لماذا تنهار الدول في بلاد الرافدين؟ وهم النسيج الواحد وصيغة الدولة المستحيلة.

ذو النورين ناصري زاده

لماذا تنهار الدول في بلاد الرافدين؟ وهم النسيج الواحد وصيغة الدولة المستحيلة.

في كل مرة ينهار فيها شيء من جدار الدولة في بلاد الرافدين، نهرع إلى ترميم الشقوق بالأوهام نفسها: وحدة وطنية مُطلقة، شعب واحد، مصير واحد، ودولة مركزية قوية قادرة على صهر الجميع في قالب واحد. نفعل ذلك وكأن التاريخ لم يمرّ من هنا، وكأن هذه الأرض لم تكن منذ فجرها الأول مسرحًا لتعدّد لا يُختزل، وفسيفساء لا تقبل الصهر. نتصرف كما لو أن المشكلة في سوء الإدارة أو فساد النخب فقط، لا في الفكرة المؤسسة ذاتها التي بُنيت عليها الدولة الحديثة فوق أرض لم تعرف يومًا النسيج الواحد.
ليست المأساة في أن بلاد الرافدين متعدّدة، بل في أننا نرفض الاعتراف بذلك، ونصرّ على معاملتها كما لو كانت أمة مكتملة التشابه، ثم نتظاهر بالدهشة حين تنفجر التناقضات الكامنة في كل مفصل سياسي وأمني واجتماعي. إن هذا الإنكار المزمن للواقع هو الجرح العميق الذي تنزف منه الدولة العراقية منذ قرن، وهو ما يجعل كل مشروع وطني فيها مشروعًا هشًّا مؤجل الانهيار.
لماذا نُصرّ، في كل مرة، على تجاهل الواقع، ونتصرّف بمثالية قياسية متعالية في التعامل مع مجتمعات تتوطن بلاد الرافدين منذ آلاف السنين، وكأننا إزاء كتلة بشرية واحدة ذات مزاج واحد وتاريخ واحد وبنية واحدة؟ لماذا نُعيد إنتاج الوهم نفسه، رغم أن نظرة سريعة غير متكلّفة إلى تاريخ هذا الحوض الحضاري تكفي لتبيّن أن ما قام فيه من دول وإمارات وسلطنات لم يكن يومًا تعبيرًا عن نسيج واحد متجانس، بل عن فسيفساء إثنية ودينية ولغوية وثقافية، جمعتها الجغرافيا، وفرقها الوجدان والذاكرة والولاءات والأنماط القيمية؟
إن تاريخ بلاد الرافدين، منذ سومر وأكد وبابل وآشور، مرورًا بالعصرين الفارسي والهلنستي، ثم الحقبة الإسلامية وما تلاها من دول وسلالات وإيالات، لا يقدّم لنا صورة “أمّة واحدة”، بل صورة فضاء مفتوح على التعدد البنيوي، تعايشت فيه الجماعات أحيانًا، وتصادمت أحيانًا أخرى، وتحالفت ظرفيًا في لحظات الخطر الخارجي، ثم عادت إلى تموضعها الطبيعي ككيانات لها خصوصياتها وهوياتها الفرعية العميقة. ومع ذلك، ما زلنا نُقارب هذا الواقع المركّب بعقلية الدولة القومية الصلبة التي تفترض وجود شعب واحد ذي إرادة واحدة، ولغة سياسية واحدة، ومخيال جمعي واحد.
هذا التناقض بين الواقع التاريخي-الاجتماعي وبين النموذج السياسي المفروض هو، في جوهره، مصدر الفشل المزمن للدولة في بلاد الرافدين الحديثة. فكل الصيغ التي حاولت صهر هذا التعدد القسري داخل قالب مركزي واحد، مهما اختلفت تسمياتها الأيديولوجية من قومية إلى بعثية إلى وطنية إلى مدنية، انتهت إلى النتيجة نفسها: عنف، تمردات، انقلابات، حروب أهلية، هشاشة شرعية، وتآكل دائم لفكرة الدولة ذاتها.
لقد تأسست الدولة الحديثة في العراق على فرضية خاطئة: أن بالإمكان صناعة أمّة من أعلى، عبر التعليم الموحد، والخدمة العسكرية، والبيروقراطية المركزية، والرموز الوطنية المصطنعة. غير أن هذه الأدوات، بدل أن تنتج اندماجًا وطنيًا عضويًا، أنتجت ردّات فعل هوياتية معاكسة، دفعت كل جماعة إلى الاحتماء بذاتها، واستدعاء ذاكرتها الخاصة، وتعميق شعورها بالاغتراب عن “الدولة” بوصفها جهازًا قسريًا لا تعبيرًا عن عقد اجتماعي عادل.
وما يزيد المفارقة حدة أن الخطاب السياسي السائد ما زال يتحدث عن «الوحدة الوطنية» وكأنها حقيقة قائمة لا مشروع متعثر، وعن «الشعب العراقي الواحد» وكأنه معطى أنثروبولوجي لا إنشاء تاريخي هش. تُرفع هذه الشعارات في كل أزمة، وتُستدعى كوصفة أخلاقية جاهزة، فيما الواقع يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا: تفكك نفسي، تصدعات هوياتية، تآكل ثقة، وذاكرات جريحة لم تُعالَج بل كُبِتت.
إن الإصرار على الدولة المركزية في فضاء متعدّد بنيويًا ليس حيادًا سياسيًا، بل هو انحياز ضمني لمجموعة على حساب أخرى، حتى لو لم يُصرّح بذلك. فالمركز لا يكون محايدًا أبدًا؛ لغته، رموزه، روايته التاريخية، تعريفه للوطنية، كلها تنبع من ثقافة الجماعة الغالبة فيه، وتُفرض بوصفها «الطبيعي» و«العام» و«الوطني»، بينما تُدفع الثقافات الأخرى إلى هامش الفولكلور أو خانة الشذوذ أو خانة التهديد.
من هنا، لا تبدو الفدرالية الإثنية والدينية ترفًا نظريًا ولا بدعة مستوردة، بل الصيغة الواقعية الوحيدة التي تنسجم مع البنية العميقة للمجتمع الرافديني. فدرالية تعترف بالجماعات كما هي، لا كما نتمنى أن تكون، وتُحوّل التعدد من مصدر صراع صفري إلى إطار تعاقدي منظم لتقاسم السلطة والموارد والرمزية السياسية. فدرالية لا تُنكر الوطن، بل تُعيد تعريفه بوصفه شراكة بين كيانات متمايزة، لا قفصًا حديديًا يُحبس فيه الجميع تحت اسم واحد.
الفدرالية، في هذا المعنى، ليست تفكيكًا للدولة بل إعادة تركيب عقلاني لها. إنها نقل للصراع من الشارع والسلاح والانقلابات إلى النص الدستوري والمؤسسات والآليات السلمية لتسوية الخلاف. وهي، فوق ذلك، اعتراف أخلاقي متأخر بكرامة الجماعات التي جرى سحقها أو تهميشها باسم الوحدة، وبحقها في إدارة شؤونها الثقافية والدينية والتعليمية والأمنية ضمن إطار وطني جامع.
إن كل صيغة أخرى، مهما تجمّلت بخطاب المواطنة أو الدولة المدنية أو الدولة القوية، ليست سوى إعادة تدوير للوهم نفسه الذي فشل مرارًا. فالمواطنة، حين تُفرض فوق واقع غير متكافئ، تتحول إلى أداة هيمنة ناعمة، والدولة القوية، حين تُبنى فوق شروخ هوياتية عميقة، تتحول إلى دولة قمعية بالضرورة.
ولعل السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح ليس: هل الفدرالية خطرة على وحدة العراق؟ بل: كم دولة مركزية فاشلة نحتاج بعد لنقتنع أن الخطر الحقيقي هو الإصرار على نموذج ثبت تاريخيًا أنه لا يعمل في هذا المكان تحديدًا؟ كم جولة عنف، وكم دستورًا، وكم نخبة حاكمة، وكم خطاب وحدة وطنية نحتاج بعد لنُدرك أن المشكلة ليست في سوء التطبيق، بل في خطأ الفكرة نفسها؟
إن بلاد الرافدين كانت دائمًا واحدة بالجغرافيا، متعدّدة بالناس. وكل محاولة لإنكار هذه الحقيقة، أو القفز فوقها، أو تذويبها قسرًا في قالب واحد، لم تنتج إلا مزيدًا من الدم والخراب والمرارات المؤجلة. وحدها صيغة تعترف بالتعدد بوصفه أصلًا لا استثناءً، وبالاختلاف بوصفه بنية لا عارضًا، يمكن أن تفتح أفق دولة قابلة للحياة، لا دولة مؤجلة اانفجار.
وإلى أن نمتلك شجاعة الاعتراف بهذه الحقيقة البسيطة والقاسية معًا، سنظل ندور في الحلقة الجهنمية نفسها: نُجرّب الصيغة ذاتها، نُمنّي النفس بنتائج مختلفة، ثم نتظاهر بالدهشة حين نحصد الفشل ذاته، مرة بعد مرة.
إن الإشكال ليس في أن العراقيين «لم ينضجوا بعد للديمقراطية»، ولا في أن النخب «خانتها الفرص»، ولا حتى في أن الخارج «يتآمر» بلا انقطاع، بل في أننا ما زلنا نصرّ على بناء دولة فوق خريطة بشرية لا تعترف بها هذه الدولة أصلًا. نُقيم نظامًا سياسيًا يفترض وجود شعب واحد متجانس، ثم نطالبه بأن يدير مجتمعًا متعدّدًا بنيويًا، ونلومه حين يعجز.
الخطر الحقيقي ليس في الفدرالية، بل في استمرار هذا الإنكار الطويل. الخطر ليس في الاعتراف بالجماعات، بل في قمعها باسم الوطن. الخطر ليس في إعادة تعريف الدولة، بل في الإبقاء على تعريف ثبت أنه ينتج الفشل والعنف والانقسام.
لقد آن الأوان لطرح السؤال المحرّم بلا مواربة: هل نريد دولة تعيش فعلًا، أم نريد أسطورة دولة نحرسها بالخطابات والسلاح والدم؟ هل نريد وطنًا بوصفه عقد شراكة بين جماعات متمايزة، أم شعارًا أجوف يُستدعى كلما اقترب الانهيار؟
إن الفدرالية الإثنية والدينية، بكل ما تثيره من فزع أيديولوجي، ليست وصفة مثالية ولا حلًا سحريًا، لكنها الحد الأدنى من العقلانية السياسية في فضاء لم يكن يومًا واحديّ البنية. إنها اعتراف متأخر بالواقع، وتأجيل أقل كلفة للانفجار، وفرصة أخيرة لتحويل التعدد من لعنة تاريخية إلى صيغة تعايش منظَّم.
أما الإصرار على الدولة المركزية، بعد قرن من الفشل المتكرر، فلا يمكن تسميته وطنية ولا حرصًا على الوحدة، بل عنادًا أيديولوجيًا مكلفًا، يدفع ثمنه الناس دمًا وخوفًا وضياع أجيال.
وفي المحصلة الأخيرة، لا تُنقذ الأوطان بالأمنيات ولا بالشعارات، بل بالتصالح القاسي مع حقيقتها. وحقيقة بلاد الرافدين، مهما حاولنا الهرب منها، أنها وطن واحد بالجغرافيا، أممٌ متعددة بالناس، ولا يمكن حكمها إلا بمنطق يعترف بهذا التناقض بدل أن يدفنه تحت ركام الخطب والرايات.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

855 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع