هل سيجرف التيار الاحتجاجي نظام ولاية الفقيه؟ - علي الكاش

علي الكاش

هل سيجرف التيار الاحتجاجي نظام ولاية الفقيه؟

المقدمة
ذكر الجبرتي" يقال شيئان إذا صلح أحدهما صلح الآخر السلطان والرعية". (عجائب الآثار1/22).
علاقة ايران الإقليمية الجيدة مع بلدين فقط هما العراق وقطر، وعلاقة ايران الدولية الجيدة أيضا مع دولتين فقط هما روسيا والصين. وعلاقتها الداخلية الجيدة مع الموالين للنظام والباسيج والحرس الثوري وبقية المؤسسات الأمنية فقط، بمعنى نظام منبوذ على كل الصعد.

عملة الإيرانية والسقوط الحتمي للنظام
تسبب التضخم الحاد وارتفاع الأسعار وحالة الركود الاقتصادي في ايران وارتفاع تكاليف المعيشة بموجة غضب عارم وتظاهرات واحتجاجات تهدد بنية النظام السياسي، ادت الاحتجاجات الى حدوث صدامات مع رجال الامن، تمخضت عن عدد من القتلى والجرحى من الجانبين يتكتم عليها النظام، كعادته، واليوم تعرضت العملة الإيرانية الى الانهيار التام، الدولار الواحد يعادل 1.400.000 ريال إيراني، أي (140000) تومان. علما ان التومان (10) ريال إيراني. وطالب المحتجون بإصلاحات اقتصادية حقيقية في بادئ الأمر، وسرعان ما تحولت الشعارات الى اسقاك النظام، من ثم تغيرت البوصلة الى المطالبة بعودة النظام الملكي السابق، ورجوع ابن الشاه الى الحكم.
فيما يتعلق بالداخل الإيراني فان الحرس الثوري الإيراني يطالب باستقالة الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان وحكومته، وهذا مما يزيد الطين بله ويدفع الى المزيد من الفوضى، سيما ان الرئيس أشار الى تفهمه لسبب الاحتجاجات، واعتبرها مطالب مشروعة، وخاطب المتظاهرين بقوله" لنتحاور"، بمعنى انه منفتح على الحوار مع المتظاهرين. وهذه المرة اختلف تعامل النظام الإيراني مع المحتجين عن أسلوبه السابق، حيث كان القمع والقسوة واستغلال القضاء هي الأسباب الرئيسة لإجهاض الاحتجاجات السابقة، مع ان رئيس القضاء صرح بأنه في حال انحراف التظاهرات الى التخريب وتهديد الاستقرار فأنه سيتعامل بقسوة مع المتظاهرين.
السابق كان النظام يتهم المحتجين بأنهم ينفذون اجندة خارجية، ولكن أوقف العمل بهذه الأسطوانة المشروخة، لأنها لم تعد تنطلي على العالم الخارجي. كالعادة عمل على إيقاف خدمات الانترنيت لكي لا تصل الصورة الحقيقة للتظاهرات الى العالم الخارجي، وفي جميع الاحتجاجات السابقة كان النظام يتبع هذا الأسلوب، بمنع وصول المعلومة الى الرأي العام العالمي. وهذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها رئيس الحكومة من وزير الداخلية (وزير القمع والعنف) فتح حوار بناء من زعماء الاحتجاجات.
من جهة أخرى ازداد الامر صعوبة مع استقالة رئيس البنك المركزي الإيراني الذي كان يرغب برفع سعر صرف الدولار. وعملت الحكومة على توجيه الاتهام له على اعتبار ان سياسته النقدية الفاشلة هي التي أدت الى انهيار العملة ورفع مستول التضخم.
كانت المجازر الأساسية للمحتجين بثلاثة ابعاد:
أولا. البعد السياسي: تمثل بمهاجمة النظام السياسي والمطالبة بأسقاطه، وتوجيه انتقادات لاذعة للمرشد الإيراني ووصفة بالدكتاتور، والمطالبة برحيله باعتباره المسؤول الأول عن الازمات، سيما موقفه المتصاب مع الولايات المتحدة والدول الاوربية. بلا ادنى شك ان هذا الوقت هو الأفضل للولايات المتحدة واسرائيل في توجيه ضربة عسكرية لإيران من شأنها ان تقصم ظهر النظام ان كانتا جادة في انهائه، وهذا ما سيتجلى خلال الأيام القادمة.
ثانيا: البعد الاقتصادي. لم يعد المواطن الإيراني يتحمل المزيد من الضغوط الاقتصادية، سيما ان الفقر تحول الى الطبقة الوسطى بسبب ارتفاع الأسعار، سيما الوقود والمواد الغذائية، والضرائب الفادحة، كما ان الركود الاقتصادي جعل البازار الإيراني الذي يمثل كبار التجار والمستثمرين يشاركوا في الاحتجاجات. مع ان الحصار الاقتصادي اخذ يشتد يوما بعد آخر من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، من خلال التهديدات المتلاحقة، وعجز النظام عن مواجهتها، صحيح ان النظام تكيف مع العقوبات الاقتصادية لعشرات السنوات، لكن الشعب الإيراني لم يتكيف معها، فقد اشتدت الضغوط عليه، وبات على حافة الهلاك. لا يغرب عن بالنا امرين مهمين:
ـ قيام الولايات المتحدة بالسيطرة على السفن الإيرانية الشبحية التي كانت تهرب النفط الإيراني الى الصين وفنزويلا ،وتحصل على المليارات من الدولارات، فقد اغلق هذا المنفذ تماما.
ـ لم تعد تنطلي حيلة خلط النفط العراقي بالنفط الإيراني وتصديره للخارج باعتباره نفط عراقي، بل ان شركة سومو العراقية(شركة تصدير النفط) تحت المراقبة، واي عملية جديدة ستعرض شركة سومو للعقوبات الامريكية فيتدمر العراق وايران معا.
فقد فشل النظام الإيراني ليس في اصلاح الوضع وتحسينه، بل بوقف الانهيار الاقتصادي. في ظل هذه الأوضاع المتردية كانت الحكومة الإيرانية بدلا من معالجة الأوضاع ارادت رفع أسعار النفط ومشتقاته الى عشرة اضعاف

ثالثا: البعد الاجتماعي: ارتفعت البطالة بشكل غير مسبوق في ايران، وباتت جيوش العاطلين ومعظمهم من خريجي الكليات والدراسات العليا تهدد اركان النظام، سيما ان الشعب يرى ان إصرار النظام على استعادة برنامجه النووي والصاروخي يعني المزيد من الضغوط الامريكية، ولا يوجد بصيص نور في النفق المظلم، كما انه لا يوجد مبرر للحكومة ان تواصل برنامجها التسليحي وتنفق المليارات من الدولارات عليها، في ظل الأوضاع الاقتصادية المنهارة، بل ان الشعب الإيراني بات على ثقة بان النظام مازال مستمر على نهجه في تمويل الميليشيات الولائية في العراق ولبنان واليمن، ويدعم العصابات المسلحة في سوريا والعبث بأمها. علاوة على البطالة والفقر وارتفاع الأسعار فقد انعكس ذلك على العلاقات الاجتماعية والاسرية، فانتشرت ظاهرة الجريمة وتجارة المخدرات والرقيق الأبيض وحالات الطلاق والعنف الاسري.
رابعا: البعد العسكري. يتوجس الشعب الإيراني من مغبة تعرض البلد الى عدوان امريكي واسرائيلي، وبالرجوع الى تصريحات الرئيس الأمريكي، فان تطوير البرنامج النووي والبالستي الإيراني سيواجه بضربة قاصمة تختلف عن الضربات السابقة. وهذا ما يقال عن المسؤولين الإسرائيليين سيما وزير الدفاع، وكانت زيارة نتنياهو الى البيت الأبيض مؤخرا أوضحت بان هناك ضربة وشيكة للنظام الإيراني، فقد حصل نتنياهو على موافقة ودعم الرئيس الأمريكي لتوجيه ضربة عسكرية لإيران. وهذا من شأنه ان يقلق النظام، مخافة من الردود الشعبية، فقد سئم الشعب الإيراني الحروب وتداعياتها، ويرغب بالتعايش السلمي داخليا وخارجيا، لكنه يرى ان النظام مازال يمارس الغطرسة والعنجهية ويعيش حالة أوهام القوة، مع ان حرب ال(12) يوما اثبتت ضعفه، وكانت صفعة مدوية لوجه الولي الفقيه. والقدرة الدفاعية او قوة الردع الايرانية تنحصر بالصواريخ البالستية فقط، فلا توجد طائرات ولا دفاعات جوية، فقد دمرتها إسرائيل خلال حرب الـ (12) يوم. انه خيارها الوحيد للمواجهة مع إسرائيل، وهي تعتمد على الصين في استيراد قطع الغيار لتلك الصواريخ.

ما هي الخطوات التي سيتخذها النظام؟
ـ العمل على عقد لقاءات مستمرة مع قادة الاحتجاجات لغرض امتصاص زخم التظاهرات من خلال وعود مستقبلية.
ـ اعفاء تجار البازار من الضرائب لمدة عام واحد قبل للتمديد.
ـ تقليل الضرائب على المواطنين.
ـ تخفيض أسعار النفط والوقود.
ـ دعم المنتوج الوطني من خلال تقديم مساعدات للمنتجين والمزارعين.
ـ تقديم وعود بتخفيف مستوى البطالة سيما بين خريجي الجامعات.
ـ تقديم متح للمواطنين كافة بمقدار (5) دولار، مع ان هذا المبلغ يشكل موردا كبيرا بسبب تدهور العملة الإيرانية كما اوضحنا.
ـ الاستعانة بالعراق من خلال الديون المترتبة عليه عن تصدير الغاز والكهرباء، او من خلال تهريب الدولارات وتبييضها، لكن ليس عبر البنوك المركزية، بسبب المراقبة الامريكية الشديدة على حركة الأموال العراقية.
وعلى الرغم من هذه الإجراءات، فمن الصعب على الشعب الإيراني ان يقتنع بهذه الإجراءات الترقيعية، سيما ان اخلت الحكومة بأحدها، وخصوصا مسألة الدعم النقدي.

هل للمعارضة الإيرانية دور في الاحتجاجات الأخيرة؟
في الظاهر لم تتبنى المعارضة الإيرانية تلك الاحتجاجات، بل هي عفوية وشعبية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية، وفشل الحكومة من معالجة التدهور الاقتصادي، وتماديها في دعم ذيولها على حساب مصلحة الشعب الإيراني، لكن هذا لا ينفي وجود بصمات للمعارضة الإيرانية في دعم الاحتجاجات على اقل تقدير معنويا ولوجستيا. فالمعارضة الإيرانية في الداخل سيما ـ عناصر مجاهدي خلق ـ لن تفوت الفرصة في هز اركان النظام عبر دعم الاحتجاجات، ولكن الحكمة تقتضي ان لا تزج باسمها خشية من قيام النظام الإيراني بشيطنة المحتجين، كما فعل في السابق. قال جينيس بيور نيبو" القوة تعني ان يكون لك الحق في إلحاق الأذى بالآخرين".

الخاتمة
ايران على وشك الانفجار وسقوط النظام يعني انهاء نفوذها في المنطقة ولا سيما في العراق، لأن الميليشيات العراقية الولائية اشبه بالمناديل الورقية التي تستخدم في التواليت، يمسح بها الولي الفقيه فضلات مؤخرته ويرميها في المزبلة. ان نهاية النظام الإيراني هي بداية الانفتاح للشعب الإيراني، وخطوة البداية نحو الحرية والديمقراطية والتقدم والرفاهية، وبداية الراحة والأمن والاستقرار للمنطقة والشعوب التي ابتليت بولاية الفقيه.

علي الكاش

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

915 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع