
بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
24 كانون الثاني 2026
حين أهمل السور سياسيًا تجاوزه عتاة الدواعش
(السور المبني بملاين الدولارات لتأمين الامن الذي تجاوزته السياسة من الداخل ليمر الغرباء أنها مفارقات السيادة والضغط الامريكي على العراق)
١.في واحدة من أكثر مفارقات السياسة الدولية سخريةً وقسوة، أنفق العراق مئات ملايين الدولارات لبناء جدار محكم على حدوده مع سوريا، جدارٌ أُريد له أن يكون سدًّا منيعًا بوجه تسلل تنظيم داعش وحماية الأمن الوطني من كوابيس العنف العابر للحدود. غير أن هذا السور، الذي أُقيم بعرق العراقيين وأموالهم في زمن الشحّ الاقتصادي، بدا وكأنه لم يصمد أمام قرار سياسي عابر، حين تخطّته الولايات المتحدة “بلمح البصر” لتُدخل أمراء وعتاة التنظيم الداعشي إلى داخل الأراضي العراقية بعد ان غادروها مجبرين، تحت عناوين أمنية وإنسانية ملتبسة.
٢.لم يكن الجدار الحدودي مجرد منشأة إسمنتية، بل رمزًا لسيادة الدولة ومحاولة متأخرة لاستعادة السيطرة على جغرافيا أنهكتها الحروب. لكن ما حدث لاحقًا كشف هشاشة هذه السيادة حين تتقاطع مع مصالح القوى الكبرى.
فبدل أن يكون الجدار خط الدفاع الأخير، تحوّل إلى شاهدٍ صامت على مفارقات “القدر الترامبي”، حيث يُنقل أخطر عناصر التنظيمات الإرهابية عبره، لا كأسرى حربٍ يُحاسَبون دوليًا، بل معضلة أمنية واقتصادية تلقى على كاهل دولة تعاني أصلًا من عجز مالي، وبنى تحتية منهكة، وتحديات اجتماعية متراكمة.
٣. الأدهى من ذلك أن العراق وجد نفسه مسؤولًا عن احتجاز، وتأمين، ومحاكمة، وربما إعالة مئات أو آلاف من عناصر داعش الأجانب، في وقتٍ تتهرّب فيه دولهم الأصلية من استلامهم، خشية التداعيات السياسية والأمنية الداخلية. وهنا يُطرح السؤال الجوهري: أليس من المفترض أن تتحمّل الدول التي خرج منها هؤلاء الإرهابيون كلفة جرائمهم وأليس من العدل، قانونيًا وأخلاقيًا، أن تساهم هذه الدول في تغطية النفقات الباهظة التي يتحملها العراق نيابةً عن المجتمع الدولي.
٤.الإشكالية القانونية والسيادية: تطفو على السطح معضلة أكثر تعقيدًا هي ( ماذا لو رفضت تلك الدول استلام رعاياها هل يملك العراق الحق في محاكمتهم على أراضيه. )
من منظور السيادة والقانون الدولي، فإن الجرائم التي ارتُكبت على الأرض العراقية تمنح القضاء العراقي حق النظر فيها، بل وواجب ذلك. إلا أن الإشكال لا يكمن في الحق القانوني فحسب، بل في التبعات السياسية والضغوط الدولية، واحتمالات تحويل العراق إلى “مكبٍّ” مفتوح للإرهاب العالمي.
٥. نستنتج من ذلك : إن ما جرى لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً أمنيًا معزولًا، بل هو حلقة في سلسلة اختلالات النظام الدولي، حيث تُدار الأزمات بمنطق نقل الأعباء لا حلّها. لقد تحوّل العراق، مرةً أخرى، من ضحية للإرهاب إلى حارسٍ له، ومن دولة تطالب بالدعم إلى طرفٍ يُطالَب بالمزيد من التحمّل والصبر.
٦. وإخيراً يمكن القول : ان السور الذي بُني ليمنع داعش من العبور، سقط سياسيًا قبل أن يُختبر أمنيًا. والعراق، الذي دفع ثمن الدم والمال، لا يمكن أن يُطالَب بدفع ثمن إضافي نيابةً عن دولٍ تخلّت عن مسؤولياتها.إن استعادة السيادة لا تكون بالجدران وحدها، بل بقرار وطني واضح، وموقف دولي عادل، يُحمّل كل طرف وزر ما اقترفت يداه، لا أن تُترك الفاتورة مفتوحة على حساب شعبٍ أنهكته الحروب وانتظر العدالة طويلًا.
٧. ومن مفارقات الحدث عندما تلتقي معضلة بقايا داعش مع توقيت تشكيل الحكومة لتنتج خليطًا سياسيًا وأمنيًا قابل الى الاضطراب، الحال لا يحتمل مزيدًا من التسويف.بينما تبحث القوى السياسية حصصها في مفاوضات السلطة، تتكدس ملفات داعش كقنابل مؤجلة في خاصرة الدولة لان الفراغ الحكومي يمنح الإرهاب فسحةً جديدة، ويحوّل الخلاف السياسي إلى تهديدٍ مباشر للأمن المجتمعي.حين تُدار الدولة بعقلية الصراع لا الشراكة، يصبح ملف داعش ورقة ضغط لا قضية أمن وطني.
وعليه ان دمج أزمة الإرهاب مع انسداد الأفق الحكومي ان حصل هو أخطر ما يواجه العراق اليوم، لأنه يضع المواطن بين نارين الفوضى أو الانكسار.إن تجاوز هاتين المعضلتين تتفاعلان في بودقة واحدة يعني الاقتراب من لحظة انفجار يدفع ثمنها الشعب وحده.عند هذه النقطة، لم يعد الصمت حيادًا، بل موقفًا، وعلى الشعب أن يحدد موقفه قبل أن يُفرض عليه.

1047 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع