الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - بداية نهاية الهلال الإيراني العليل

بداية نهاية الهلال الإيراني العليل

                              

                      إبراهيم الزبيدي

في 2004 جن جنون إيران وطوابيرها العربية الخامسة على الملك عبد الله الثاني حين عبر عن تخوفه من وصول حكومة عراقية موالية لإيران إلى السلطة في بغداد تسيرها العصا الإيرانية لتحقيق حلمها في إنشاء هلال شيعي عدواني يمتد إلى لبنان عبر سوريا فيخل بالتوازن القائم في المنطقة.
ولو عدنا إلى آرشيف صحافة تلك الأيام لوجدنا فيها طوفانا من مقالات وتصريحات تندد بالتصريح، وتتهم صاحبه، صراحة، بالطائفية، وبتفريق الصفوف.

ثم جاءت الأحداث المتلاحقة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، بشكل خاص، فاصبحنا نجد قادة إيرانيين كبارا جدا يفاخرون بذلك الهلال، ويبشرون به، ويعلنون التمسك به، والعمل على توسيعه وترسيخه. ولكنهم يغفلون عن المخاطر والعوائق العربية والإقليمية والدولية التي لابد أن تنهض فتصيب ذلك الهلاتل بالتكسرات والتراجعات وتصيبهم بالخيبة والخذلان، أسوة بجميع الهلالات الطائفية والعنصرية التي لا يناسب وجودها زمن العولمة والتقدم الحضاري السريع.
أحدهم قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري الذي أعلن أن "تدخلات إيران في اليمن وسوريا تأتي في إطار توسيع خارطة الهلال الشيعي في المنطقة".
وفي هذا الوقت بالذات، والهلال يتلقى أقسى الضربات والهزائم والإخفاقات المذلة في اليمن وسوريا والعراق ولبنان، ليس منتظرا أن يعترف قادة النظام الإيراني بالهزائم تلك، فيحبطوا أتباعهم ووكلاءهم العراقيين والسوريين واللبنانيين والحوثيين، ويشفوا غليل خصومهم الكثيرين، ولكن كان عليهم، فقط، أن يكفوا عن التبجح بالانتصارات، وهم قبل غيرهم يعرفون ماذا يجري على الأرض على جميع الجبهات.
وتصريحات نارية من هذا النوع تضر بإيران ولا تنفعها، لعدة اعتبارات:
أولها لأنها تعطي انطباعا بأن النظام الإيراني كله، من رأسه إلى أساسه، مصاب بهذيان الحمى، أو بعدم نضوج، وبجهل في السياسة. لأنه، وفي هذه الأيام العصيبة بالذات، أحوج ما يكون إلى (التقية) لتهدأة خواطر الخصوم، ولكسب مزيد الوقت لالتقاط الأنفاس وتخفيف خسائر المآزق المتلاحقة التي تحاصره في الخارج، وفي الداخل، أيضا.
وثانيها أن هذا الخطاب المتكبر المبني على الأوهام يُذكر الناس كثيرا بلغة محمد سعيد الصحاف الثورية النارية في أواخر أيام النظام، حين كان يخطب في ساحة الفردوس، وهو باللباس العسكري، مبشرا بانتصارات دامية للحرس الجمهوري على (علوج) الاحتلال الأمريكي، وكاميراتُ تلفزيونات العالم تنقل للملايين من مشاهديها صور الدبابات الأمريكية وهي تتدفق على مطار صدام وعلى جسور الأحرار والجمهورية والشهداء، وهو لا يدري، الأمر الذي جعله مضرب مثل في المكابرة والعمى السياسي والغرور.
وثالثها أن تصريحاتٍ من هذا النوع تفضح حقيقة أحلام النظام الإيراني وطموحه ومخططاته، وتكشف عن تصميمه على مواصلة سياسة التحدي والمكاسرة والتدخل في شؤون الدول الأخرى. وتثبت أن دعاوى المقاومة والممانعة ومحاربة الاستكبار و(الموت لأمريكا) وتدمير إسرائيل ليست سوى أقنعة شمعية مائعة لا تخدع غير أصحابها.  
ورابعها أنها توقظ في المواطن (الشيعي) العربي نباهته ووعيه، وتجعله يكتشف أن غلاة القوميين الفرس يستخدمون الخطاب المذهبي الشيعي لاستغفاله واستغلاله وتوظيفه لخدمة مشاريع الهيمنة الإيرانية القومية الفارسية على بلاده وأهله، حتى لو أدى ذلك إلى التضحية بآلاف الشهداء والجرحى والمعوقين والمفقودين من أبناء الطائفة الشيعية العربية، قبل غيرها، وقطع أرزاقهم، وإنهاء وجودهم في الدول التي فتحت لهم خزائنها، وجعلت من كثيرين منهم أثرياء وقادة وزعماء.
وخامسها أن تصريحات من هذا النوع تثبت أن النظام الحاكم في إيران يغزو وغيرُه عائد من غزو. فهو يصر على أن يتوسع، عسكريا، في زمن لم يعد مناسبا للتوسع في بالد الغير بالبطش والقتل والحرق وتهديم القرى والمدن، وحرق المزارع، وتسميم الأنهار، وتهديد سلامة موانئها ومطاراتها الآمنة.
فنحن اليوم في زمن أجبر دولا كبرى مؤهلة وقادرة على الغزو والاحتلال على ترك مستعمراتها، وإعادة جنودها إلى منازلهم سالمين، واستبدال الاحتلال العسكري ذي الثمن الباهض، ماليا وسياسيا وبشريا، باحتلال آخر أنعم، ومغلف بالرغبة في التعايش السلمي واحترام إرادة الشعوب، ولكنه أشد قوة، وأكثر حنكة، وأنفع، وأقل كلفة. وهاهي اليوم تتسابق فيما بينها على بيع مستعمراتها القديمة أطنانا من القمح والشعير والدواء، مع المدافع والصواريخ والأقمار الصناعية والهواتف الذكية وغوفل وياهو ومايكروسوفت وغيرها.
أمريكا تركت العراق يغلي، وخرجت من بابه بأقل الخسائر، لكنها تعود إليه اليوم من شبابيكه العديدة بثياب المحسن المتعاون الخائف على مصالح العراقيين والراغب في تحرير أرضهم من داعش ومن المفخخات والحرائق والاعتصامات، ولا تبخل عليهم بالطائرات والدبابات والموفدين العسكريين المتخصصين في التدريب والتأهيل، حماية القصور.
وهاهم قادة محافظات العراق السنية الذي قتلوا بالأمس مئاتٍ من جنود الغازي الأمريكي، باسم مقاومة الاحتلال، وبذريعة الدفاع عن الشرف الرفيع الذي أمرهم الله ورسوله بأن يُراق على جوانبه الدمُ، أصبحوا اليوم يتقاطرون على واشنطن، زرافات ووحدانا، ويُقبلون أذيال بنطلون جو بايدن، طالبين منه سلاحا ومالا ومودة، ويعرضون عليه استعدادهم للتعاون معه على فصل محافظاتهم عن جمهورية نوري المالكي وابراهيم الجعفري وهادي العامري وقيس الخزعلي وقاسم سليماني.
وقبل ذلك أيضا خرجت أمريكا العظيمة تجرجر أذيالها من أفغانستان، وقبلها من فيتنام، وقبل قبلها من اليابان ومن كوريا ومن كل مستعمراتها السابقة. وهاهي، بكل جبروتها، تتحالف مع عدوتها الصين، وترمي برؤوس أموال أثريائها فيها وفي فيتنام وأندونيسيا وكمبوديا وماليزيا وكوريا، وتبيعها ماكدونالد وبرغركنغ وبيزا هوت وأفلاما حربية تمجد بطولات جنودها وهم يقتلون الجنود اليابانيين والفيتناميين ويحرقون مزارع الفلاحين في الصين.
وقبل ذلك بزمن طويل تخلت بريطانيا العظمى عن الهند، جوهرة تاجها، ورضيت بأن تتحول هي ذاتها إلى مستعمرة هندية من نوع مبتكر وجديد مثمر ومفيد.
وقبل هذا وذاك ركب نابليون بونابرت سفيته عائدا إلى بلاده، تاركا وراءه ذِكرا لا يمحى، وما زال المصريون إلى اليوم، يحترمونه ويمتدحونه على ما تركه عندهم من بذور الحضارة والمدنية والمعاصرة في الآداب والعلوم والفنون.
هذه دول عظمى، بحق وحقيق، ولكنها أدركت أن الزمن يتغير، وأن الغزو العسكري لم يعد هو المركبَ الآمن لاستعمار الشعوب، بل إن التعاون الاقتصادي، والتكامل الثقافي، والتناغم والتفاهم والتبادل المصلحي، أجدى وأنفع لمصانعها ومزارعها وخبرائها وعلمائها، وأكثر أمنا وسلاما لحاضرها وأجيالها القادمة.
وأمامنا شعوب أوربية غربية قاتل بعضُها بعضا قرونا عديدة دامية عادت لتؤمن بأن العداوة لا تدوم،وأن المودة هي الباقية والنافعة، بكل مقاييس العقل والضمير.
وقد علَّمنا التاريخ أن جميع الامبراطوريات الكارتونية التي لا يتحمل اقتصادها عبء مصاريف مستعمراتها ومليشياتها المرتزقة، والتي تتذلل وتتوسل الدولَ الكافرة الاستكبارية  من أجل إعادة (بضعةٍ) من أموالها المحتجزة لديها مقابل التخلي عن أعظم أحلامها القومية المقدسة، لابد أن تهوي سريعا، وأن تعود إلى أرضها مهزومة ذليلة، بعد أن بعثرت أموال شعوبها، وأرسلت آلاف أبناءها إلى الموت، دون جدوى ولا فائدة.
إنهم، وهم يتلقون أخبار الهزائم المتلاحقة في اليمن وسوريا ولبنان والعراق، ما زالوا يمطرون شعوبهم وشعوب غبيرهم بتصريحاتهم  العنترية فيستنفرون أعداءهم، وهم كثيرون وقادرون، ويدفعون بهم إلى  تجييش جيوشهم، وتوحيدها لكسر ذلك الهلال الذي لن يدوم.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

460 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع