
د. عصام البرّام
سرد ما قل ودل .. الكتابة المستقبلية للرواية العالمية
شكلت الحياة اليوم بتطورها المتنوع بين العلوم الطبيعية والانسانية وكل المجالات الأخرى، انعطافاً قاد بتأثيره الواضح على مفردات الحياة بكل تفاصيلها، ومنها على الادباء والكتّاب وبالتالي على الأدب والكتابة بعدة عوامل، تقف على مقدمة هذه العوامل، بما في ذلك التطورات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية، فإذا كانت الحياة تتسارع وتتغير بسرعة، قد يكون هناك اتجاه نحو تقديم النصوص الأدبية بشكل أكثر تكثيفًا أو تخصيصًا للوقت، وعلى سبيل المثال، القصة الومضة قد تصبح شكلًا أكثر شيوعًا في المرحلة القادمة، لأنها تسمح بتقديم قصص مكثفة وقوية في وقت قصير، كذلك الحال بالنسبة للرواية القصيرة.
ومع تطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا واتساع منصات التواصل الاجتماعي بكل انواعها، يمكن أن يكون لهذا تأثير على طريقة تقديم القصص الومضة والروايات القصيرة، وحتى قصيدة الومضة والهايكو العربي، وقد يكون هناك اهتمام أكبر بالنصوص القصيرة والمختصرة التي يمكن قراءتها بسرعة عبر وسائل الإعلام الرقمية، أو وانت في رحلة نقل الى مدينة اخرى.
مع ذلك، يجب ملاحظة أن هناك مكانًا لكل من الرواية القصيرة والقصة الومضة والأشكال الأدبية الأخرى لتي اشرنا اليها، حيث يعتمد اختيار الكتّاب والأدباء على أسلوبهم الفني والرؤية التي يرغبون في التعبير عنها، وقد يكون هناك اتجاه نحو التنوع واستخدام مختلف الأشكال الأدبية، لإستيعاب متنوع من الجمهور والتعبير عن تجارب متعددة في الكتابة.
وعلى العموم، فان الاتجاه الأدبي السائد يعكس تفاعلًا بين مختلف العوامل الاجتماعية والثقافية والتقنية، وقد يكون متغيرًا مع مرور الزمن بحكم تطور وسرعة ايقاع الحياة.
لا يمكن القول بوضوح مطلق إنه الآن هو عصر الرواية أو القصة القصيرة، حيث يمكن أن يكون هذا مرتبطًا بالاتجاهات الأدبية الحالية، وتفضيلات القرّاء والكتّاب في فترة زمنية معينة، وقد يشهد الوقت تفضيلًا للروايات القصيرة أو القصص الومضة او نص قصيدة الومضة أو الهايكو العربي المكثف بناءً على مجموعة متنوعة من العوامل، مثل الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية.
لذا فأن اتجاه البعض نحو تقليل أو تكثيف النصوص الروائية والقصصية والشعرية الطويلة والتحول الى الرواية القصيرة والقصة الومضة ناجمًا عن عدة عوامل
الفرضية الاولى والسؤال الاول/ لماذا يتجه القاريء الى النصوص القصيرة .. رواية قصيرة قصة قصيرة الومضة أو شعر الومضة
1/ تطور وتسرّع الحياة: مع تقدم التكنولوجيا وزيادة الاكتشافات ووسائل الاتصال مع وفرت المعلومات، أصبحت الحياة أسرع وأكثر اندفاعًا، قد يجد القرّاء صعوبة في الالتزام بأعمال طويلة، وبالتالي قد يتجهون نحو الأعمال الأقصر والأكثر تركيزًا أو تكثيفاً.
ففي عصرنا الحالي، يعيش الناس حياة سريعة ومليئة بالمعلومات والتحولات التكنولوجية السريعة. هذا قد يؤثر في انخراطهم في القراءة، حيث قد يكون لديهم وقت أقل للاستمتاع بنصوص طويلة. لذا، يمكن أن يكون هناك توجه نحو النصوص الأقصر والأكثر ملاءمة لأسلوب حياتهم.
2/ انتشار وسائل التواصل الاجتماعي: يمكن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي قد أثرت على طريقة تفاعل الناس مع النصوص الطويلة، لذا تجدهم يتجهون نحو القصص الاكثر قصيراً أوالنصوص المختصرة، فقد تكون أكثر تناسبًا مع تلك الوسائل التي تحدّ من طول الانتباه.
سرعة التوصل إلى القصة: قد يجذب شغف القراء المعاصرين نحو الروايات القصيرة التي تقدم قصصًا مليئة بالتشويق والإثارة في فترة زمنية أقصر، وهذا يناسب أسلوب الحياة السريع الذي يعيشه الكثيرون في عالمنا اليوم.
3/ التغيرات في العادات القرائية: مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، قد يزداد انتشار الرواية القصيرة والقصص الومضة التي يمكن قراءتها بسرعة ومشاركتها بسهولة عبر الإنترنت.
4/ قصر الانتباه: في ظل تزايد التشتت والانشغال بالمهام اليومية وتعقيداتها، قد يكون من الصعب على البعض الالتزام بقراءة رواية طويلة، فالرواية القصيرة قد تكون خيارًا جيدًا لمن يبحثون عن تجربة قراءة ممتعة ومكملة في وقت قصير، كذلك الذين لا يهون الجلوس للقراءة لفترة طويلة. .
5/اختصاراً للوقت: وقد يكون لدى القرّاء والمستهلكين وقت محدود للاستمتاع بالقراءة، مما يجعل النصوص القصيرة أكثر جاذبية لهم.
الفرضية الثانية والسؤال الثاني / حول لماذا يحاول الأدباء والكتاب تقليل أو تكثيف النصوص الروائية والقصصية والشعرية، هناك عدة عوامل قد تلعب دورًا في ذلك:
1/ تطور الأسلوب الأدبي: مع تطور الأساليب الأدبية، قد يكون هناك اهتمام أكبر بالتجريب والتجديد في الكتابة، فقد يحاول الكتّاب تقديم قصص مفعمة بالمعاني والمشاعر في نصوص أقصر، تتوزع بين الرواية القصيرة أو القصة القصيرة والومضة وغيرها من اساليب ابداعية جديدة. وقد يتجه البعض نحو القصص القصيرة أو النصوص المختصرة لأنها تمكّنهم من التعبير عن أفكارهم بشكل سريع ومباشر، وتسمح لهم بالتفاعل مع الأحداث والقضايا الحالية.
2/ التجديد والتنوع: يمكن للرواية القصيرة تقديم تجارب قراءة متنوعة ومبتكرة بشكل أسرع من الرواية الطويلة، حيث يمكن للكتّاب التعبير عن أفكارهم وقصصهم بأساليب متعددة دون الالتزام بتطوير قصة لفترة طويلة.
3/ الأذواق الثقافية والتطورات الاجتماعية: قد تؤثر التغيرات في الأذواق الثقافية والقيم الاجتماعية على انتشار نوع معين من الكتابة. على سبيل المثال، في بعض الأحيان، يمكن أن تلامس الرواية القصيرة مواضيع اجتماعية حالية وراهنة ومثيرة للاهتمام بشكل أسرع وأكثر فعالية.
4/ التجديد والإبداع: بعض الكتّاب يسعون إلى تقديم شكل جديد من الأدب أو إلى التجديد في الاساليب والأشكال القائمة، وقد يكون ذلك عبر تقليل النص أو تكثيفه.
5/ التحدي الفني: قد يشعر الكتّاب برغبة في تحدي أنفسهم من خلال تقديم أفكارهم بشكل مبتكر ومختصر، وهذا يمكن أن يؤدي إلى استخدام الأشكال الأدبية القصيرة. ليس من السهل كتابة نص جيد وقصير في آن واحد. قد يرغب الكتّاب والأدباء في تحدي أنفسهم عن طريق تقديم رسالة أو قصة مؤثرة في نص قصير، وهذا يتطلب مهارات فنية عالية.
6/ تغيير اهتمامات القرّاء: قد تتغير اهتمامات القرّاء مع مرور الزمن، مما يؤدي إلى بحث الاديب والكاتب عن نصوص تتناسب مع انشغالات القراء واهتماماتهم في الزمن والمرحلة التي يعيشونها.
7/ الانتقالية وسهولة الوصول: مع انتشار منصات النشر عبر الإنترنت، أصبح من الممكن نشر نصوص قصيرة بشكل أسرع وأسهل، مما قد يشجع على الكتابة في الأشكال الأدبية القصيرة
أن هذه الأسباب قد تكون جزءًا من الصورة، ولا يمكن التعميم بشكل كامل على الحالة الأدبية في كلّ مكان. فالأدب هو مجال ديناميكي يتأثر بالعديد من العوامل، ولذلك قد يظل توازنًا ما بين الأعمال الطويلة والقصيرة حسب الظروف والتطورات المستقبلية.
إذ لا يمكن تحديد فترة زمنية محددة لعصر الرواية القصيرة أو القصة القصيرة بشكل مطلق، حيث يمر الأدب بمراحل وتطورات مختلفة على مر العصور. عادةً ما يتأثر الأدب بالتغيرات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية.
قد يبدو أنه في بعض الفترات يكون هناك اهتمام أكبر بالرواية، في حين يمكن أن تكون القصة القصيرة هي المشهد الرئيسي في فترات أخرى. يعتمد ذلك على عدة عوامل مثل
1/ تفضيلات الجمهور 2 / الاتجاهات الأدبية 3/ والتطورات الثقافية.
بشكل عام، يمكن اعتبار تقليل أو تكثيف النصوص ردًّا على التحولات الثقافية والاجتماعية والتكنولوجية التي نمر بها في العصر الحالي، مما يجعل الأدباء يبحثون عن وسائل جديدة للتواصل مع القراء ولفت انتباههم
لا يمكن التنبؤ بدقة مطلقة بتطورات عالم الكتابة والأدب وسوق القراءة، يمكن أن يختلف من مكان إلى آخر ومن زمن إلى آخر، على الرغم من ذلك، هناك بعض العوامل التي يمكن أن تؤثر على شعبية الرواية القصيرة مقارنة بالرواية الطويلة
بشكل عام، قد يكون للرواية القصيرة دور متزايد في عالم الكتابة والأدب، وقد يكون لديها جمهور مختلف ومتنوع. ومع ذلك، لا يزال من المهم أن نلاحظ أن الرواية الطويلة لها قيمتها الخاصة ولها جمهورها الذي يقدر عمق السرد وتطور الشخصيات على مدى فترة زمنية أطول.

1362 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع