حكاية الطّرشي وأشهر ملوكها

                                                   

               الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
                     أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

   

حكاية الطّرشي وأشهر ملوكها

لشهر رمضان الفضيل خصوصيات خاصة في معظم فعالياته اليومية: من صوم وصلاة تراويح ولعبة المحيبس.. كما تتميز المائدة الرمضانية بخصوصيتها بأطعمتها المميزة فضلا عن المشروبات والحلويات الرمضانية.


وتُعد (الطّرشي) من الأطباق المُكمِّلة المهمة على مائدة الإفطار، والطّرشي عبارة عن خضراوات مُخللة بالخل ومكبوسة في أوعية خاصة لفترة من الزمن، فتكتسب طعما حامضيا له نكهته الخاصة.

وكلمة (طّرشي) كلمة فارسية تعني (ثمار مُملحة)، وبالعربية تسمى (الكَامَخُ) أو (المُخلل)؛ أي الثمار الموضوعة في الخل والملح حتى تخللها، وبالتركية تسمى (تورسو)، وفي الكردية (ترشى)، كما تُسمى باليونانية القديمة (تورسي). أما بالإنكليزية فتُسمى ((pickled وتعني (مُخلل- أي به خل). ويقال أن كلمة (طّرشي) جاءت من اسم البرميل الخشبي الذي كانت تُحفظ فيه الثمار المُملحة ويطلق عليه اسم (الطرش).

الطّرشي هي القاسم المشترك بين جميع الموائد الرمضانية، وهي الضيف الحاضر دائما خلال شهر الصوم، رغم تحذير الأطباء من أضرارها. وهي فاتحة للشهيَّة وسلطانة المائدة الرمضانية، ذكرت الفنانة (تحية كاريوكا) ماء الطّرشي في فيلم (شباب امرأة) وأسمته (ويسكي الصالحين).

كما ذكر العلّامة (أحمد أمين) الطّرشي في كتابه (قاموس التقاليد والعادات الشعبية)، وقال (ويكاد يكون في كل حيّ من أحياء القاهرة دكان أو معمل للطّرشي.. والفقراء يعيشون كثيرًا على الأكل منها).

تؤكد أغلب الروايات أنه قبل أكثر من خمسة آلاف عام كانت الطّرشي معروفة، وكشفت النقوش المتنوعة على آثار الفراعنة عن وجود قديم للمخللات عند الفراعنة المصريين.

وكان المصريون يقبلون على أكل الطّرشي كفاتح للشهية، بعد أن كان وسيلة جيدة لحفظ الخضروات والفواكه من التلف بعد نقعها في الخل أو الملح. وانتشرت الطّرشي بين جموع المصريين حتى أنه أصبح وجبة مستقلة كإدام مع الخبز، يقبل عليها الفقراء والعاملين البسطاء في مصر القديمة.

لقد راجت صناعة الطّرشي في العصر البطلمي في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد، وكانت الملكة كليوباترا (69-30 ق.م)، تدرج الطّرشي ضمن نظامها الغذائي، وكان هناك اعتقاد أن الطّرشي تساهم بشكل كبير في صحتها وجمالها الأسطوري، وهو ما دفع حبيبها يوليوس قيصر وغيره من الملوك الرومان لإصدار أوامر بإعطاء الطّرشي لقوات الجيش وإجبارهم على تناولها لاعتقادهم أنها تمنحهم القوة، وتزيد من عنفوانهم.

ويذكر المؤرخون أن الطّرشي لعبت دوراً مهماً في الحفاظ على صحة البحّارة الذين كانوا عرضة لمرض يسمى "الإسقربوط" وهو مرض كان يصيب البحارة والمستكشفين يؤدي لتساقط الأسنان ونزيف اللثة بسبب نقص الفيتامينات.

وكان البحّارة يعتمدون على الأغذية المجففة، وللتغلب على نقص فيتامين C في رحلة كرستوفر كولومبس (1451-1506م) خلال استكشاف أمريكا قام أمريكو فسبوتشي (1454-1512م) المسؤول عن المؤن، بتخزين كميات وافرة من الطّرشي الغنية بفيتامين C في سفن الرحلة، مما ساعد على منع انتشار الإسقربوط في تلك الرحلة التي عبرت الأطلسي، وتيمننا بذلك أخذت (أمريكا America) اسمها من تاجر الطّرشي (أمريكو (Amerigo الذى أصبح مستكشفا لها.

إن صناعة الطّرشي قديمة ومستمرة طوال العام، إلا أنها تنتعش مع الشهر الكريم، حيث الأنواع والأشكال المختلفة، والنكهات أيضا، فتجد الطّرشي المُدبس والطّرشي المُشطشط، والطّرشي العادي.

أما أشهر الفواكه والخضراوات التي تكون من ضمن عائلة الطّرشي فهي كثيرة منها الزيتون والخيار والترعوز واللهانة والقرنابيط والفلفل الحار والعادي والمحشي والجزر والطماطة والشلغم وتفاح الأرض وثوم العجم.

       

ملوك الطّرشي الموصلية:
يعطي الموصليون أهمية كبيرة للطعام ومكملاته على مدى أيام السنة، وفي شهر رمضان المبارك تكون هناك خصوصيات أكثر للموائد الرمضانية.

ومن الصناعات الغذائية التي اشتهر بها الموصليون صناعة الطّرشي، ولا تجد حي من أحياء الموصل إلا وبه محلات لبيع الطّرشي.

ومن أشهر الأسماء في عالم الطّرشي الموصلية الحاج طه المَلَكْ (1888-1958م)، والحاج شيت مؤسس (طّرشي الشفاء) في محلة النبي شيت، و(طّرشي السمّاك).

لقد كان (الحاج طه المَلَكْ) هو الاسم اللامع في عالم الطّرشي العراقية منذ تأسسه عام ١٩٢٨. وكان سعر الحُقَة (أكثر من 2كغم) في ثلاثينيات القرن الماضي 4آنات (الآنة=4فلوس). أي كان سعر الكيلو الواحد أقل من 8 فلوس، أما الآن فسعر الكيلو الواحد من الطّرشي 2500 دينار!

لقد كان محل (الحاج طه المَلَكْ) أحد رموز باب السراي بعد أن انتقل من محله القديم في نزلة العكيدات في باب الجديد في خمسينات القرن الماضي. أما بيته ومعمله فكان في محلة العكيدات، وكانت الطّرشي التي يصنعوها تتميز بمذاقها ونظافتها، وهي غذاء ودواء ويلقي الله فيها البركة. كما كانت الطّرشي التي ينتجها تُعلَّب بتنك وتصدَّر إلى بغداد ومدن أخرى.

لقد كنتُ في طفولتي أذهب إلى بيت (الحاج طه المَلَكْ) راكبا الدرَّاجة الهوائية، وكان حوش البيت كبير ومملوء ببراميل كبس الطّرشي بأنواعها المختلفة: قسم منها براميل خشبية وقسم آخر فخارية، والأسعار تعتمد على نوع إناء الكبس. وكانوا يملؤون سطلة كبيرة بخمسين فلسا.

كتب عن (الحاج طه المَلَكْ) المؤرخ الدكتور إبراهيم العلّاف وذكر أن اسمه (طه بن عبد الله بن خليل الحيالي)، وكان رجلا طيبا أقرب إلى الملَك لحسن أخلاقه وتدينه وطيبته ومحبة الناس له. وكان ذو عقلية تجارية مُتفتحة بحيث يعمل تخفيضات بالأسعار كل يوم اثنين وخميس.

لقد اشتهر طه المَلَكْ وذاع صيته في معظم مدن العراق وقد اشترك في معرض للإنتاج الزراعي والصناعي أقيم في الأربعينات وفاز بلقب "مَلِكْ الطّرشي". وقد ذكر لي أحد معاصريه أنه أهدى الملك فيصل الثاني نموذج من الطّرشي التي يصنعها، فأعجب بها الملك فيصل مؤكدا له أنه "مَلِكْ الطّرشي".

لقد عُرف (الحاج طه المَلَكْ) بتوجهاته الوطنية، وتبرعاته السخية. وكثيرا ما نشرتْ صحف الخمسينات ما كان يقوم به من أعمال خيرية. فقد تبرع في العام 1953 بدار يقع في شارع الفاروق القديم ليكون مقرا للميتم الإسلامي. وفي العام 1956 وزع على كل مريض من مرضى مستشفى الأمراض الصدرية 250 دينارا. وفي العام1958 وجه الدكتور عثمان أحمد رئيس صحة لواء الموصل (محافظة نينوى) كتابا أشار فيه إلى "أن الحاج طه المَلَكْ صاحب معمل الطّرشي هو إنسان سبق أن تبرع للفقراء والمرضى في المستشفى وآخرها تبرعه بمبلغ 400 دينار بمناسبة العيد للمستشفى الملكي (الجمهوري فيما بعد)".

وعلى الرغم من رحيل (الحاج طه المَلَكْ) عن عالمنا، إلا أن اسمه لا زال يتردد من خلال محل الطّرشي الذي يديره الآن أحفاده. كما أخذ هذا الاسم يتردد كثيرا في الفيديوهات للمنقبات النبوية التي تُسجلها (فرقة ملا عثمان الموصلي) في دار طه المَلَكْ.

https://www.facebook.com/watch/?v=158883048877670

وفي الستينيات وما بعدها لمع اسم (طرشي الشفاء) الذي أسسه الحاج شيت خضر البدراني المتوفى سنة 1988 في محلة النبي شيت وبجوار جامع النبي شيت. وبعد وفاة الحاج شيت البدراني قام أولاده بإدارته، حيث قاموا بفتح محلين كبيرين متجاورين في نفس موضع محل الأب القديم، وتعد الآن (طرشي الشفاء) الاسم اللامع في عالم الطّرشي الموصلية.


كما ظهر اسم آخر في عالم الطّرشي الموصلية هو (الطّرشي السمّاك) الذي انطلق من قلب الموصل في (باب الطوب) وتأسس عام 1972 وله فروع عديدة في مختلف أحياء المدينة. كما توجد محلات لعمل وبيع الطّرشي الموصلية في محافظات عراقية أخرى وكذلك في خارج العراق، منها (طّرشي الموصلي) في إسطنبول.
https://www.youtube.com/watch?v=zNx3hhhDjNw

   

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

501 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع