
د. سعد ناجي جواد*
جردة أولية للعدوان على ايران.. اين اخطأت طهران؟ واين فشل التحالف الصهيو- أمريكي؟
بعد انتظار وترقب جاء العدوان الأمريكي-الاسرائيلي على ايران كما كان متوقعا، وبعد ان أكملت الولايات المتحدة الأمريكية استعداداتها، وحبكت ما اعتبرته خدعة إستراتيجية عن طريق نشر تصريحات مضللة عن الاستمرار في المفاوضات وعن دعم رغبات الشعب الإيراني. وحشدت لذلك من حاملات الطائرات وسفن التزويد بالوقود والبوارج الحربية ما يوحي بانها تدخل حربا عالمية ثالثة مع قوى عظمى، على امل تحقيق انتصارا سريعا. كل ذلك خدمة لرغبة اسرائيلية بحتة، (وفي نفس الوقت لإحراج الصين وروسيا والاستيلاء على ثروة ايران النفطية). وكالعادة أعطت واشنطن الضوء الأخضر لدولة الاحتلال لكي تبدأ العدوان بعد ان اعتقدت انها أمنت الأراضي المحتلة بأنظمة دفاع جوي عالية القدرة، واضافت لذلك ارسال حاملة الطائرات العملاقة جيرالد فورد قبالة حيفا. وبعد ذلك صرح الرئيس الأمريكي (الباحث عن جائزة نوبل للسلام) ان الحرب العنيفة ستستمر حتى يتم تغيير النظام في ايران.
ايران بدورها بدأت تتدرج في الرد على هذا العدوان، (البعض اعتقد او صدق البيانات الامريكية- الاسرائيلية التي قالت ان الهجمة الاولى قد نجحت في تدمير أدوات الرد الإيرانية، مستندين على الردود الإيرانية البسيطة التي حدثت في اليوم الاول).
في تحليل اولي سريع لما جرى، ولمآلات هذه المواجهة يمكن رصد الأمور التالية:
اولا: الحدث الأبرز هو الفشل الاستخباري والأمني الإيراني والذي مكن الطائرات المعتدية (أمريكية واسرائيلية) من اغتيال قيادات إيرانية مهمة في الضربة الاولى، على اساس ان الهجوم جاء في موعد غير متوقع (الصباح وليس الليل)، وفي وقت كانت في المفاوضات الإيرانية الأمريكية مستمرة، كما قالت ايران. إلا ان هذا التعليل لا يبرر الفشل، خاصة وان التجربة السابقة أكدت اسلوب الكذب والخداع الذي اعتمده الرئيس الأمريكي في الهجوم السابق في حزيران/يونيو السابق، وان الكلام الأمريكي والاسرائيلي كان واضحا عن نية شن هجوم كبير. ان هذا الخطأ او التهاون أعطى رأسي العدوان (ترامب ونتنياهو) شعورا بالنصر المبكر، كما وجه ضربة معنوية موجعة لايران.
على الجانب الاخر ان النجاح في اغتيال السيد الخامنئي أتى برد فعل عكسي ومختلف عن تمنيات الرئيس الامريكي، الذي طلب من الإيرانيين النزول للشارع وإسقاط النظام. حيث ان التظاهرات الشعبية الحاشدة المتألمة لفقدان المرشد أظهرت كمية التأييد الذي كان يحظى به، اجبرت الأصوات المعارضة، التي ادعى الرئيس الأمريكي انها خرجت فرحة وستسقط النظام، على الانزواء بل والاختباء. بكلمة اخرى ان الشارع الايراني اظهر انه غير مستعد لتنفيذ الأجندة الأمريكية-الاسرائيلية المبنية على تمهيد المسرح لاسقاط النظام. علما بان من البديهيات المعروفة في الحروب ان القصف الجوي لوحده لا يمكن ان يُسقط نظام. (في حالة العراق مثلا حشدت واشنطن حوالي ربع مليون جندي لاجتياح العراق تزامنا مع الضربات الجوية).
ثانيا جاء الرد الايراني المتدرج ليثبت كذب ادعاء اميركا وإسرائيل بانهما دمرا القوة الصاروخية الإيرانية ومنصات الإطلاق. وجاء اعتراف نتنياهو يوم امس في تحذيره للناس في فلسطين المحتلة (بعد الضربة التي طالت بيت شيمش [وكانت تعرف ببيت نتيف] ان ايران ما زالت تمتلك اكثر من 2500 صاروخ من أنواع مختلفة، لكي يقلقهم أكثر بعد ان حاول ان يطمئنهم. صحيح ان منصات واجهزة وقبب الدفاع في الأراضي المحتلة تنجح في كل يوم في إسقاط العديد من الصواريخ، لكن صحيح ايضا ان الهجمات الإيرانية جعلت صافرات الإنذار لا تتوقف، ليلا ونهارا، في الأراضي المحتلة من شمالها إلى جنوبها. وكلما نجح صاروخ في إلحاق أضرار جسيمة او تسبب في خسائر بشرية اسرائيلية، فان نتنياهو يفقد الشرعية التي يحاول ان يضفيها على عدوانه الذي ادعى انه جاء لحماية الإسرائيليين. اما الدليل الاخر على قلق نتنياهو المتزايد هو استدعاءه لأعداد كبيرة من جنود الاحتياط مما يدلل على شعوره بان الحرب قد تستمر اطول مما توقع، وكذلك تزايد الشعور لديه بان الجبهة اللبنانية مثلا قد تفتح في اية لحظة.
ثالثا زعم الرئيس الأمريكي، المنتشي بقتل المرشد الأعلى، ان النظام الإيراني انتهى، وزاد على ذلك انه ادعى ان (النظام الجديد! في ايران يرغب في التفاوض معي واني وافقت!) كما تبجح بان قوة الولايات المتحدة الكبرى لا يمكن لاحد ان يتحداها. وكل هذه الادعاءات ظهر انها غير صحيحة، فاولا لا يوجد لحد الان نظام جديد في ايران، وان المسؤولين الإيرانيين أكدوا (وزير الخارجية وأمين عام مجلس الامن الوطني علي لاريجاني) ان ايران لن تتفاوض مع واشنطن إلا بعد ان يتوقف العدوان ويتم تقديم تبرير مقنع لسبب وقوعه. وفي كل الاحوال فان كل الدلائل تشير إلى ان ايران مصرة على الاستمرار لانها تريد أن تقوي وتدعم موقفها التفاوضي عن طريق تحقيق نجاحات في صمودها العسكري.
كما ان تجرؤ ايران على مهاجمة القواعد العسكرية والمراكز الاستخباراتية الأمريكية في المنطقة وإسقاط طائرة مقاتلة واحدة على الاقل، والاهم محاولة شن هجوم على حاملة طائرات أمريكية وإيقاع خسائر بشرية بين الجنود الاميركان، كلها افعال تدلل على ان ايران اما غير مرعوبة من القوة العظمى، او انها مستعدة لتحدي النية الامريكية-الاسرائيلية المبنية على تدمير ايران بالكامل. (في علم الاستراتيجية ينصح الخبراء الطرف المهاجم بان لا يضع الخصم في زاوية مغلقة وبدون مخرج لان رد فعل المُحَاصَر يصبح غير متوقع وغير مبالي بالنتائج).
وفي كل الاحوال فان الوقت مازال مبكرا للحديث عن هزيمة إيرانية كاملة، وان ما تَصَوره طرفي العدوان بانها ستكون حرب خاطفة، سوف تطول وتتوسع.
في الختام اسمح لنفسي ان اقول ان ايران قد خسرت فرصتين تاريخيتين، الاولى عندما لم تدخل كطرف فعال في طوفان الأقصى منذ الايام الاولى، وكذلك الأمر بالنسبة لحزب الله. والثانية ان ايران فرطت بحليف استراتيجي مهم في هذه المواجهة إلا وهو العراق، وعلى مرحلتين، المرحلة الاولى عندما وافقت على التعاون مع الولايات المتحدة في احتلال العراق وتدميره، الذي تصورت بان ذلك سيجعل منها القوة الوحيدة في المنطقة، ( ومن يشكك في ذلك فعليه ان يعود إلى مذكرات زلماي خليل زاد السفير الأمريكي السابق في العراق ومحادثاته مع جواد ظريف في نيويورك، وكذلك حديث وزير خارجية بريطانيا الأسبق جاك سترو المنشور على الشبكة العنكبوتية). وفي المرحلة الثانية عندما عملت على إضعاف العراق عن طريق إيصال ودعم العناصر الاكثر فسادا والأكثر طائفية والأقل كفاءة سواء في المناصب المدنية او العسكرية او الإدارية، مما جعل العراق دولة ضعيفة، وتعج بالعملاء والقواعد الاسرائيلية والأمريكية، واصبحت أراضيه منفذا آخر لدخول عملاء الموساد والسي آي أي إلى الداخل الإيراني.
*كاتب واكاديمي عراقي

866 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع