بدري نوئيل
المحسوبيات فن تحويل ابن خالتي إلى سعادة المدير
مقدمة
في بلاد لا يحكمها سوى قانون من تعرف وليس ماذا تعرف، تصبح المحسوبيات والواسطة مهارات حياتية لا تقل أهمية عن إتقان القراءة أو كتابة السيرة الذاتية. هنا، إذا أردت وظيفة، بدل أن تجهز شهاداتك، أسرِع ودوّن شجرة عائلتك، وذكّر قريبك صاحب النفوذ بأنك ما تزال تحافظ على مودته وتزور عائلته في الأعياد!
في دولة الفساد الجميلة، حيث تتفتح زهور الفرص تحت ظلال الواسطة، يزدهر فن قديم يُعرف باسم المحسوبيات. إنه ذلك الفن الذي يجعل من ابن خالتك مديرًا تنفيذيًا، ومن جارك في الحارة مسؤولًا عن ميزانية الدولة، دون أن يعرف الفرق بين الميزانية والميزان الذي يوزن به الخضار.
تعيين الأقارب والمعارف في المناصب الحساسة: لأن العائلة أولًا وأخيرًا.
في هذه الدولة ثلاث طرق للوصول إلى المناصب الحساسة:
أن تكون ابن العم القريب للوزير.
أن تكون صديق طفولة لابن المدير.
أو ببساطة أن تكون حاضرًا في عزاء أحد المسؤولين وتطلب الوظيفة وأنت تمضغ قطعة من الحلوى. أما من يملك السيرة الذاتية الذهبية والشهادات العليا، فمآله مكتبة الأرشيف في الطابق السفلي، يقرأ عليها السلام موظفون الموارد البشرية تخصص طرق حديثة لكسر الأحلام.
تخيّل معي: وظيفة شاغرة في منصب حساس، يتطلب خبرة عشر سنوات، شهادة دكتوراه، ومهارات قيادية استثنائية. يتقدم مئات المرشحين المؤهلين، لكن الوظيفة تذهب في النهاية إلى فلان، ابن أخت مدير الشركة، الذي يحمل شهادة ثانوية عامة وخبرته الوحيدة هي إدارة صفحة على فيسبوك لبيع الفلافل. لماذا؟ لأن العائلة أهم من الكفاءة، ولأن فلان ولد طيب وموهل، كما يقول خاله.
المحسوبيات ليست مجرد تعيين أقارب، بل هي فلسفة حياة. إذا كنت تعرف شخصًا يعرف شخصًا آخر، فأنت لست بحاجة إلى سيرة ذاتية. فقط اتصل بـعمه أو خالة، وستجد نفسك في مكتب مكيف، تحمل لقبًا رنانًا مثل مدير العلاقات الاستراتيجية، وأنت لا تعرف حتى معنى كلمة استراتيجية.
قصص النجاح الخرافية لأبناء المسؤولين من بائع إلى المدير العام
لكل مسؤول قصة، ولكل ابن مسؤول حكاية يتداولها المساكين في المقاهي. لا تحتاج أن تكتب سيرة
ذاتية إذا كنت ابن فلان، يكفي أن يكون اسمك الرباعي مطابقًا لاسمه حتى تفتح لك كل الأبواب المغلقة.
إذا كنت تعتقد أن القصص الخرافية انتهت مع سندريلا، فدعني أخبرك عن الشاب الذي بدأ حياته المهنية كموظف بسيط في شركة حكومية. في يوم مشمس، اكتشف مدير الشركة أن الشاب هو ابن صديق عمه في حفل زفاف عام 1997. وبين ليلة وضحاها، تحول الشاب من موظف إلى إدارة مؤسسة بميزانية ملياريه.
السر؟ ليس العمل الجاد أو الكفاءة، بل تلك اللحظة السحرية التي يُكتشف فيها أنك ابن فلان أو ابن عم علان. فجأة، تُفتح أمامك الأبواب، وتُمنح مناصب لم تكن تحلم بها، بينما زملاؤك الذين قضوا سنوات في الدراسة والتدريب ينظرون إليك بدهشة وهم يتساءلون: كيف؟
الواسطة: السلم السري للنجاح
قصة ابن المدير دخل الشركة بالأمس ترقّى اليوم صار المدير غدًا. سرعة صاروخية تحطم قوانين الفيزياء الإدارية، وتزيد الحافز لا للجد والاجتهاد، بل للبحث عن نسب ضائع أو قريب من أصحاب القرار.
أسطورة بنت المسؤول
درجاتها في الجامعة كانت تحت المتوسط، لكن في مقابلة العمل فتحت معها السماء أبوابها. لم تكتفِ بالوظيفة، بل أوكلت إليها إدارة مشاريع تطوير التعليم، والسبب؟ إنها تمتلك رؤية أخاذة لمستقبل البلاد وخبرة طويلة في حضور حفلات الاستقبال الرسمية.
الواسطة هي تلك القوة الخفية التي تحرك الجبال أو على الأقل، تحرك المناصب. إنها السبب الذي يجعل شابة التي بالكاد تستطيع كتابة بريد إلكتروني، تصبح مسؤولة عن قسم تكنولوجيا المعلومات. وهي التي مازالت صبية لا تملك خبرة في المحاسبة، تُعيَّن كمديرة مالية، فقط لأن والدها لعب الطاولة مع رئيس مجلس الإدارة.
لكن دعونا نكن منصفين. المحسوبيات ليست دائمًا سيئة. أحيانًا، ينجح ابن الواسطة في إثبات نفسه بعد أن يتسبب في بعض الكوارث الصغيرة، بالطبع. وإذا فشل؟ لا مشكلة! هناك دائمًا منصب آخر في مؤسسة أخرى ينتظر، بفضل شبكة العلاقات العائلية التي لا تنتهي.
الطقوس السرية للمحسوبية
طقوس المباركة: صورة مع المعالي تكفي لنشر الخبر في الجرائد، والتبريكات تنهال في القنوات الرسمية أكثر من تهاني الأعياد. طقوس التعيين: يتم التعيين بعد جلسة عائلية وما شابهها من مشاورات عميقة بين أطباق الكنافة ونكات العم الأكبر.
طقوس النسيان: كلما سُئِل المسؤول لماذا تم اختيار هذا الشخص؟، يرد ببساطة: هذا اختيار لجان التقييم المحايدة، وكأن البلد لا يعرف أن اسم العائلة أقوى من أي شهادة تقييم!
الخلاصة: العائلة هي القوة
في النهاية، المحسوبيات والواسطة ليست مجرد عادة، بل هي ثقافة متأصلة. إنها تذكرنا بأن العائلة والمعارف هما العمود الفقري للنجاح أو على الأقل، للحصول على وظيفة لا تستحقها. فإذا كنت تشعر بالإحباط لأنك لم تحصل على الترقية التي عملت من أجلها، لا تقلق. فقط ابحث عن خال أو عمة أو حتى جار يعرف شخصًا مهمًا، وستجد نفسك في مكتب فاخر، تتساءل: كيف وصلت إلى هنا؟
خاتمة
في دولة المحسوبيات والواسطة، الأمل الوحيد أن تظهر مواهبك في العائلة الكبيرة، أو أن يتذكرك أحدهم في وليمة رسمية. أما الكفاءة والجد، فهما من أساطير القدماء يتداولها الموظفون في قصص ما قبل النوم، طمعًا بأن تصبح الحقيقة يومًا ما!
978 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع