
عبد يونس لافي
الرسالة الرابعة من رسائل رجال حاشية البلاط الآشوري/مُسْتَلَّةً من أرشيف نينوى إبّان الامبراطوريةَ الآشوريَّةَ الحديثة (Neo-Assyrian Empire)
الرسالة التي بين أيدينا هي من بيل- إبني(Bēl -ibni) الذي كان قد حكم بابل لفترة قصيرة من (703 إلى 700) قبل الميلاد، إلى الملك آشور بانيپال (Ashurbanipal) الذي كان ملِكًا على الإمبراطورية الآشورية الحديثة (من 668 إلى 627) قبل الميلاد، دون أن يذكرَاسمَه كما هو مُعتاد .
بدأ بيل - إبني رسالته بتأكيده أنَّه مستعِدٌّ بكلِّ سرورٍ للموت من أجل جلالة الملك، ثم راح يسأل الإلهين نابو (Nabû) ومردوخ (Marduk)أن يُسْدِلا بركتَهما عليه.
رُبَّ سائلٍ يسأل عن السبب في أنَّ أغلبَ الرسائل الآشورية، يتوجَّه كتّابُها بالدعاء الى هذين الإلهين على وجه الخصوص! نقول إن نابو هو إلهُ الكتابةِ والحكمةِ ويعتبرُ ابنًا لمردوخ، الإله الرئيسي لبابل. هذه الآلهةُ وردت أسماؤُها في الأساطير البابلية، أما سببُ تقديسِهما أيامَ آشور بانيپال فهو أنَّ آشور بانيپال كان محبًا للثقافة والحكمة. ليس أدل على ذلك من تأسيسه لأضخمِ مكتبةٍ في ذلك الوقت هي مكتبة نينوى، حيث ضمَّت كتبًا في التاريخ والحكمة والأدب والعلوم والدين بما فيها النصوص الدينية التي تقدِّس كلا الإلهين. إضافةً إلى هذا أن الملك آشور بانيپال عمل جاهدًا على توحيد الآلهة في العقيدة الآشورية، وترسيخ عبادة هذين الإلهين، متوخِّيًا توحيدَ جميع الممالك في ذلك الوقت تحت سيطرته، وبابل هي من تلك الممالك.
بعد الدعاء عرَّج بيل - إبني إلى إيضاح سبب عدم مجيئه إلى القصر لمقابلة الملك، وهو الوشايةُ التي تقدم بها نفرٌ من عيلام، المملكة القوية التي أخضعها آشور بانيپال بعدما كانت منافسة للإمبراطورية الآشورية الحديثة. وعيلام او إيلام بالسومرية هو اقليم خوزستان الحالي في ايران اليوم. قام هؤلاء النفر بالافتراء عليه لدى الملك الأب تدفعهم أنانيَّتُهم، سيما ذلك الشخص الذي يُكِنُّ لبيل - إبني الكراهيةَ التي قادته إلى إرسال رسالة شرٍّ وانْتقامٍ إلى الملك الأب، مما جعل بيل - إبني يرتعدُ خوفًا من أن يظهرَ في القصر الملكي لآشور بانيپال.
وعلى الرغم من كلِّ ما حدث، فإنَّ بيل - إبني أظهر في رسالته أنَّه ذلك الشخصُ المخلصُ المستعِدُّ لخدمة ملك آشور، بل ذكَّرهُ بأنَّ والدَه كان يغفر لأيِّ شخصٍ حدث له مثل هذا.
يُلِحُّ بيل - إبني ويتطلَّعُ إلى أن يسمعَ من آشور بانيپال أنَّه لا يُكِنُّ له أيةُ ضغينةٍ وأن يبرِّئَه أمام الملأ رسميًّا لكي يستعيدَ ثقتَه ويدحرَ الأباطيلَ التي حيكت حولَه. عند ذاك سيستعيدُ سمعتَه لدى الشعب البابلي فينظر إليه باحترام، وعند ذلك سيتوجَّه حالًا مصطحبًا إخوتَه وأبناءَه بل أصدقاءَه إلى القصر ليُعلنوا خدماتِهم وولاءَهم. يكرر أنه يطمح أن يسمع قرارًا علنيًا بهذا، ليكون موظفًا خادمًا مخلصًا للمملكة.
والآن نأتي الى نص رسالة بيل- إبني إلى الملك، ولا اظن ان قارئي الحصيف سيقول ان الرسالة هكذا جاءت باللغة العربية، اذ اكرِّر ما نوَّهْتُ به في رسائلَ سابقة، انما كتبت باللغة المسمارية القديمة على الواحٍ أو رُقُمٍ طينية، وأنا لا ادَّعي اني بقراءة الرُّقُمِ من العارفين، إلّا ان جهدًا جهيدًا طيِّبًا بُذِل من ذوي الاختصاص لقراءتها وفحصها بلغتها الأصلية لتؤولَ في النهاية الى ترجمتها الى لغاتٍ اخرى ومنها الانكليزية كما وردت في طبعة جامعة شِكاگو، لكتاب رسائل من بلاد الرافدين الصادر عام *1967
الرسالة:
سيِّدي: خادمُك بيل - إبني (Bél - ibni)
سأموتُ بكل سرورٍ لأجل جلالتِك.
لتُباركِ الآلهةُ نابو (Nabû) ومردوخ (Marduk)جلالتَك.
السببُ الذي منعني من المجيء إلى جلالتِك، هو أنَّ هناك أشخاصًا ذهبوا من عيلام (Elam) إلى والدِ جلالتِك، ونشروا الأكاذيبَ عني من أجل تعزيز مصالحِهم الخاصة.
هناك شخصٌ يكرهني،
وقد دبَّر أمورًا شِرّيرةٍ ضدّي،
وكتبها من عيلام إلى القصر.
لأنني سمعت بذلك وأصابني الخوف،
لم أتجرَّأْ على المجيء (إلى القصر) ومع ذلك،
ما زلتُ أرغبُ في خدمة جلالتك.
والدُ جلالتك كان دائمًا ما يغفر لمن ارتكبوا جرائم في الماضي؛ (أيًّا كانت) الأكاذيب التي تقال أمام الملك،
(إنا لم أرتكبْ أيةَ جريمة)
... (انقطاع) ...
(أنا الذي يتصرَّفُ) دائمًا حسب أمرِ جلالتك،
يجب ألا ينسَوْا ولائي لجلالتك.
إذن فليعلنْ جلالتك نفسه أنني لا أخشى جلالتَك.
لو أنَّ (جلالتَك يعيد النظر في أمري) كواحدٍ من خَدَمِك،
ويُصدِرُ إعلانًا رسميَّا بوظيفتي كخادم لجلالتك،
حتى لا أعاملَ باحْتقارٍ من قبل مواطنيَّ البابليين،
ولا أضطر إلى [أن أحنيَ] رأسي خجلا.
إذا رأيتُ إعلانًا واحدًا من جلالتك،
سنستعيدُ جميعًا الثقة،
وسنذهب جميعًا – أنا وإخوتي وأبنائي وأصدقائي –
لنقبِّلَ قَدَمَي جلالتِك ونخدمَ جلالتِك.
دعني أسمع قرارَ جلالتِك،
ودعني أستعيد ثقتي مرةً أخرى.
*Oppenheim, A. L, Letters from Mesopotamia Official, Business, and Private Letters on Clay Tablets from Two Millennia. The University of Chicago Press, Chicago, 1967.

1181 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع