من سمات الشخصية "الإنفعالية والاندفاعية"

                                                   

                       د. اسعد شريف الامارة

من سمات الشخصية "الإنفعالية والاندفاعية"

حينما نتناول الشخصية يقودنا هذا المفهوم إلى الكثير من التوسع والغور في ما يحمله من أبعاد عميقه وواسعه فيشير " دويجكر وفريجدا Duijker &Frijda" في معرض حديثهما عن ما يحمله هذا المفهوم وتعريفاته مثل السمات النفسية، أو الخصائص والأنماط الشخصية، أو تكوين الشخصية، أو أنساق الإتجاهات والقيم والمعتقدات، أو المعطيات السلوكية المميزة، أو نواة بناء الطابع، هذا الكم أو الكثرة الكاثرة مما تحمله الشخصية من تعريفات وسمات وصفات هو حقًا يتسع لها في التعريف والمفهوم وما يحمله لا سيما أن موضوعنا يتناول الشخصية وبعض أجزائها التي تبرز في فترة من فترات التكوين والبناء النفسي سواء كانت من الأساس، أو تكونت خلال مراحل العمر اللاحقة لا سيما أن الشخصية هي ذلك التكوين الدينامي الثابت نسبيا، كما يراه "البورت" بتعريفه للشخصية بأنها ذلك التنظيم الدينامي داخل الفرد للأجهزة النفسية الفسيولوجية التي تضمن توافقه الخاص مع بيئته، وفي مقابل ذلك يعد التحليل النفسي الذي يهتم بتركيب الشخصية وتكوينها خلال مراحل الحياة الاولى للإنسان في طفولته، لذا يؤكد "التحليل النفسي" كما يرى"دانييل لاجاش" بقوله كانت عملية التكوين هذه تعد دائمًا نتاجًا لتفاعل العوامل البيولوجية والعوامل النفسية والاجتماعية.

وما سنتطرق له هو ظاهرتي الإنفعالية والإندفاعية في الشخصية، كيف تتكون؟ وما هي أهم صفاتها وكيف تبدو ظاهرة في سلوك الفرد وطريقة تعامله، وأسلوبه الذي يطبع كل ملامحه. ويقول أصحاب مفهوم الشخصية المنوالية أن نمط الشخصية ليس مهمًا في حد ذاته، بل المهم هو تكراره، فالشخصية التي تتعرض لضغوط كثيرة مثل الحروب والازمات والكوارث، وتسلط الانظمة الدكتاتورية لفترات طويله تظهر على الشخصية ظاهرتي الإنفعالية والإندفاعية، والمعروف بديهيأ أن الانظمة المتسلطة " الدكتاتورية" تحاول أن تُفقد الفرد ثقته بنفسه، وربما هي من الأسباب الرئيسة في تكوين الإنفعالية في الشخصية وكذلك تخلق الإندفاعية والسبب هو الحرمان والقلق المستمر من اختفاء الأشياء أو مستلزمات الحياة فضلا عن عدم الاشباع النفسي والخوف المستمر لفترات طويلة مع التهديد الدائم في الوجود والاستقرار. يظهر سلوك التسرع والتسابق مع الآخرين في الحصول على أشياء بسيطة في الحياة اليومية، فالفرد أن حصل على شيء فإنه غَنمَ "حصل" شيء ثمين ، وكأنه سيختفي أو يصبح غير متوفر، قلق دائم.
عادة يكون صاحب الشخصية الإندفاعية مستعجل في كل شيء ويبدأ يومه منهك منذ الصباح لأنه مُقبل على سباق مع الزمن، سِباق ومعه الخوف في الحصول على أشياء حياتية ولو بسيطة، تراه يفكر بكل شيء يحاول أن يحصل عليه، يشعر بالجوع النفسي وكأن الجميع يحاولون الوصول لأخذ حقوقه أو منافسته، أنه يعاني من شدة التفكير في أي شيء، حتى يحصل عليه، لا نغالي إذا قلنا أنه جزء من سلوك الشخصية المنوالية التي تكرر نفس السلوك في كل مرة، وكل يوم ولا يهدأ لها بال حتى ولو حصل على ما يريد ولكنه لا يقتنع أو يرضى أو يشبع، أو يكتفي بما يحصل عليه، أنه الحرمان والشعور بأن الغد يغدر ولا نعرف ما يضمره لنا، خَلقت الأنظمة الدكتاتورية الشمولية التسلطية الشخصية الإندفاعية والإنفعالية، فترى الفرد حينما يذهب إلى أية مؤسسة حكومية يرتل نصف القرآن، ويستدعي الاف الأدعية ويستنجد بالأئمة والصالحين ويستحضر الانبياء، وحينما يصل للموظف المخصص للخدمة تراه يقف أمام فرعون متجبر يتسم بالطغيان والتكبر والجبروت، وهو في الحقيقة أن هذا الموظف خائف مرعوب من القادم الذي يراه قوي وجبار، ولكنه يشعر بأن المواطن القادم إنسان بسيط يبدأ يتفرعن ويتجبر ويعرقل معاملته، أنه تسلط متراكم من الانظمة الدكتاتورية التي حكمت الكثير من البلدان في العالم الثالث ومنها الدول العربية.
وهذا السلوك نجده لدى بعض الاشخاص من النساء والرجال في زمن الحروب والأزمات والحصار الاقتصادي والشحة في بعض مستلزمات الحياة الضرورية مثل الأدوية للأمراض المزمنة والمواد الغذائية الأساسية.
ان تسلط الدكتاتورية وخلق شعور لدى أفراد المجتمع بالحاجة وضرورة البحث دائما عن الضمان والأمان في توفير ما تحتاجه وبشكل مفرط، حتى لو أنتهت المرحلة الصعبة وأنتهت الحرب، وانتهى الحصار وعادت الحياة لطبيعتها وأصبح الوضع الاقتصادي متيسر وبه من الرفاهية أو الاكتفاء في المعيشة يبقى هذا الشعور وهذه الهواجس، ويتحول البعض من الأشخاص إلى البخل والتقتير تحسبًا للزمن القادم الذي لا يؤتمن وربما تعود أيام الضيق والضنك المادي والحاجة والعوز، أما المجتمعات التي مرت وما زالت تمر في حالات الضيق والعوز والحاجة للمال أو للحياة الأعتيادية في المعيشة والاكتفاء الاقتصادي فإنها تزداد لديها ظاهرة الإندفاعية للحصول على الأشياء الحياتية اليومية، ويلجأ بعض الأفراد إلى التحايل من أجل الحصول على أشياء أساسية في الحياة للأسرة، أو يلجأ البعض إلى الدين كمدخل للارتزاق فهو عادة يناغي مشاعر البسطاء وهو أفضل وسيلة للكسب.
حينما تهتز الشخصية في وجودها ككيان إنساني تظهر عليها علامات مختلفة، لا أقصد هنا الاختلال في وظيفة الاعضاء أو الإضطرابات العقلية فحسب لأن هذا التشخيص يذهب بعيدًا في مسار النفس وما يعتمل في داخلها فيكون الطبيب النفسي أو الاخصائي النفسي الاكلينيكي قد وضع أولى بصماته في التشخيص الطبي على ما آلت إليه هذه النفس من تدهور في احوالها، اقصد هنا الإضطرابات الذهانية "العقلية" بالتحديد، ولكن هنا عزيزي القارئ الكريم اعني في هذه السطور والمعنى ببعض العلامات في السلوك وما يؤشر على المستوى الظاهري في التعامل وهو الإنفعالية والاندفاعية، وكلاهما سلوك يبدو واضحًا لدى البعض ونرصده بوضوح، هي حالة مثل الإفراط الحركي عند الاطفال حيث ترصد الأم والاب هذا السلوك لدى ابنهم في حركته واسلوب تعامله مع الأشياء ومع أقرانه، أما ما نريد عرضه هنا هو حالتي الإنفعالية والإندفاعية في الشخصية الإنسانية في مختلف الأحوال.
ما هي فرط الإنفعالية والاندفاعية؟ :
الإنفعالية وهي استجابة أولية تثيرها التغيرات المفاجئة والمباشرة، ورغم إن هذه الخاصية هي خاصية إنسانية وطبيعية عند البشر إلا إنها تكون بشكل مفرط وقوي لدى بعض الأفراد ممن تعرض لعصاب الحرب، أو عصاب السجن، فيستجيب الفرد إلى سائر المنبهات الخارجية أو الداخلية ويطلق عليها جميع المنبهات والظروف المثيرة.
يرى " بيير داكو" أن فرط الإنفعالية تصبح غير سوية عندما تتجاوز الحدود ونقصد هنا الحدود الطبيعية لسلوك الفرد في تعامله مع الوسط الإجتماعي الذي يعيش فيه ويضيف"داكو" تكون فرط الانفعالية من خلال الاستجابات التالية :
- استجابة للظرف عالية الشدة.
- استجابة للظروف الطويلة إلى حد المبالغة.
- استجابة سطحية إلى حد كبير.
وفرط الإنفعالية وشدتها وتكونها كجزء من شخصية الفرد تكون عادة عقب صدمات كبيرة ولفترات طويلة ومستمرة مثل الهزات العصبية الشديدة والوهن والإنهاك الطويل المدة والتغيرات المزاجية بسبب الأوضاع الاقتصادية في مجتمعات غير مستقرة، أو غير ثابتة امنيًا، أو لدى بعض النساء خلال فترة الطمث، أو فترة البلوغ لدى البعض من الاناث أو الذكور الشبان والانتقال السريع من مرحلة إلى مرحلة عمرية اخرى.
أما الاندفاعية فهي نوع من الرغبة التي لا يستطيع صاحبها أن يقاوم هذه الشحنات النفسية فتدفع به إلى القيام بفعل غير مقبول ويرى علماء النفس أنها تكون خطيرة وعنيفه أحيانًا.
يرى "بيير داكو" يمكن أن يحدث هذا الاندفاع نتيجة شحنة نفسية داخلية دون أن يتدخل أي سبب خارجي، ذلك إنما هو إرضاء غريزة أو رغبة أو حاجة، ولكن هذا الاندفاع قد يثيره أيضا سبب خارجي، وعندئذ يكون الرد مباشرًا إلى حد المغالاة وغير متناسب مع السبب، ونشاهد سلوك الاندفاعية بشكل واضح لدى بعض الاشخاص الذي يتسم سلوكهم بالميل إلى التعصب الديني مثلا، أو التعصب الرياضي، أو التعصب القيمي حتى يتحول بمرور الزمن إلى شخصية وسواسية، أو نجد البعض يكون مدفوعًا بخيالات وأوهام الطموح الزائد، أو البحث عن مكانة إجتماعية فيكون شكاك في كل من حوله وفي الاخير يمكننا القول أن رد الفعل لهذه الظاهرة في الشخصية يكون دائمًا إلى حد المغالاة في السلوك. وأزاء ذلك يرى "داكو" إن الاندفاعية شأنها شان فرط الإنفعالية، سمة غالبة من سمات عدم التوازن النفسي، وكلاهما لا يتميزان على ما يبدو عند المبالغة في الاستجابة.
نحاول جاهدين أن نعطي بعض التفسيرات النفسية وإن كان بالامكان ردها إلى اصولها في التحليل النفسي لهذا السلوك الإنساني، ان الإنسان الذي يتعرض لمواقف حياتية صادمة يتكون لديه سلوك الرد الإنفعالي بشكل فوري، أو على مستوى السلوك الجمعي عند الشعوب التي تخضع لفترات طويلة تحت الحكم الدكتاتوري وأنظمة الاستبداد يكون هذا السلوك واضحا لديها، وكذلك سلطة الأب القاسية كما تسميه رؤية "جاك لاكان" في التحليل النفسي اللاكاني " وهو الذي تعمق بشكل كبير في الرؤية النفسية التحليلية الفرويدية" الأب المثالي وهو الأب القاسي الذي يطبق القانون والتعاليم الدقيقة الاجتماعية أو القانونية على أفراد اسرته لفترة طويلة وتربية قاسية أيضا، هي الاخرى حيث تلعب دورًا كبيرا في تشكيل هذا السلوك لدى بعض الافراد، ويرى " العلامة الدكتور مصطفى صفوان" أن صورة الأب المثالي هي المحور الأساس لكل النظريات الدينية للكمال وهذا هو ما يحل محله القائد أو السيد، وبمعنى آخر صورة التقليد لدى المرجع الديني، أو التأسي بالسلف الصالح " لنا أسوة بالسلف الصالح"، أو الإمام الذي يقلده أو يتبعه الفرد، وهذا يشعر به الفرد في حياته اليومية ولا يستطيع السيطرة على سلوكه ويرجع ذلك إلى وجود أساس بين دافع ذاتي في تصارع مع بيئته الخارجية وهو في الحالة السوية، أما في الحالة المرضية تؤكد الدراسات النفسية المعمقة أن مصادر الصراع الخارجية اصبحت ممثلة في الداخل في صورة كيانات في الشخصية تأخذ مفعولها في البناء النفسي والإجتماعي في الشخصية.
يميز"فورساك Fursac " اربع فئات من الاندفاعات وهي:
- الإندفاعات الإنفعالية .. ذات العلاقة بقابلية التهيج، إنها تنطلق في حالة "الاهواء" مثل الغيرة والعشق والكره.
- الإندفاعات الحركية
- الإندفاعات الوسواسية.. يشعر بها الفرد أنه مدفوع رغما عنه إلى ارتكاب فعل يلائم الوسواس.
- الإندفاعات ذات القوالب الجامدة.. ونراها في أنواع مختلفة منها جنسية ، ودموية، وإجرامية، وتخريبية.
وفي النهاية يمكننا القول بأن الشخصية هي وجود في حضرة الآخرين كما يرى عالم التحليل النفسي الدكتور "فرج احمد فرج" بقوله أن الإنسان لا يصير إنسانًا إلا بقدر ما يأنس هو إلى الآخرين، وبقدر ما يأنس الآخرون – هم – إليه هو، هذا الأنس وهذه المؤانسة هي الوجود معًا وحينما يختفي هذا التواجد في حضرة الآخرين يختفي الوجود الإنساني وتضمحل العلاقات الإنسانية وتحل محلها العلاقات النفعية البرجماتية البحته، علاقات المصلحة وهو ما أسست له الأنظمة التسلطية عبر عقود من الزمن في عدة دول خضعت لإنظمة دكتاتورية ثم انسلخت من دولة قوية ولكن تركت المجتمع محطم في قيمه وعاداته وتقاليده وكل ما يبحث عنه، كيف يكسب؟ وكيف يؤمن يومه وغده من الطعام والدواء والدراسة واحتياجات الاسرة؟ بما فيها دول أوروبية خضعت لسلطة قاسية ومرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، واستمرت لعدة عقود ثم تركت بعدها مؤسسات شكلت العصابات والمافيات بعد رحيلها أبتلى بها المجتمع والحكومات الجديدة، وتبقى عملية البناء وإعادة الثقة لعدة عقود ولا ننسى أن بناء الإنسان أصعب بكثير من بناء العمارات والشوارع والارصفة والموانئ والمطارات، بناء الإنسان هو بناء كل وجود الحياة وهو بناء صحيح رغم أن ميلاد التحرر من عبودية الأنظمة لم تنتهي ولكن ضعفت وتراجعت القيود ولكن أشتد التنافس وتضخمت الفردية في نفوس الناس على نحو سرطاني إجتماعي، تتعملق نوازع الملكية الفردية ودوافع الاقتناء والتظاهر وتتراجع مظاهر الرحمة، وفي ظل هذا المناخ الوحشي تكثر صور الإنحراف بانواعه الجنسي والسلوكي والخلقي والإداري والسياسي والوظيفي والمهني، وفي الحقيقة هذا هو ثمن البناء الدكتاتوري التسلطي بنظامه القمعي على أفراد المجتمع والمؤسسات والعاملين في الخدمة بما فيها الخدمات الصحية.

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

506 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع