
سرور ميرزا محمود.
"ما احلى الاعياد في الامارات ومنها عيد الفطر كما رأيناها تعايشنا معها"
حين يجذبني القلب الى الحنين للوطن والاهل والاحباب، اشعر كطائر يفتش عن عشه، انه عشق لا ينتهي، لأنه يحمل ذكريات السنين والايام الخوالي، التي عشناها بسعادتها واحزانها، و لطقوس المناسبات والاعياد نصيب من هذه الذكريات، فالعراقيين على مدى التاريخ يحتفلون بالأعياد الدينية والوطنية والموسمية ومناسبات الزواج والختان، وكل عيد له تقاليده وعاداته التي ترافق العراقيون في محطات ترحالهم. وطالما ونحن نستقبل عيد الفطر "العيد الصغير" ونحن نعيش في الامارات فهي مناسبة تجمعنا مع أولادنا وتعيد الينا أجواء الوطن بمزيج من الحنين والامل.
يتميز عيد الفطر في الأمارات بعاداته الموروثة وتقاليده المعروفة الذي يجلب معه الخير والرحمة وألأمن النفسي وخصوصا للمغتربين.
يحتفل الاماراتيون بالعيد كونه مناسبة دينية واجتماعية تعكس معاني العبادة والسعادة والتواصل والتكافل الاجتماعي، حيث تبدأ مظاهره أواخر أيام رمضان بشراء الملابس الجديدة وتحضير الأكلات الشعبية والحلويات الخاصة بالعيد، حيث تستعد الفتيات والسيدات في الماضي وحد الان لنقش أيديهن بالحناء الحمراء بفنون وأشكال ورسوم عجيبة وألوان مختلفة، وتقوم النساء بتنظيف البيت وتعطيره بماء الزهر والبخور، مع تزيينه لاستقبال الضيوف، كما تقوم الأجهزة المحلية بتنظيف المساجد وتزدان الشوارع بالأعلام واللوحات الضوئية التي تكتب عليها عبارات معايدة مثل (عساكم من عواده) أو (مبارك عليكم العيد)، وفي صباح العيد يؤدي الاماراتيون واولادهم وهم يرتدون ملابسهم الجديدة قبل صدقات الفطر صلاة العيد، ولا توجد في تقاليدهم زيارة المقابر كما هو الحال مع العراقيين والمصريين والسوريين، ثم تبادل التهاني والتبريكات في المساجد، والتنقل الى البيوت أو المجالس العامة أو في منازل شخصيات بارزة لتبادل التهاني وتناول وجبات العيد الشعبية مثل الهريس، أو الحلوى، واحتساء القهوة العربية وأنواع مختلفة من التمور، وعلى مائدة الغداء أول يوم العيد يجتمع الأهل والأقارب والأصدقاء على وليمة سمك، أو لحم ومرق، أو مجبوس، وثريد، أو برياني، وفي صباح اليوم الأول من العيد يحرص الإباء على تقديم العيدية لأولادهم وهي من العادات التي تقوي الروابط الاجتماعية، وغالباً ما تكون مبالغ نقدية يعطيها الأب أو الأخ أو الأخت أو الجدة للأبناء والأحفاد، ويجب أن تكون العيدية جديدة ولم يسبق تداولها، وفي الماضي كانت العيدية عبارة عن قطعة نقود معدنية، يرتدي الأطفال ملابسهم الجديدة، وبعد العودة من صلاة العيد، يطوفون على بيوت الحي لجمع العيدية من الأقارب.
يحظى الصغار بالذهاب إلى الحدائق وساحة العيد للعب وركوب "المراجيح" ويشاركون بالتسابق وتناول الأنواع المختلفة من المأكولات مثل البيض الملون، وفي الوقت الحاضر اختفت ساحات العيد واخذ الأولاد بالذهاب الى المراكز التجارية المولات وهناك يمارسون شتى أنواع اللعب، وفي المساء تتحول سماء الإمارات في العيد إلى " قوس قزح " بألوان الألعاب النارية التي تزينها وتنال أعجاب الجميع خاصة الذين يرغبون في الاحتفال وسط أجواء صاخبة، وفي الشارقة التي نسكن فيها، تشهد واجهة المجاز المائية، إقبالاً كبيراً من العائلات والأفراد خلال عيد الفطر، لمشاهدة الألعاب النارية والعروض الموسيقية لنافورة الشارقة، والاستمتاع بمختلف الألعاب والخدمات المتوافرة هناك.
اعتاد العراقيون في الخارج بالاحتفال بعيد الفطر، حيث تبقى العادات والتقاليد العراقية وبشكل أساسي العلاقات الاجتماعية، حيث تعد الاسرة هي قلب الحياة الاجتماعية فيه، والتي تعكس روح التضامن والتواصل بين أبناء الوطن الواحد، في الأسبوع الأخير من شهر الصيام، تقصد العائلات العراقية أسواق الألبسة، فلاعيدَ من دون لباس الجديد وبخاصة لدى الأطفال؛ الآباء يتهافتون على اقتناء ملابس العيد لأبنائهم، فبهجة يوم العيد وفرحته لا تكتملان إلا ببهجة الأطفال وسعادتهم.
اعتادت العوائل العراقية في الغربة ان تكون الكليجة، ضيفة في كل عيد، وقلما تخلو بيوتهم منها، حيث تبدأ طقوس اعداد الكليجة قبل نهاية رمضان بيوم او يومين من قبل النساء حيث تعد العجينة يخلط فيها الطحين بالدهن والهيل، تصنع الكليجة وتفرش ثم يتم حشو أجزائها الصغيرة بالتمر أو السكر والسمسم والمكسرات ثم وضعها في الفرن الكهربائي للشواء داخل الشقة، كما يمكن الحصول عليها من الأسواق العراقية وهنا في الامارات أسواق الرباط وقصر الحمرا او طلبها من بعض عناوين النساء الذين يجيدون صناعة الكليجة، وبذلك تكون جاهزة للتقديم والأكل في أول أيامه، ويتم تقديمها مع الشاي المهيل إلى الضيوف، وهناك مثل لا طعم للعيد ولا الكليجة دون اجتماع العائلة والاحبة.
ومع أولى نَسمات صباح العيد، تتعالى الأصوات من مختلف المساجد، تكبيراً وتهليلاً وحمداً للَّه، في جو روحاني لا مثيل له في الأيام العادية، ويصطحب العراقيون اولادهم ومعهم المقيمون من مختلف الجنسيات ليشاركوا اهل الامارات في هذه المناسبة الدينية المميزة. فتنعم هذه المساجد والساحات الملاصقة لها بالحياة والحضور الكثيف لأداء صلاة العيد في أجواء مفعمة بالفرحة والروحانية، و التي تمثل اللحظة الأهم في بداية اليوم المبارك، على أن يقوموا بعدها بتبادل التهنئة فى المسجد، وفرحة العيد لا تكتمل إلا بالاجتماع حول مائدة الإفطار الصباحي الذي غالبا يشمل على (الكاهي والقيمر) حيث يُعتبر إحدى الأكلات العراقية المشهورة التي اعتادتها الأسر العراقية كوجبة إفطار رئيسية أيام الأعياد ، مع الشاي المهيل.
يتم التواصل مع الأهل والأقارب والتحدث معهم وتهنئتهم بالعيد من خلال وسائل الاتصال بالفيديو ومشاركتهم أجواء العيد والحرص على مواصلتهم من خلال الهاتف، ان وسائل الاتصال الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي على الفيس بوك وتويتر، فضلا عن اتصالات الجوال والرسائل القصيرة نجحت في تقريب المسافات الى حد ما، وساهمت الى حد كبير في تقليل الاحساس بالاغتراب.
العيد موعدًا ينتظره الأطفال والأولاد بشغفٍ وحماسة، فهو يوم يرتدون فيه الملابس الجديدة، ويتلقّون العيديات، ويقضون أوقاتهم في المولات حيث الألعاب التي تستهويهم، وعادة الذهاب الى السينما، قد تغيّرت، فأصبحت الألعاب الإلكترونية والتسلية عبر الهواتف الذكية والايباد واليوتيوب والاتاري بدلا من السينما، تذكرت طفولتي وكيف كانت المراجيح والسينما من أولويات بهجتنا وسعادتنا، كما تذكرت النشيد الذي كنا ننشده في العيد سواء العيد الصغير او العيد الكبير :
خرجت يوم العيد.... في ملبسي الجديد
أقول للإخوان... هيا الى الدكان
فيومنا سعيد... وعندنا نقود
العب طول اليوم.... الى زمان النوم
انا احب العيدا... احب ان يعودا
فكله جمال.... يحبه الاطفال.
تستقطب المطاعم العراقية والمرافق الترفيهية بكافة تصنيفاتها الشعبية منها والسياحية المواطنين من أول أيام العيد وحتى نهايته، حيث تفضل كثير من الأسر العراقية تناول وجبات الغداء شعورا بالألفة والترابط، وقضاء السهرات لمشاهدة عروض الألعاب النارية التي تزين سماء دبي وأبوظبي والشارقة .
في سياق اظهار الفرح والسرور وتبادل التهاني ولتعزيز الروابط الاجتماعية يجتمع الرجال والشباب في المقهى، لتناول القهوة اوالمشروبات الباردة والحلويات اللذيذة، مع النركيلة.
قد تختلف بعض العادات من بلد لآخر الا ان فرحة العيد واحدة، يبقى العيد ضيفا جميلا يدخل البهجة والسرور وينشر الفرح بين كل أفراد المجتمع ولا تنصرف ايامه الا بعد ان توسم الروابط العائلية بحلو الذكريات وامتع اللحظات التي تعلق بالوجدانن، وكل عام وانتم بخير، ومن الله التوفيق.
سرور ميرزا محمود.

928 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع