الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - منبع الحضارات القديمة

منبع الحضارات القديمة

                                          

                       حامد خيري الحيدر
 لعل أول ما يلاحظه المهتم والمتابع والدارس للتاريخ القديم، أو الراغب بمعرفة شيء ما عن الحضارات القديمة،

أن معظم المصادر التي تقع في متناوله مباشرة ودون عناء كبير وعلى أختلاف أنواعها، من كتب ونشرات مختلفة وكتابات متنوعة على شبكة المعلومات العنكبوتية (الأنترنيت) تتناول حضارة وادي النيل، وبشكل غزير يفوق كثيراً ما هو متوفر من تلك المصادر التي تتطرق أو تلقي الضوء على الحضارات الأنسانية القديمة الأخرى السابقة أو المعاصرة لمصر القديمة. وعلى رأسها طبعاً حضارة وادي الرافدين، وكذلك حضارات وادي السند في بلاد الهند، والنهر الأصفر في الصين، بل وتفوق حتى ما هو متوفر من كتابات عن بلادي اليونان والرومان اللواتي ينظر اليهن الأوربيون على أنهما تمثلان خلفيتهم وعمقهم التاريخي. كما أن ما يلفت النظر أضافة لهذه الوفرة من المصادر، هي تلك الهالة الاعلامية الغريبة الشديدة المبالغة التي احيطت بأرض النيل، والتي استطاعت على مر الزمن من جذب الكثير من اهتمام الناس والقراء والمثقفين. ومن خلالها أيضاً أوحت لدى معظم هؤلاء وتحديداً غير المختصين في هذا المضمار بأن حضارة وادي النيل هي أقدم الحضارات القديمة وأعظمها بل هي أصلها ومنبعها. لكن الأكثر غرابة وخطراً أن أخذت تنتشر حول هذه الحضارة الكثير من المعلومات والأفكار الخاطئة البعيدة عن المنطق والتفكير العلمي الرصين، وبمختلف المسميات والعبارات مثل (الحضارة التي ولدت مكتملة غير منقوصة)، (الحضارة التي نزلت من الفضاء لتقيم الحياة في الأرض)،  (الحضارة التي لن يرى التاريخ مثلها)... وغيرها الكثير من الأفكار الغريبة التي لاتمت للفكر العلمي السليم بصلة أو تستند الى أسانيد تاريخية راسخة. وكل ما احتوت جعبة مطلقي هذه الادعاءات من أدلة وبراهين يعتمدون عليها في أختلاق تلك الأفكار هو ضخامة الأبنية التي خلفتها تلك الحضارة ومتانتها التي استطاعت قهر الزمن لتصل الى وقتنا الحاضر بكامل هيبتها تقريباً، وطبعاً الأهرامات على رأسها، كذلك العديد من المنحوتات الفخمة والفنون الجميلة الأخرى، يضاف اليها بعض التقنيات العلمية التي لم يجد لها العلم الحديث تفسيراً حتى اليوم...
 
ولإعطاء الرأي بشأن ذلك وتوضيح الحقيقة فيه، لابد من التنويه أنه لا يستطيع أي أنسان أن يتنكر لعِظم الأنجازات الحضارية التي توصلت اليها حضارة وادي النيل وخاصة في مجالي العمارة والعلوم الأخرى وفضلها الكبير على تقدم المسيرة الانسانية..  لكن السؤال هنا، هل أن ضخامة العمارة والبُنيان وتطور تلك العلوم (المدعومان بهالة أعلامية كبيرة تفتقر لها للأسف بقية المجتمعات الأخرى) هما العامل الأساسي للحكم على مدى رقي تلك الحضارة وتفوقها على بقية حضارات العالم الأخرى؟ فلو كان ذلك هو المعيار لأمكننا القول أن بعض بلدان الشرق التي نمت فقط خلال العقود الثلاث الأخيرة وشهدت نهضة عمرانية كبيرة، هما أعظم حضارات العصر الحديث دون منازع، وهذا طبعاً بعيد كل البعد عن الواقع العلمي الصحيح. أن وجهة النظر الحديثة لتطور ونضوج الحضارات التي أعتمدها المؤرخون منذ خمسينات القرن المنصرم، خاصة بعد أعلان المؤرخ البريطاني الشهير (آرنولد توينبي) 1889_1975 لنظريته حول نشأة الحضارات والمجتمعات القديمة وتصنيفها، قد أعتمدت أبعاد ومفاهيم ومعايير علمية جديدة لتقييم مستوى حضارات العالم، أولها وأهمها والأساس الذي تبني علية طبيعة الأوجه الحضارية  هو المستوى الفكري والعقلي الخلاق لعموم المجتمع، الذي يجب أن يتماشى مع الواقعية الأجتماعية للأنسان وتلبية حاجاته الآنية، ومتطلبات حياته العامة بعيداً عن (الفنطازية) الجوفاء التي يكون ديدنها وكل غايتها تمجيد أنسان واحد هو (الحاكم) الذي يجب أن يسير عموم المجتمع في فلكه، ومن ثم مدى تأثير ذلك التطور على الحضارات الأخرى المعاصرة والتالية وكيفية تلقيها له، ليثبت أن البنيان الحضاري ما هو ألا انعكاس للتفكير الفلسفي للمجتمع..... وبهذا الجانب تحديداً لو أننا أجرينا مقارنة بسيطة بين كلاً من حضارتي وادي النيل ووادي الرافدين لنجد أن البون أكثر من شاسع مانحاً التفوق الواضح للحضارة الرافدية بذلك.. وهذا ما نستدل عليه من دراسة أدبيات المجتمع العراقي القديم التي تعكس الوجه الفكري الحقيقي لشعب الرافدين.... أن أول تلك الأفكار الراقية والسابقة لعصرها بأشواط، هي الرفض الواضح والصريح من قبل المجتمع العراقي لمنح الألوهية والخلود لأي أنسان حتى وأن كان حاكماً، (الذي يبدوا ذلك واضحاً في حضارة النهر المقلوب). وأعتماداً على هذا المبدأ فقد جُبل الشعب الرافدي منذ بواكير نشأته ليكون ثورياً بطبعه رافضاً كل مفاهيم الغبن والأستغلال التي تهدف للتمايز الأجتماعي أو الطبقي (ربما هذه نقمة لا نزال ندفع ثمنها حتى اليوم)، وأهم مثال حول ذلك قيام شعب العراق القديم بأول ثورة جماهيرية في تاريخ البشرية عام 2400ق.م في مدينة (لكًش) السومرية والتي على أثرها  ظهرت أول كلمة لمعنى الحرية في التاريخ وهي (آماركًي) سابقة كل الحضارات الأخرى.. وفي هذا الجانب أيضاً فقد رفض شعب الرافدين أي تسلط أجنبي بعيد عن أرضه الخيّرة، ليقوم شعب سومر بأول حرب تحررية في التاريخ عام 2120ق.م تمكن منها من طرد الغزاة (الكًوتيين) الذين عاثوا فساداً بأرض الرافدين لما يقارب القرن من الزمن... واستكمالاً لذلك فأن الفكر السياسي الرافدي وكما بات معلوماً للجميع قد أنشأ بواكير النظم الديمقراطية البرلمانية منذ منتصف الألف الثالث ق.م أستناداً الى ذلك المبدأ أيضاً، أي رفض التسلط والتفرد والتأليه البشري..... كما تجدر الاشارة الى ان واحدة من اهم المنجزات الثقافية الانسانية والامثلة الصارخة لمدى الرقي الفكري لشعب الرافدين هو ابتكاره لأقدم وسيلة للتدوين عرفها التاريخ والمعروفة بالكتابة المسمارية وذلك في منتصف الألف الرابع ق.م، سابقاً شعب النيل بما يقارب الثلاثة أو أربعة قرون في هذا الجانب، بل يعتقد أن البدايات والأطوار الأولى لهذه الكتابة والمسماة ب(الصورية) كانت هي الحافز الأول لابتكار الكتابة (الهيروغليفية) الصورية الذي ظهرت في وادي النيل.. أما على المستوى الاجتماعي فأن الأنسان الرافدي قد أنتبه الى مشكلات أجتماعية غاية في الأهمية لاتزال تشغل ذهن المجتمعات الحديثة حتى الآن ورصدها عن كثب، بل ووضع حلولاً فاعلة وناجعة بشأنها. منها قضية (صراع الجيال)  و(الصراع بين البداوة والتحضر)، سابقاً بهذا التفكير جميع المجتمعات الأخرى.. بنفس الوقت فأن الفكر العراقي القديم لم يبتعد عن الرومانسية الأنسانية  ليكتب الأنسان العراقي أول قصيدة حُب في التاريخ، كذلك الملاحم البطولية الأنسانية الأخرى التي تخلد عظمة ونضال الأنسان من أجل وجوده، التي على رأسها طبعاً (ملحمة كًلكًامش).. ليتوج هذا العطاء الفكري لأنسان وادي الرافدين بأصدار أول تشريع قانوني في التاريخ ينظم العلاقة الانسانية بين أفراد المجتمع.
و أزاء تطور هذا الفكر وبساطته وواقعيته وتغلغله في عموم طبقات المجتمع العراقي القديم فكان طبيعياً أن يكون فكراً مستساغاً لقى ترحيباً في مناطق ومجتمعات أخرى وصل اليها من العالم القديم بشكل يفوق كثيرأ ما قدمته أرض النيل، ليكون المُلهم والحافز لتلك المجتمعات في تشييد كياناتها وبُناها الخاصة، مثل الهضبة الايرانية واسيا الصغرى وأرض الشام، بل وحتى بلادي اليونان و الرومان، وفي جميع المجالات تقريباً.... آداب ، فكر ديني، عمارة، علوم، قوانين، فنون متنوعة، وغيرها الكثير.. ولعل أبرز مثال يوضح ذلك هو أنتشار الخط المسماري الرافدي الى معظم بلدان الشرق القديم لتدّون به لغاتها.. لتكون حضارة وادي الرافدين بذلك وعن جدارة هي المنبع الرئيسي الحقيقي  والأكبر لجميع حضارات العالم القديم ... ولابد أن أهرامات وادي النيل وبقية مبانيه الفخمة وعلومه،  لن تكون سوى مجرد صخور صماء، ورموزاً للموت ليس ألا لو أننا وضعناها بميزان واحد مع فكر حضارة وادي الرافدين ومدى عظمته... ولعل أروع ما قيل بهذا الشأن وعبّر عنه أفضل تعبير ما ذكره عالم الآثار الفرنسي (جان كونتينو) بقوله.. (أن العراقيين القدماء قد شيدوا أهراماً من الفكر وليس أهراماً من الحجارة).
وبعد ما تقدم هل بقى من يتساءل عن سبب تدمير آثارنا العظيمة ورموز حضارتنا الخالدة من قبل الطارئين والشواذ على مسيرة التاريخ وأسيادهم الحاقدين على تراث الشعوب؟؟؟؟؟؟
لكن رغم كل ما جرى ويجري.. فمن المؤكد أن الشمس ستبقى عالية في كبد السماء منيرة العالم، يعجز ان يحجب نورها يوماً أي غربال. 

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

205 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع