
بقلم: اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
2 حزيران 2026
توم باراك ضيفٌ ثقيل للحل أم للتعقيد وماهو الثمن
١. المقدمة: في عالم السياسة الدولية لا تأتي الشخصيات المرسلة من القوى الكبرى بوصفها مجرد زوار دبلوماسيين، بل تحمل معها رسائل ومصالح وأهدافاً تتجاوز ما يُعلن في المؤتمرات الصحفية. ومن هذا المنطلق يثار التساؤل حول دور ( توم باراك Tom Barrack ) في العراق، وهل يمثل حضوره فرصة للمساعدة في حل الأزمات المتراكمة، أم أنه حلقة جديدة في سلسلة التعقيدات الإقليمية والدولية التي تحيط بالعراق.إن أهمية هذا السؤال لا تنبع من شخصية الرجل فقط، بل من طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة، حيث تتداخل ملفات الأمن والطاقة والاستثمار والنفوذ الإقليمي في معادلة واحدة يصعب الفصل بين عناصرها.
٢. لماذا يُنظر إلى توم باراك كضيف ثقيل نحن لا نربط الثقل بالصفة الشخصية، بل بحجم الملفات التي يمثلها.فهو يأتي حاملاً رؤية الإدارة الأمريكية ومصالحها الاستراتيجية في منطقة تشهد أحداث متداخلة . لذلك فإن أي زيارة أو تحرك من هذا النوع لا يُقرأ بوصفه نشاطاً دبلوماسياً عادياً، بل باعتباره جزءاً من مشروع أوسع لإعادة ترتيب الأولويات السياسية والأمنية. ويمكن أن يشكل قناة اتصال بين امريكا والعراق وشبكة واسعة من المستثمرين والشركاء الدوليين واعتقد هذا هو الهدف الحقيقي لذلك .
كما أن أمريكا ما زالت تمتلك أدوات ضغط وتأثير قد تساعد في معالجة بعض الملفات العالقة إذا توافرت الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف.
في المقابل نرى أن أي تدخل خارجي، مهما كانت نواياه المعلنة، يضيف طبقة جديدة من التعقيد للأزمة العراقية.ويستند هذا الرأي إلى أن مصالح القوى الكبرى لا تتطابق دائماً مع المصالح الوطنية.والمشاريع السياسية الخارجية غالباً ما ترتبط بشروط غير معلنة.
١. الخشية لا تكون من الزيارة نفسها، بل من الأثمان التي قد تُطلب لاحقاً مقابل الدعم أو المساندة.في السياسة الدولية لا توجد هبات مجانية بالكامل.وقد تكون ( تنازلات سياسية ، التزامات أمنية،مصالح وترتيبات اقتصادية طويلة المدى، إعادة تشكيل بعض التوازنات الداخلية، الانخراط في محاور إقليمية أو دولية محددة ).
٢. السؤال الأهم ماذا سيقدم المبعوث الأمريكي وماذا سيُطلب من العراق مقابل ما سيُقدم. يمكن النظر إلى توم باراك على أنه رسول لمصالح قبل أن يكون رسولاً للحلول.فنجاح مهمته أو فشلها لا يتوقف على قدراته الشخصية فقط، بل على قدرة العراق على التفاوض من موقع المصلحة الوطنية، لا من موقع الحاجة أو الضغوط.فالزائر الدولي قد يحمل فرصة، وقد يحمل تحدياً، وقد يجمع الاثنين معاً في حقيبة واحدة.
٣. الاستنتاج : التاريخ السياسي يقول أن الدول القوية لا تقاس بعدد المبعوثين الذين يزورونها، بل بقدرتها على تحويل الزيارات إلى مكاسب وطنية وتقليل أثمانها السياسية.وعليه فإن توم باراك ليس بالضرورة ضيفاً للحل ولا ضيفاً للتعقيد بصورة مطلقة، بل هو اختبار جديد لقدرة الدولة العراقية على إدارة علاقتها مع القوى الكبرى وفق مبدأ ( الاستفادة من الدعم الخارجي دون الارتهان له، والانفتاح على العالم دون التفريط بالقرار الوطني ).
٤. الخلاصة: إذا كان العراق يبحث عن حلول دائمة، فإن مفتاحها الحقيقي لن يأتي على متن طائرة مبعوث أجنبي، بل من داخل مؤسسات الدولة نفسها. أما المبعوثون الدوليون، مهما كانت أسماؤهم، فهم قادرون على تسريع الحل أو تأخير الأزمة، لكنهم نادراً ما يصنعون مستقبل الدول نيابة عن شعوبها.
٥. إن الأوطان لا يبنيها الغرباء، ولا تُعالج أزماتها بالرهان على القادمين من وراء الحدود، فالحلول الحقيقية تبقى مسؤولية أبناء الوطن أنفسهم، لأنهم الأقدر على فهم جراحه والأحرص على مستقبله. أما الآخرون، مهما حسنت نواياهم، فإن مصالحهم تبقى هي البوصلة التي تحدد اتجاه حركتهم.
ومهما تعددت المبادرات الخارجية وتكاثرت الوساطات الدولية، فإن استقرار العراق وبناء مستقبله يظل مسؤولية عراقية خالصة؛ فالغرباء قد يساعدون أو يعطلون، لكنهم لا يستطيعون أن يحلوا محل أبناء الوطن في صناعة الحل وإنقاذ الوطن .

497 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع