشركة تأمين اهلية.
احلام : لا، لم يسبق لي ان تعرفت عليها لكنني سأسأل صديقتي امل. فالجميع يلقب امل بمختارة ابوظبي.
همام : لقد ذكرت لي سمر هذا الاسم. هل هي مديرة مدرسة؟
احلام : اجل مديرة مدرسة آل نهيان.
همام : إذاً ارجوكِ اتصلي بها الآن فوراً يا اختي العزيزة كي اتحدث معها.
احلام : لا داعي للاتصال بها بالهاتف. فلقد سبق وان اتفقت معها ان نزورها انا والاولاد في مساء هذا اليوم. لذلك ساسألها عن سمر في حينها.
همام : ولماذا لا اذهب معكم واسألها بنفسي؟
احلام : وهو كذلك. ستفرح بك كثيراً لانها انسانة طيبة جداً.
وبالمساء استعد الجميع للزيارة وركبوا سيارتهم ليقودها محمد فيتجه بها الى البطين اين تسكن امل. دقوا جرس الباب ففتحت لهم ابنتها الصغيرة علياء وادخلتهم الى صالة الاستقبال. جلس الجميع على الارائك حتى دخلت عليهم امل واوسعتهم ترحيباً وقبلت الاطفال رقية وايمن ثم جلست ووجهت كلامها لهمام قائلة،
امل : هل انت همام اخو احلام؟
همام : اجل.
امل : اهلاً وسهلاً بك. سمعت انك تعمل في البحر.
همام : اجل اعمل منذ بضع سنين هناك في حقل زاكوم التابع لشركة زادكو.
امل : ما طبيعة عملك هناك؟
همام : انا اعمل كمهندس بترول في قسم الانتاج بالموقع.
امل : هل تعمل على نظام المناوبة؟
همام : اجل، شهر عمل يقابله شهر اجازة.
امل : كم هذا جميل. لقد حدثتني عنك اختك احلام كثيراً لكنني لم احظى بلقائك الا اليوم.
هنا دخلت اخته احلام على الخط وقالت،
احلام : بالحقيقة جئناك اليوم كي نسأل عن فتاة اسمها سمر محمود الوالي. ماذا تعرفين عنها؟
امل : لماذا تسألون عنها؟ هل هناك رجل يريد التقدم لخطبتها؟
همام : اجل يا اخت امل، انا اريد ان اتقدم اليها.
امل : ما هو مواليدك اخي همام؟
همام : انا من مواليد 1954. وهي كذلك من نفس المواليد.
امل : هل اخبرتك ذلك بنفسها؟
همام : كلا، ليس بشكل مباشر لكنني استشفيت ذلك من خلال حديثي معها.
امل : يبدو ان استنتاجك كانت خاطئاً. لانها من مواليد 1952. اي انها اكبر منك بسنتين.
همام : وما الضير في ذلك؟ سنتين لا تعني شيئاً.
امل : باعتقادي ان فارق السن بينكما سيشكل حجر عثرة في طريق ارتباطكما.
همام : انا غير مبالِ بهذا الفرق ابداً. كل ما اريد معرفته هو رأيك بالفتاة. هل هي ذات سمعة جيدة؟ هل اهلها اناس طيبون وعائلة معروفة؟
امل : اجل من هذه الناحية فهي فتاة حسنة الاخلاق وتنحدر من عائلة كريمة. انا اعرف والديها بشكل جيد. كثيراً ما ازورهم كلما سنحت لي الفرصة.
همام : هذا ما كنت أنتظر سماعه.
امل : لكنني اكرر كلامي بان فارق السن بينكما غير ملائم. يجب ان تعدل عن قرارك. فعندما يكون سنها خمسين تكون انت 48.
همام : ساكون انا الذي اقرر على فارق السن.
امل : كما تشاء يا عزيزي، ولكن لا تقول انني لم احذرك.
بعد ذلك تناولوا الشاي وتغير الموضوع وصارت اخته احلام تتحدث عن الطبخ وقدوم رمضان قريباً. بقي الضيوف ببيت امل لاكثر من ساعتين ثم استأذنوا منها ورجعوا الى منزلهم. وفي المنزل جرى النقاش بينهم إذ قالت اخته،
احلام : لماذا اصرت امل كي تعترض على فارق السن؟
محمد : المرأة كانت تبدي تحفظاً لا اكثر. ارى ان ذلك نابع من حرصها. بآخر المطاف همام هو اخوك وامره يهمها.
همام : لكنها بقيت تصر على عدم جهوزيتنا للزواج فقط لانها تكبرني سنتين.
احلام : لا عليك همومي. امل انسانة حريصة جداً وفي غاية الطيبة انها تحاول ان تحميك من مشاكل الاختلاف بالسن.
محمد : عليك ان تتحدث مع الفتاة اليوم وتخبرها برغبتنا في زيارتهم لغرض التعارف.
همام : سافعل ذلك فيما بعد.
وفي الساعة الحادية عشر ليلاً دخل الجميع الى غرفهم للنوم الا همام لانه في اجازة. كان ينتظرهم حتى يناموا كي يسترسل ويأخذ راحته في الحديث مع حبيبته. رفع السماعة وطلب رقم هاتفها فاجابته بصوتها الجميل قالت،
سمر : كيف سارت الامور مع امل؟
همام : كل شيء على ما يرام. بعد ان تحدثت مع اختي وزوجها قررنا ان نقوم بزيارة عائلية لكم في بيتكم.
سمر : لا اصدق ما تقول. اكاد اطير من الفرح. هل يعقل ذلك؟ هل ستصبح زوجي واصبح لك الى آخر العمر؟
همام : اجل يا عمري هذا ما سنحرص على تحقيقه الا اذا لم يوافقوا اهلك على ارتباطنا.
سمر : اطمئن حبيبي، اهلي سيوافقون عليك بدون شك لانهم لن يجدوا افضل منك كي تكون نسيبهم.
همام : هل بامكانك ان تأخذي لنا موعداً منهم؟
سمر : بالتأكيد، ما رأيك بيوم الخميس القادم؟
همام : سيكون مناسباً جداً. وانا ساخبر اختي وزوجها.
سمر : احضر الاولاد معكم. اريد التعرف عليهم فقد شوقتني كثيراً لكي التقيهم.
همام : وهو كذلك. والآن يجب عليكِ ان تنامي لان لديك يوم عمل غداً بالمكتب.
سمر : لا ارجوك انتظر قليلاً. اريد منك ان تحدثني عن الكلام الذي كنت تسرده وانت في البحر اقصد ما سيدور بيننا في ليلة الدخلة. فانا متشوقة لذلك الحديث الدسم الذي كان يثيرني كثيراً.
همام : ولو اننا سنقوم بممارسته بشكل عملي قريباً لكنني لن اخيب ظنك. اسمعي مني يا حلوتي... وبينما ندخل غرفتنا بالفندق اقوم بتقبيلك اولاً ثم اعريك تماماً...
صار همام يحدثها عن تفاصيل المواقف الحميمية التي سيمارسونها في ليلة الدخلة ولم يغلق الخط معها حتى وقت متأخر من الليل. وفي اليوم التالي استيقظ همام مبكراً كي يخبر عائلة اخته عن الموعد الذي حدده مع سمر للزيارة بيوم الخميس فوافقوا على ذلك. وبعد ان غادر الجميع وفرغ المنزل من قاطنيه، توجه همام الى محل لبيع الازهار في النادي السياحي واوصى على باقة ورد ثمينة حتى تكون جاهزة يوم الخميس القادم.
ترى هل ستسقبلهم عائلة سمر بشكل لائق كما كانوا يأملون؟
هل سيتحدثون عن المهر وحفلة النيشان لتتم الخطبة؟
ام ان اموراً اخرى غير متوقعة ستجابههم؟
سنعرف ذلك في الجزء الثاني من هذه القصة الحقيقية.

744 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع