ذو النورين ناصري زاده
تقلبات العقائق و(الواوية) في مزادات النخاسة الحكومية
في زمن تتداخل فيه المصالح وتتعاظم فيه الأصوات الملتوية، تصبح الساحة الحكومية بمثابة سوق للنخاسة، حيث تتقلب الأقنعة وتغدو المبادئ سلعاً رخيصة في مزادات الانتهازية. يواجهنا اليوم واقع مرير تتشابك فيه المصالح الشخصية مع نزعات السلطة، فتتناثر الأقوال بين دفاع مدني وهجوم مفرط، لتصبح الكلمات أدوات بيع وشراء تُفرّغ من معانيها الأصيلة. في هذا المقال، "تقلبات العقائق و(الواوية) في مزادات النخاسة السياسية"، يأخذنا ذو النورين ناصري زاده في رحلة نقدية جريئة، يصور فيها مآلات الانتهازية التي تحوّلت إلى ثقافة مستشرية، ويكشف كيف يتبدل الموقف ويتغير الخطاب بتغير المنافع، ليصبح الانتماء مجرد قناع يُلبس على وجوه متناقضة. ها هي مسامعنا اليوم تغرق في تشدقات قاتمة بسوداويتها جارفة كالسّيول، وأعيننا تكتوي ببصمات خطاب يشبه طلاء الذم على جدرانٍ شيدها أصحابها بأيدٍ ملطخة بطلاء الدم. ليست هذه نقدًا، بل هي طقوس تطهير وهمي، يمارسها من غرسوا على صدورهم سجلًا من الحقد المزمن، والحسد الأصفر، والنحاسة الفكرية التي تحوّل الكلمة إلى سلعةٍ في سوق النفاق.
ترى، أي اسم نلقِي على من كان محسوبا على جيش او فريق الانقلاب، ثم عندما تبدلت الأحوال فغبرت دولة وظهرت دولة عاد هذا المحسوب ليصف جيش او فريق الانقلاب بالدموية الطغيانية؟ وهنا أي لقب نمنح لمن جلس على كراسي السلطة يدير دفتها وينتهزها دهرا، ثم يعود اليوم لينقض شرعيته التي أسبغها على نفسه بالأمس؟ هل هذا هو وقع الناموس الإنساني ام إنها مهزلة الوجود المزدوج؛ يبيعون الوهم مرتين: مرة بقبضة الحديد، ومرة بدموع التماسيح.
والمشهد يعيد إنتاج نفسه كمسرحية بيكيتية بلا نهاية، لاعبون متمرسون يتبادلون الأقنعة عند كل منعطف. ذاك الذي كان حارسًا لباب السلطان او ماسحا لاكتاف السلطان، يصيح اليوم في الساحات بعد ان يتتريغ من شرب نخبه: لاترحموا رجال العهد الذي قضى نحبه! إنها نرجسية جماعية تحول التاريخ إلى مرآة محدبة، يلمعونها بأظافرهم الجلفة كي يروا وجوههم أبطالًا، بعد أن كانت وجوه حراس المقابر. أليس هذا انتحارًا رمزيًا، يذكّرنا بالجلاد النائح، الذي يبكي على جثثٍ هو من ألقاها في الحفرة؟
وهذه الانتهازية المرحلية ليست شذوذًا، بل هي ثقافة فرعية تتكاثر كالفطريات السامة على جسد المجتمع. إنها فيروس خبيث، وصفه ابن خلدون في مقدمته الخالدة بالاستبداد الناعم، حيث يتقمص الموالف دور الثائر عند أول منزلق.
إنهم يكتبون تاريخهم بمداد الكراهية، ليبادروا بمحو بصماتهم من صفحاته القذرة، وكأنما الحقد والدناءة طينٌ يلطّون به عوراتهم الفكرية. لكن هناك صوتًا آخر، لا يشبههم قط، صوت كالريح العاتية يصفر في الصحراء دون أن يلتوي. إنه صوت من وقف خارج السرب، حين كان الانضمام يدر أرباحًا، وصمته يكلف دمًا.
النقد الحق ليس فن التوقيت كما يزعم الانتهازيون، بل هو فن البقاء إنسانًا، حين تتحول القيم إلى سلع في سوق النخاسة السياسية. إنه القول الفصل، الذي يسمع في قاعة الظلم لا في ميدان الانتصار. إنه الجرأة أن تقول: هذا خطأ، لا عندما يهب التيار، بل عندما يغرق الجميع في صمت القبور.
ولماذا يختارون لغة الحقد؟ لأنهم لم يجربوا لغة العقل. لقد حولوا النقد إلى طقس انتقامي أو تبريري، يعوضون به مأزقهم الذاتي. وكما وصف الجاحظ في البخلاء: النحاسة، أي بخل الفكر والقول، علامة على عجز الروح. وهؤلاء في حقيقتهم فقراء التجربة، عاجزون عن إنتاج رؤية أصيلة، فيسرقون شرعية الآخرين بخطاب أشبه بصراخ الغربان فوق جثث السلطة البائدة.
ها هي المعركة الأزلية بين الكلمة-القناع والكلمة-الضمير. التاريخ سجل لا ينسى، لكنه يعيد تمثيل مآسيه بأدوار متبادلة. والسؤال المصيري الذي يخترق الضجيج: هل يولد انتهازي الأمس ضميرًا للغد؟
ولعلّ أخطر ما في هذه الانتهازية، أنها تزرع الشك في النفوس، وتحوّل المجتمعات إلى حلبة صراع بين وهم السلطة وعبادة التظاهر. كل كلمة نقدٍ حقيقية تُدفن تحت ركام المديح الزائف والتطبيل، وكل صوتٍ مستقل يُختنق قبل أن يعلو. وهنا تتكشف الطبيعة الحقيقية لسوق النخاسة السياسية؛ حيث تتحول المبادئ إلى ديكور، والضمير إلى قناعٍ يلبسه من يبيعون ذواتهم.
إنهم لا يكتفون بسرقة السلطة، بل يمتد نهبهم إلى التاريخ نفسه، يعيدون كتابته وفق مصالحهم، يمحوون من الذاكرة ما لا يروق لهم، ويعيدون ترتيب المآسي لتناسب تبريرات الغربان التي تلتهم كل شيء. هذه الغربان التي تطير فوق القبور، تكتب خطابها بخطوط من الظلام، وترسم الخرائط على جثث الضحايا، فتصبح التبريرات وسيلة لتجميل القبح، والشرط الأساسي للبقاء في سوقٍ لا يعرف الرحمة.
الجواب يكمن في مرآة المجتمع النقدية؛ فالأمم التي تكافئ الانقلاب على المبادئ، تنتج أبطالًا من ورق يطويهم أول نسيم. أما الأمم الحية، فهي التي ترفض أن يكون النقد مجرد طقس تبرير، لمن باعوا ظل الشجرة ثم جاؤوا يلعنون الشمس. فالنقد الصادق، لا يحتاج إلى تصفيقٍ أو شهرة، بل إلى شجاعة القلوب المستقلة، وجرأة العقول التي تعرف أن الحق أسمى من كل منصب أو لقب.
إنها دعوة للتفكر، وللتمسك بالضمير، وللتمرد على تبريرات الغربان التي تغطي فساد التاريخ وتعيد إنتاجه من جديد. فالخطر الحقيقي لا يكمن في الذين يسرقون السلطة، بل في الذين يغلقون أعينهم، ويصمتون بينما يمر الغربان على الجثث، تبرّر أفعالها باسم السياسة، والحقد، والسلطة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل سنظل مجتمعًا يغرق في صمت القبور، أم سنستعيد الجرأة على مواجهة الانتهازية، ونرفع القناع عن كل خطاب كاذب، لنرى الحقيقة في ضوءها الصافي، بعيدًا عن تبريرات الغربان، بعيدًا عن السوق الذي يبيع المبادئ كسلع رخيصة؟
إنها لحظة الاختيار؛ لحظة يُثبت فيها المجتمع ذاته، إما بالوقوف في وجه الانتهازية، أو بالاستسلام لصمتٍ يعيد إنتاج التاريخ ذاته، مرة بعد مرة، تحت جناح الغربان، وتحت لافتة تبريراتها القاتلة.
981 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع