ياقوت ومَرْجَان في بلاد النِّسْيَان - بسام شكري

بسام شكري

ياقوت ومَرْجَان في بلاد النِّسْيَان

كانت بغداد في صيف عام 2026 تبدو مدينة فقدت ذاكرتها بالتدريج. لم يعد أحد يتذكر شكلها الحقيقي قبل الحروب والاحتلال والميليشيات والوعود السياسية التي تكاثرت فوق جدرانها مثل العفن. شارع الرشيد نفسه، الذي كان يوماً قلب العاصمة الثقافي والتجاري، تحول إلى ممر طويل من الأبنية المتعبة والواجهات المحطمة والأسلاك الكهربائية المتشابكة فوق الرؤوس كأنها شباك سوداء ضخمة نصبت لاصطياد ما تبقى من أرواح الناس، عند الغروب كانت رائحة المجاري المختلطة بدخان المولدات الكهربائية تملأ المكان حتى يصعب على المرء أن يميز إن كان يتنفس هواءً أم بقايا مدينة محترقة ببطء.

في بداية النصف الأول شارع الرشيد وعند سوق الشورجة القديم وقف جامع مرجان العتيق بصمته الثقيل، كأنه شيخ هرِم شهد انهيار أجيال كاملة ولم يعد قادراً على الكلام, كان الناس يمرون قربه كل يوم دون أن ينتبهوا إلى أن شيئاً غريباً بدأ يحدث داخله منذ أسابيع, في الليالي التي تنقطع فيها الكهرباء عن بغداد بالكامل، كانت المئذنة القديمة تشع أحياناً بضوء أزرق خافت يظهر لثواني ثم يختفي، لكن أحداً لم يكن يهتم كثيراً، فالعراقيون الذين عاشوا سنوات طويلة وسط التفجيرات والحروب والموت والطائفية المقيتة واللصوص المرتبطين بجاره السوء الذين يحكمونهم بالنار والحديد لم يعودوا يكترثون للغرائب الصغيرة.
من هو مرجان باني جامع مرجان
لم يكن مرجان وزيراً لخليفة عباسي، بل كان مملوكاً أميناً وحاكماً لبغداد في عهد الدولة الجلائرية (وهي دولة مغولية مسلمة حكمت العراق وإيران بعد سقوط الدولة العباسية)، وكان مملوكا تابعاً ومقرباً جداً للسلطان معز الدين أويس الجلائري , ونتيجة لأمانته وذكائه رفعه السلطان وأنابه عنه في حكم بغداد وإدارة شؤونها عندما كان السلطان يذهب لإخماد الثورات في إيران والتوسع شرقاً, في عام 765 هـ، اضطر السلطان أويس الجلائري للخروج بجيشه من بغداد متوجهاً إلى بلاد فارس لحرب خصمه (الشاه محمود المظفري). واستغل المملوك مرجان وزير البلاط غياب السلطان الطويل، فوسوس له طموحه بالاستقلال، وخرج عن طاعة سيده، وخطب في أهل بغداد مبشراً إياهم بنهاية الحكم الجلائري وبداية عهد جديد واستقلال بغداد تحت حكمه, وعندما علم السلطان أويس بتمرد مرجان، استشاط غضباً وقفل راجعاً بجيشه إلى العراق ولتحصين نفسه، قام مرجان بقطع الجسور وتخريب السدود، مما تسبب في فيضانات هائلة لنهر دجلة لإعاقة وصول جيش السلطان, إلا أن السلطان أويس وجنوده تمكنوا من عبور الموانع المائية وصنع القوارب، والتقى الجيشان في معركة عنيفة انتهت بهزيمة جيش مرجان وانكساره، ودخل السلطان أويس بغداد منتصراً، وقبض على مرجان وأودعه السجن تمهيداً لإعدامه, لم يقتل السلطان أويس مرجان فوراً تقديراً لأيام رفقتهم القديمة، وخلال فترة سجنه، تحرك عُلماء بغداد، وكبرائها ، ووجهاؤها، وشفعوا لمرجان عند السلطان؛ نظراً لأن مرجان كان معروفاً بحبه للعدل وإحسانه لأهل بغداد قبل تمهّله بالتمرد, وبسبب هذا التدخل والوساطة الشعبية والدينية الكبيرة، رقّ قلب السلطان أويس وعفا عنه، وأطلق سراحه ولم يقتله، بل وأعاده لاحقاً إلى بعض مهامه بعد أن استوثق من ندمه, عاش مرجان ما تبقى من عمره في زهد وعبادة، وتملكته رغبة عارمة في التكفير عن ذنبه وعقوقه لسيده، وعن الدماء التي سالت بسبب تمرده, واعتزل الحياة السياسية تماماً، وعاش خادماً في المسجد والمدرسة التي بناهما، يكنس ويطبخ للفقراء والمصلين، ويقضي ليله بالبكاء والتعبد حتى وفاته عام 774 هـ., ودُفن مرجان في نفس المدرسة (التي أصبحت جامع مرجان) في ضريح خاص كانت تعلوه قبة مشيفة شهيرة، وهدمت القبة لاحقاً في القرن العشرين (عام 1946م) عند توسعة شارع الرشيد.
وقد خلد أمين الدين مرجان اسمه في تاريخ العمارة الإسلامية من خلال تشييد صروح هامة في قلب بغداد (منطقة الرصافة- الشورجة الحالية) وهي: المدرسة المرجانية وجامع مرجان (تاريخ البناء 758 هـ / 1356م): بنيت في الأصل كمدرسة عظيمة لتدريس العلم على المذاهب الأربعة، وضمت مسجداً، وحبس عليها أوقافاً ضخمة جداً في بغداد وديالى لضمان استمرارها, وبنى خان مرجان (الأثري) وهو خان تجاري شهير بناه ليكون موقوفاً (يعود ريعه المالي) للصرف على مدرسته وجامعه وعلى الفقراء والطلاب، ويتميز هذا الخان بهندسته الفريدة وسقفه المعقود بالطابوق، وهو من أبرز معالم العمارة الجلائرية الباقية, وقد بنى كذلك دار الشفاء (المارستان المرجاني) فبناها كبيمارستان (مستشفى) لمعالجة المرضى بالمجان في بغداد, ولم يقتصر خيره وصدقاته على البشر بل شملت أوقافه من خيرات أوقاف مرجان رعاية القطط والكلاب الضالة، وطعام طيور بغداد وحيتان نهر دجلة، حيث اشترط في حجة وقفه تخصيص مبالغ لإطعام الحيوانات السائبة, تذكر المصادر التاريخية (مثل كتب تاريخ بغداد وتاريخ العراق بين احتلالين) أن الخواجة أمين الدين مرجان كان طواشياً (خصياً)، وهو أمر كان شائعاً في أوساط المماليك الذين يتولون إدارة القصور والحرم السلطاني لحمايتهم وثقة السلاطين بهم, وبناءً على طبيعته كمملوك طواش، لم تكن لأمين الدين مرجان ذرية أو أولاد، ولهذا السبب قام بوقف كل ثروته وأبنيته وعقاراته لله تعالى ولخدمة أهل بغداد والفقراء، ليكون هذا الوقف هو ذكره الباقي بدلاً من الذرية, كانت أوقاف مرجان تبدأ من الجامع لتصل الى نهر دجلة وقد قامت أمانة العاصمة بالاستيلاء على تلك الأوقاف في فترات مختلفة كان أخرها بداية الستينات فلم يبقى من أوقاف مرجان سوى الجامع والخان الذي يبعد عنه خمسمئة متر باتجاه نهر دجلة.
تداول أهل بغداد الكثير من الحكايات عن أمين الدين مرجان وبركاته وكانت هناك حكاية قديمة يعرفها من يصلي في الجامع انه كان على الدوام دراويش من الصوفية يظهرون فجأة في الجامع في بعض الأيام عند الصلاة، وكانت ملابسهم قديمة ويرتدون خواتم وأساور معدنية رخيصة إمعانا في الزهد وبما أن إمام الجامع الذي كان حنفيا يشدد على الخشوع في الصلاة وفي كل صلاة، ومن ذلك الخشوع فلم ينتبه المصلين بعد انتهاء صلاتهم على الدراويش الذين يصلون معهم في نفس الصفوف وما إن تنتهي الصلاة حتى يختفي الدراويش.
في ليلة من ليالي صيف بغداد الحار وبعد انتهاء حرب الأربعين يوما بين أمريكا وإسرائيل من جانب وايران من جانب أخر، كانت بغداد تغرق بحرارة خانقة وانقطاع شامل للكهرباء بسبب توقف ايران عن بيع الغاز للعراق لان مصادر الغاز قد قصفتها الطائرات خلال حرب الأربعين يوما, جلس الناس أمام بيوتهم أو فوق السطوح محاولين التخلص من الاختناق حيث الحرارة اللاهبة ودخان مولدان الكهرباء الذي يكتم الأنفاس، بينما كانت مواكب سيارات المسؤولين المصفحة من الخارج والمبردة من الداخل تمر بسرعة وسط الشوارع المظلمة وكأنها تنتمي إلى مدينة أخرى لا تعرف الفقر ولا العرق ولا طوابير البطالة وملايين الجياع , وقبل الفجر بقليل انفتح باب جامع مرجان ببطء شديد، وخرج منه رجل طويل القامة يرتدي عباءة ذهبية قديمة وعمامة باهتة، وكانت عيناه تلمعان بطريقة غير طبيعية, لم يكن الرجل بشرياً تماماً، بل جنيّاً قديماً اسمه مرجان، عاش في بغداد منذ العصر الجلائري ثم اختفى لعقود طويلة بعدما تعب من مراقبة أهل بغداد وهم يكررون المآسي نفسها جيلاً بعد جيل.
تجول مرجان في شارع الرشيد بصمت وهو يشعر أن المدينة التي عرفها ماتت منذ زمن بعيد، كان يتذكر بغداد مختلفة تماماً، مدينة تعج بالمكتبات والأنهار والحدائق والموسيقى، لا مدينة تبتلعها صور السياسيين والرايات الحزبية والوثنية والشعارات الطائفية التي تغطي جدران المدينة، شعر بحزن ثقيل وهو يراقب الوجوه المتعبة للبسطاء الذين صاروا يتحركون كأنهم آلات بلا أمل، يلهثون طوال اليوم خلف الماء والكهرباء والرواتب والطعام، بينما تتحدث القنوات الفضائية ليل نهار عن الانتصارات والمشاريع والإصلاح, وكانت مواكب المسؤولين (الذين يسميهم العراقيين المسعورين ) تجوب شوارع بغداد بأحدث واغلى السيارات الفارهة بينما المواطن العادي لا يتمكن من استعمل وسائل النقل التي تحترم البشر حيث انتشرت سيارات التكتك الهندية التي تعمل بوقود رخيص ينفث السموم في الأجواء, في الوقت الذي انتشر اكثر من ربع مليون شحاذ من الهند وباكستان وايران في شوارع العراق ليشكلوا قوة شيطانية تنهش العراقيين وتشوه ذاكرتهم في ظل دعم وتشجيع من الشرطة التي لم تقم يوما بسؤالهم عن كيفية دخولهم العراق أو وجود إقامات عمل لديهم أو انهم جزءا من جيش جارة السوء السري الذي تحميه الشرطة العراقية؟
دخل مرجان مقهى شعبياً صغيراً قرب الشورجة وجلس في زاوية معتمة يراقب شاشة تلفاز قديم كانت تعرض تقريراً عن كارثة جديدة أصابت نهر دجلة، ظهرت على الشاشة ملايين الأسماك النافقة وهي تطفو فوق سطح الماء بعدما اختلطت مياه النهر بمياه المجاري القادمة من محطات التنقية في منطقة ديالى شمال بغداد والمعطلة منذ سنوات طويلة بسبب الفساد والإهمال والتي دخلت الى نهر دجلة بسبب الأمطار الغزيرة فقامت وقامت بتلويث المياه وتغير لون المياه وماتت الحياة في نهر دجلة وماتت المزارع التي تأخذ الماء منه , كان المذيع يتحدث بلغة رسمية باردة عن لجان تحقيق ومشاريع تطوير، بينما كان الرجال الجالسون في المقهى يضحكون بسخرية حزينة لأنهم سمعوا الكلام نفسه مئات المرات من قبل, أدرك الجان مرجان أن الكارثة الحقيقية لم تعد في الخراب نفسه، بل في اعتياد الناس عليه حتى صار جزءاً طبيعياً من حياتهم اليومية.
في اليوم التالي شاهد مرجان مقطع فيديو لفلاح من مدينة العمارة يقف وسط أرضه الزراعية وقد ماتت نتيجة لدخول مياه المجاري وهو يبكي بحرقة بعدما جفت مزرعته بسبب المياه الملوثة. كان الرجل يكرر القسم بالعباس والحسين بصورة متكررة انه سوف يقوم بحرق بيته لأنه خسر مزرعته وفقد ماله، حتى بدا وكأنه يبحث في الكلمات المقدسة عن حماية من عالم سُرقت فيه العدالة، شعر مرجان بحزن عميق، هنا تسائل مرجان مع نفسه: أليس الرموز الدينية (العباس والحسين) نفسهما قد استخدمها اللصوص لجعل هذا الفلاح الفقير بتلك الحالة البائسة وهو ما يزال يحلف بهما؟ ليس هذا الرجل وحده يا مرجان ، بل بسبب الطريقة التي تحولت بها معاناة الناس إلى مزيج غريب من الإيمان والخوف والعجز, كان مرجان يرى أن السلطة التي حكمت العراق بعد 2003 نجحت في تحويل الدين إلى درع سياسي هائل، فصار كثير من الفقراء يدافعون عن زعمائهم الطائفيين بحماس أكبر من دفاعهم عن حقوقهم الأساسية في الماء والكهرباء والعمل والكرامة, وحتى من يصيبه الظلم من السلطة الدينية الحاكمة فانه مازال متمسك بالدين الذي صنعته تلك السلطة الغاشمة واستمر يحلف بالعباس والحسين اللذين بسبب استخدام السلطة الدينية لهما في استمرار النظام السياسي السبب في كل الماسي والكوارث التي حلت على العراقيين.

ومع اقتراب عاشوراء، بدأت بغداد تتحول تدريجياً إلى مدينة سوداء تغرق بالرايات والمواكب والخطب. خرج مرجان ليلاً يتجول بين الشوارع المكتظة، فرأى آلاف الفقراء ينفقون ما يملكون على الطقوس بينما أطفالهم يعيشون في مدارس متهالكة ومستشفيات بلا أدوية، رأى رجالاً يغسلون أقدام الزوار الإيرانيين بطريقة شعر أنها تسحق كرامة الإنسان أكثر مما تعبر عن التدين، ورأى شباباً مستعدين للعراك دفاعاً عن سياسي فاسد فقط لأنه يرتدي عمامة أو يتحدث باسم الطائفة. لم يكن مرجان يكره الإيمان أو يسخر من الحزن الديني، لكنه شعر أن العراق انزلق خلال السنوات الماضية إلى نوع من التقديس الأعمى الذي جعل الناس يخافون من التفكير والنقد أكثر مما يخافون من الفساد نفسه.
في تلك الليلة عاد الجني إلى جامع مرجان مثقلاً بالأسى، وجلس وحيداً في الصحن القديم يتأمل بغداد من بعيد, كان يسمع أصوات المولدات واللطميات وصفارات سيارات الحماية الخاصة بالمسعورين اللصوص و المختلطة مع نباح الأف الكلاب السائبة ورائحة النهر الملوث والقمامة المنتشرة في كل مكان، وفجأة شعر أن المدينة كلها تحولت إلى مسرح هائل للكوميديا السوداء, السياسي يسرق باسم الوطن، ورجل الدين يسرق اكثر من السياسي ومقابل تلك السرقات يعطي الشرعية للسياسي، والفقير يواصل التصفيق لمن تسبب بفقره لأنه يخشى الخروج عن الجماعة, عندها فقط أدرك مرجان أن الخراب الذي أصاب العراق لم يكن خراب شوارع ومؤسسات فقط، بل خراباً أصاب وعي الناس أنفسهم، وحولهم بالتدريج إلى سجناء للخوف والطائفية واليأس.
في الأيام التالية بدأ مرجان يتجول في بغداد كما لو أنه شبح قديم عاد ليتفقد مدينة تركها مزدهرة فعاد فوجدها غارقة في القذارة, كان يراقب الناس بصمت ويشعر أن كل شيء في العراق أصبح يحمل وجهين؛ وجه معلن مليء بالشعارات الدينية والطائفية، ووجه خفي مليء بالخوف والجوع والصفقات والولاءات المسلحة والمخدرات والفساد الأخلاقي والسياسي, في الصباحات كان يرى المواطنين يقفون بطوابير طويلة أمام الدوائر الحكومية من أجل معاملة صغيرة قد تحتاج إلى رشوة أو واسطة أو مباركة حزبية، وفي الليل كان يسمع السياسيين على الشاشات يتحدثون عن التضحية والعدالة والإصلاح وكأنهم يعيشون في بلد آخر غير الذي ينهار حولهم.
مرّ مرجان ذات يوم قرب مستشفى حكومي في الكرخ، فرأى عشرات المرضى يفترشون الممرات بسبب نقص الأسرّة والأدوية، كانت امرأة عجوز تحاول تبريد حفيدها المريض بقطعة كارتون لأن الكهرباء انقطعت عن جناح الأطفال وكانت الفئران الكبيرة الحجم في كل مكان والكلاب السائبة منتشرة في كل صالات المرضى، بينما كان في المبنى المحاذي للمستشفى موكب أحد المسؤولين ( المسعورين) يعرقل حركة السيارات بسبب زيارته لمطعم أحد أصدقائه القريب من المستشفى، شعر مرجان بأن المشهد يلخص العراق كله؛ بلد غني إلى درجة الجنون، وفقير إلى درجة الإهانة.
واصل الجني مرجان سيره حتى وصل إلى نهر دجلة، وقف طويلاً قرب النهر الذي عرفه صافياً وعذباً قبل قرون، لكنه الآن كان يتحرك ببطء تحت طبقة من التلوث والرائحة الثقيلة والأسماك النافقة ما زالت تظهر قرب الضفاف، والفلاحون الذين عاشوا على النهر منذ أجيال صاروا ينظرون إليه بخوف بدل الطمأنينة، تذكر مرجان السنوات الطويلة التي أعلنت فيها الحكومات عن مشاريع تطوير محطات التنقية، وكيف اختفت الأموال في جيوب المقاولين والأحزاب والوسطاء بينما بقيت الأنابيب الصدئة تضخ السموم إلى الماء نفسه الذي يشرب منه الناس.
في أحد المقاهي الشعبية سمع مجموعة رجال يتحدثون عن نسب الفقر والبطالة وغلاء الأسعار، ثم لاحظ كيف انتهى النقاش سريعاً إلى جدال طائفي عقيم حول من يمثل المذهب ومن يخدم القضية ومن يخونها. ضحك مرجان بمرارة وهو يدرك أن السلطة نجحت في أخطر ما كانت تريده؛ جعلت الناس ينشغلون بالدفاع عن الهويات والشعارات أكثر من انشغالهم بمحاسبة من سرق البلد، لقد صار الفقير يدافع عن زعيمه الطائفي وكأنه يدافع عن عقيدته الشخصية، وصار نقد السياسي يشبه عند كثيرين إهانة للمقدسات نفسها.
ومع مرور الأيام أخذت بغداد تستعد أكثر لعاشوراء, امتلأت الشوارع بالرايات السوداء ومكبرات الصوت والخيام، وأصبحت المدينة تبدو كأنها تعيش حداداً دائماً لا ينتهي, ورجعت مدينة بغداد فجأة الى عصر ما قبل الثورة الصناعية حيث امتلأت الشوارع بمواكب الجمال والخيول والحمير وألاف من البشر لا يعرف جنسيتهم أو جنسهم لانهم يرتدون ملابس القرون الوسطى عندها قامت الشرطة بإيقاف حركة المرور وحرمان الملايين من أن تستمر حياتهم الطبيعية فكم من مريض سكري أو قلب مات بسبب الازدحام وكم من امرأة حامل ولدت طفلها في الشارع بسبب الازدحام وكم من طالب رسب في الامتحان لأنه لم يتمكن من الوصول الى مدرسته بسبب مواكب الابل والحمير القادمة من القرون المظلمة, كان مرجان يتجول بين المواكب وهو يرى التناقضات المؤلمة في كل زاوية؛ شاب بسيط عاطل عن العمل يغسل أقدام الزوار الإيرانيين في الشارع ويشرب الماء الذي غسل فيه ارجل الزائر الإيراني والمليء بالقاذورات بمشهد يراه البعض قمة البركة بينما يراه آخرون امتهاناً لإنسان كرّمه الله، ودين هندوسي لا يمت للإسلام بصلة وأطفال صغار يركضون حفاة وسط الطين حاملين صور قادة وزعماء لا يعرفون عن حياتهم شيئاً.
أيها العراقيين، انهم يسرقون أرغفتكم طوال العام ليبنوا قصورهم، ثم يمدون لكم في عاشوراء فتات موائدهم ليشتروا صمتكم بإهانة مغلفة بالقداسة! فلماذا تفقرون الناس طول السنة بفسادكم، وتطعمونهم في يوم واحد لتذلوهم بكرمكم؟
لم يكن أكثر ما أخاف مرجان هو الفقر أو التلوث أو السلاح المنتشر في كل مكان أو غياب القانون في العراق وهيمنة قوانيين العشائر المتخلف على المجتمع المدني بعد أن تحولت مدن العراق الى أرياف متخلفة يحكمها الجهلة ويغرد فيها المهاويل، إن ذلك التحول البطيء الذي أصاب العقول قد رأى جيلاً كاملاً تربى على الخوف من السؤال، وعلى اعتبار النقد خيانة، وعلى الخلط بين الدين والبشر وبين العقيدة والأحزاب، كانت المرجعيات الدينية والسياسية والميليشيات بالنسبة لكثيرين مناطق محرمة لا يجوز الاقتراب منها مهما تفاقمت الكوارث، وكلما ازداد الخراب، ازداد الناس تعلقاً بالشعارات نفسها التي ساهمت في بقائهم ضعفاء ومشتتين.
وفي إحدى الليالي جلس مرجان في مقهى قديم قرب باب المعظم يستمع إلى أحاديث الناس، كان شاب نحيف يتحدث بحماس عن رغبته في الهجرة لأنه لم يعد يرى مستقبلاً في العراق، بينما كان رجل خمسيني يسخر منه قائلاً إن البلاد بخير وإن المشكلة في الشباب الذين لا يملكون الصبر والإيمان والعمل متوفر لكن الشباب كسالى لا يبحثون عنه، نظر مرجان إلى الاثنين وشعر بأنهما يمثلان مأساة العراق الحديثة؛ جيل يريد الهرب لأنه فقد الأمل، وجيل آخر اعتاد الخسارة حتى صار يعتبرها قدراً مقدساً.
عندما عاد مرجان إلى شوارع بغداد تلك الليلة، كان المطر الغريب الذي اخذ يسقط في غير موسمه قد بدأ يهطل بغزارة، واختلطت مياه السماء بمياه المجاري التي طفحت من الأزقة المتهالكة، والبيوت التي تحولت من فلل كبيرة فارهة الى علب صغيرة يحشر فيها الناس كأنهم صراصير قذرة، رأى أطفالاً يقفزون فوق البرك الملوثة ويضحكون، ورأى رجلاً مخموراً يصرخ باسم أحد السياسيين كما لو كان يهتف لنبي، ورأى امرأة تبيع الخبز تحت المطر بينما تمر بجانبها سيارات فارهة سوداء بزجاج معتم لا يرى من بداخله أحد. شعر الجني أن بغداد تحولت إلى مدينة تعيش داخل نكتة حزينة طويلة، نكتة يعرف الجميع أنها مؤلمة لكنهم يواصلون الضحك لأن البكاء وحده لم يعد يكفي.
في تلك اللحظة أدرك مرجان أن المشكلة لم تعد مجرد فساد حكومة أو فشل إدارة، بل انهيار بطيء لفكرة الإنسان المتحضر نفسه, فالناس الذين كان ينبغي أن يثوروا من أجل كرامتهم صاروا يبحثون عن الخلاص في الولاءات الضيقة والرموز والشعارات، والسياسيون الذين كان ينبغي أن يخدموا الدولة صاروا يتصرفون كأمراء طوائف يتقاسمون البلاد كما تتقاسم الذئاب فريستها, أما العراق، ذلك البلد الذي كان يوماً مركزاً للحضارات والعلوم والشعر، فقد صار واقفاً بين عالمين؛ عالم قديم مليء بالخوف والتقديس الأعمى، وعالم جديد لم يولد بعد لأن الجميع يخشون دفع ثمن التغيير.
وبعد انتهاء حرب الأربعين يوما بين أمريكا وإسرائيل من جهة وبين ايران من جهة أخرى استغل أعضاء مجلس النواب الذي يتكون أغلبه من الميليشيات الطائفية التابعة لإيران فرصة توقف تلك الحرب فقاموا بتشكيل حكومة جديدة من نفس الخليط الميلشياوي القذر حيث يتم تدويره عادة مثل عمليات تدوير النفايات وتم اختيار واحد من صبيانهم , هو علي الزيدي , وهذا الزيدي هو مهوال معروف على الأنترنيت له مئات الفيديوهات المنتشرة وهو يلقي الشعر الرخيص لمدح طبقات متوسطة من اللصوص, والمهوال باللهجة العراقية تعني الشاعر الشعبي الرخيص الذي يكتب الشعر الشعبي مقابل مبالغ مالية بسيطة ويقوم بإلقائها في المناسبات واقفا بين الحاضرين يشمر بيديه ويرفع من صوته في حركات مسرحية تزلفيه رخيصة, وبعد مرور أربعة وعشرين ساعة من تشكيل تلك الحكومة التي غلب عليها طابع غريب وهو اغلب الوزراء هم مدراء مكاتب قادة الميليشيات بما فيهم رئيس الجمهورية, كان أول ظهور لرئيس الوزراء المهوال "علي الزيدي" في خطاب قصير بلغة عربية ركيكة ارتكب في ذلك الخطاب القصير اثنان وستين خطا لغويا حتى انه نطقه كلمة العراق كانت بلكنة فارسية.
بعد شهر من تشكيل حكومة اللصوص دخل مرجان وياقوت الى مقر البرلمان العراقي حيث شاهدا نائبا في البرلمان (ناهبا في البرلمان كما يطلق العراقيين على النائب في البرلمان) يرتدي بدلة فاخرة مع ساعة يد بألاف الدولارات مع ثمانية خواتم من الذهب الأبيض الغالي في أصابعه العشرة, حيث أصبح ارتداء الخاتم وحمل المسبحة رمزا للشرعية الدينية التي جاء نشرها رجال الدين لنهب الشعب العراقي, وسبب اختيار الذهب الأبيض ( البلاتين) بدلا من الذهب الأصفر لكي يعطون إيحاءات للناس انهم يرتدون خواتم فضة رخيصة تمشيا بالشريعة الإسلامية في حين إن البلاتين هو اغلى من الذهب الأصفر.
تحت قبة البرلمان تعرف ياقوت ومرجان على صفقات بيع المناصب الفرعية في الحكومة الجديدة بالمزادات كالمدراء العامين ووكلاء الوزارات وغيرهم فيما بينهم عندها أيقنا إن ذلك التشكيل المسمى برلمان ما هو إلا أكذوبة صنعتها الميليشيات المسلحة، عندها قررا العودة الى جامع مرجان للتباحث في حل لإنقاذ العراق.
تعب الجنيان وعادا الى القبو القديم تحت جامع مرجان بعد أن حزنا على مدينتهم الجميلة دار السلام, وبعد أسبوع وفي صلاة المغرب ظهر الدراويش في جامع مرجان مرة أخرى وهم يصلون مع الناس وكالعادة لم ينتبه اليهم احد سوى فتى صغير في الصفوف الخلفية حيث لمحهم وشم منهم رائحة بخور طيبة لم يشمها من قبل , وعند انتهاء الصلاة نظر الفتى ناحيتهم فلم يجد أحدا واخبر إمام الجامع بذلك فنهره الإمام وقال له انك تتخيل أو ربما سمعت حكاية ظهور الدراويش واختفائهم من جدك, في منتصف تلك الليلة وفجأة انشقت الأرض في وسط "المدرسة المرجانية" مرة ثانية وخرج منها طيفان لم ترهما العيون البشرية، بل شعرت بهما الأرواح المرتجفة الهائمة في شارع الرشيد، كان الأول هو صاحبنا الجان "مرجان"، الذي لم يكن مجرد خادم للتراث، بل كان حارساً لضمير المدينة، يرتدي عباءة من نسيج الظلام المرصع بالنجوم. وإلى جانبه، برز "ياقوت"، الجان الذي تومض عيناه بلهب أحمر كأنه جمر الغضا، يحمل سيفاً لا يقطع الأجساد، بل يقطع الأكاذيب، قال مرجان بصوت أجش يشبه حفيف النخيل العطشان: "يا ياقوت، انظر ماذا فعلوا بدار السلام؟ لقد سلبوا منها الروح، وأصابوا دجلة والفرات بالقذارة والوجع، وسلموا مفاتيح البيوت لغرباء لا يعرفون للقبلة اتجاهاً إلا نحو الشرق، أجاب ياقوت وهو يغرس سيفه في تراب بغداد: "لقد حان وقت الحساب، هؤلاء ليسوا حكاماً، بل هم (ذيول) يجرون خلفهم خيبة أمة، سنوقد ثورة لا تخمد، وقودها الصدق ونارها الفضيحة."

ليلة سقوط الأقنعة
بدأت العملية في الساعة الثالثة فجراً، لم تكن ثورة دبابات، بل كانت ثورة "وعي مسحور", تسلل مرجان إلى دهاليز "المنطقة الخضراء"، حيث القصور التي سُكنت بغير حق وبلمسة من يده، تحولت الجدران الخرسانية إلى مرايا وزجاج شفاف وأصبح الشعب في الخارج يرى ما يحدث في الداخل من فضائع وجرائم ترتكب بحقه بالبث الحي المباشر.
في قصر نوري المالكي، كان "الظل" يرتجف، لم يكن مرجان بحاجة لقتله، بل سلط عليه "مرآة الحقيقة". فجأة، وجد المالكي نفسه محاطاً بأطياف ضحايا "سبايكر" وصيحات الأرامل، ومدينة الموصل التي سلمها لدواعش الشيطان , عندها فقد السيطرة على أعصابه، وبدلاً من الخطابات الرنانة، بدأ يصرخ بكلمات غير مفهومة عن صفقات السلاح الوهمية، وتحت وطأة الرعب من "ياقوت" الذي كان يلاحقه بلهيب عينيه، شوهد المالكي وهو يهرع بملابس النوم نحو طائرة خاصة ، متجهاً صوب دبي، ظناً منه أن أبراجها ستحميه من أطياف بغداد , هناك في دبي حيث المليارات التي قام بغسلها من الأموال المنهوبة الى ناطحات سحاب ومجمعات سكنية يباركها وكيل المرجعية الدينية ذلك الملياردير القابع هناك في دبي ، لكنه لم يعلم أن ياقوت قد وسم جبينه بكلمة "خائن" لا يراها إلا الشرفاء.
أما هادي العامري، فقد كان يحاول التنسيق مع أسياده الفرس عبر الحدود، لكن مرجان قطع خيوط الاتصال الروحية والمادية، وجد العامري نفسه وحيداً أمام فيلق من "الجان الشجعان" الذين ارتدوا زي شهداء تشرين، وضحايا جرف الصخر الذين قتلهم وقام بتوطين بدلا عنهم قوات الحرس الثوري الإيراني وعوائلهم، سقطت هيبته المدعاة، ولم يجد مفراً سوى اللحاق بالركب المتجه نحو المطار، فاراً هو الآخر ليلحق برفاقه في طهران، تاركاً وراءه رتباً نياشين من ورق.
الهروب الكبير إلى الجليد والضباب
في تلك الأثناء، كان عمار الحكيم يحاول ترتيب عباءته والحديث عن "الاعتدال"، لكن ياقوت نفخ في وجهه ريحاً من "صدق الصحراء" فتلاشت الكلمات المعسولة وظهرت خلفها أرصدة البنوك وعقارات الدولة المنهوبة ومنطقة الجادرية في بغداد التي نهبها عن بكرة أبيها، لم يحتمل "سيد الحوار" وهج الحقيقة، فاستبدل عمامته بقبعة شتوية، واستقل أول رحلة سرية نحو سويسرا، باحثاً عن الأمان بين جبال الألب وجليد البنوك، وبقي هناك حيث نصف أرصدته في بنوك زيورخ ونصفها الآخر في بنوك مملكة لينغشتاين التي تقع داخل سويسرا هرباً من حرارة المطالب الشعبية التي أججها الجني مرجان في نفوس الشباب.
ولم تنتهِ الليلة عند هذا الحد، ففي النجف، حيث يقبع رجال المرجعية الأعاجم والذين صمتوا دهراً على الفساد وتخريب الدين ونشر الخرافات والفساد الأخلاقي في الدنيا ونطقوا خلاله بالغاز غير مفهومة بدلا من خطب واضحة ناصحة للناس، كان مرجان قد أرسل أطيافه لتهمس في آذانهم بآيات العدل التي نسوها واستبدلوها بخرافات تخدر الجهلة والأميين، تزلزلت الأرض تحت أقدام المكاتب الفارهة، والمجمعات السكنية التي سكنها الهنود والباكستانيين من رعايا المرجعيات الأعجمية وبدلاً من مواجهة الناس بفتوى تحررهم، آثروا السلامة، شوهدت مواكبهم السرية تشق طريقها نحو مطار النجف، ومنه في رحلات ماراثونية نحو لندن، حيث الضباب الذي يشبه غموض مواقفهم وحيث قصورهم الفارهة وأرصدتهم في البنوك فهذه بريطانيا التي يسميها العراقيين أبو ناجي, بريطانيا التي حمتهم وحركتهم في الظلام لعقود طويلة ، ظناً منهم أن عاصمة الضباب ستخفي تاريخاً من السكوت عن الظلم.

فجر العراق الجديد
وفي اليوم التالي ومع بزوغ خيوط الشمس الأولى، شن مرجان وياقوت هجوما ناريا وضربوا بزلزال كبير على ما تبقى من الطبقة السياسية- الدينية التي تحكم العراق بالنار والحديد منذ 2003 واحرقوا الجميع في نار هائلة استمرت تسعة أيام متواصلة لم تتمكن أجهزة الإطفاء من السيطرة عليها، وعندما خمدت النيران لم يتبقى من الأحياء شيء سوى رماد قذر تطاير في سماء بغداد الملوثة، وأصبحت المنطقة الخضراء خالية من "الذيول". لم يبقَ فيها إلا عطر مرجان وقوة ياقوت، وقف الاثنان على جسر الجمهورية، ونظروا إلى ساحة التحرير التي غصت بملايين العراقيين الذين استيقظوا وهم يشعرون بكرامة لم يعرفوها منذ عقود.
قال مرجان: "لقد طردنا الأجساد العفنة، لكن تطهير الأرض يحتاج إلى عرق الجبين، لا سحر الجن."
ورد ياقوت: "لقد كشفناهم، والآن الكرة في ملعب الأحياء، العراق لا يحتاج إلى حراس من عالم آخر، بل إلى رجال ونساء يعرفون أن وطنهم أغلى من كل التيجان."
اختفى مرجان وياقوت وعادا إلى باطن الأرض في جامع مرجان، تاركين وراءهم بغداد مغسولة بماء الورد، وسجلات فارغة من اللصوص، وتاريخاً جديداً يكتبه من قرروا أخيراً أن يكونوا هم "الجان" الذي يحمي الدار.

بسام شكري
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

800 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع