الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - من ذكريات الحرب ..ليلة عصيبة في صحراء البصية..

من ذكريات الحرب ..ليلة عصيبة في صحراء البصية..

                                              

                                  سلام توفيق

   

      يعود تاريخ هذه الحادثة الى نهاية الشهر الاول 1991
كان من المتعارف عليه ايام الخدمة العسكرية ان تتم عملية( شد الرواتب) نهاية كل شهر وتسلم الى الجنود عن طريق ضابط الرواتب او عن طريق قلم الوحدة ...هذه الحادثة منطقيا يجب ان يكون تاريخها نهاية كانون 2 سنة 1991 لان الهجوم البري لقوات التحالف لاخراج الجيش العراقي من الكويت انطلقت فجر يوم 26 شباط 1991 اي اننا لم نصل الى يوم تسليم راتب شهر شباط..

كانت وحدتنا تمسك موضعا دفاعيا في منطقة البصية في تلك الصحراء اللامتناهية على امتداد البصر ... ولان القاطع الذي كنا نمسكه كان واسعا ويمتد لعدة كيلومترات فان المسافة بين دبابات رعيلنا الثلاثة كانت تمتد الى 600 او 700 متر بين الواحدة وكلا الاخريتين لاننا ووفق السياق المتبع في الصنف المدرع كان انفتاحنا بطريقة دبابة في الامام كراس مثلث واثنتين في الخلف على جانبي قاعدة المثلث وكان ضمن القاطع الذي نمسكه بعض المواضع المتفرقة لاحد افواج المشاة وكذلك بضع مواقع اخرى متفرقة لاحدى كتائب مقاومة الدروع حيث ان نسبة كبيرة من المنتسبين كانت في تلك الفترة تركت الموضع الدفاعي وهربت من الجوع والعطش والقصف الجوي المدمر الذي كان يطالنا بشكل مستمر كل يوم ووقوع خسائر جسيمة في صفوفنا لانعدام التكافؤ بين طرفي المعركة والذي يعرفه كل رجال الاختصاص
كان صديقي ( محمد ابو قلم السرية) وهو من سكنة مدينة بغداد قد وصلنا للتو وقبل غروب الشمس الى حيث حفرنا موضعنا الدفاعي انا وزميلي ( عبدالزهرة) الذي كان صنفه رامي دبابة وكنت انا سائق اما امر الدبابة والمخابر فقد تركانا وفضلا الهروب ...كان عبدالزهرة رجلا اسمر وهو من مدينة الحلة يبدو كبيرا في العمر ذو جسم متوسط ويرتدي بدلة خاكي قديمة جدا ويرتدي فوقها قمصلة فرو ثخينة زرقاء اللون من التي كانت قد تم توزيعها على منتسبي القوة الجوية والدفاع الجوي... هاديء جدا حد البرود لاتفارق السيكارة يديه ابدا حتى اكتسى جلد اصبعيه الوسطى والسبابة بلون النيكوتين الاصفر المائل الى البني...اما شاربيه فهي الاخرى تحولت بفعل ذلك الى مزيج من الالوان التي سببتها كميات التتن الهائلة التي احرقتها انفاسه
دعينا ابو جاسم للدخول الى ملجئنا وكان عبارة عن حفرة لايزيد عمقها عن متر واحد وبطول مترين وعرضها بين سرفتي الدبابة من الداخل حيث اننا قررنا حفر ملجئنا تحت الدبابة نفسها رغم انها مجازفة بحد ذاتها فيما لو تم استهداف الدبابة باحد الصواريخ المضادة للدروع ...لم يكن لدينا وقتها فانوسا كما كان الحال ايام الحرب مع ايران وانما اكتفينا بفتيله صغيرة جعلنا قاعدتها بعض التمر المعجون نغمرها في وقود الديزل الخاص بالدبابة ونشعلها لفترة قصيرة بعد الغروب ومتى ما ادلهمت نطفئها تماما خوفا من استهدافنا من طيران التحالف
قمنا بتجهيز العشاء وكان قليل من الرز ومرق البصل الذي شحذناه من احدى عجلات الايفا التي كانت توزع القصعة على منتسبي وحدتها القريبين من مكان موضعنا ودبابتنا ... ممزوجا بحبات الرمل التي تتطاير بخفة وتهاجم كل فج عميق حولك في تلك الصحراء الرهيبة...مع صمونتين او ثلاثة كنا نحتفظ بها للطواريء رغم ان حجمها قل الى النصف قياسا الى حجم الصمونة التي كانت توزع علينا في حرب ايران... عدى انها مليئة بحبات شعير كاملة غير مطحونة في داخلها ...
بعد تلك الوجبة الدسمة كان عبد الزهرة قد اعد الشاي ...ثم رفع بطانيته التي لفها وطواها عدة مرات ليحولها الى مايشبه المخدة واخرج كيس من النايلون الشفاف كان يحتفظ ببعض السكر للاوقات العصيبة ...حيث اننا نسينا السكر وكنا نحتسي الشاي المر ونمضغ بعده تمرة من النوع اليابس الذي نسميه ( قسب)وهذا ماكان متوفرا وقتها بالحد الادنى .. تبادلنا رشفات الشاي بالقدح الزجاجي الوحيد الذي بقي عندنا وتبادلنا بعض السوالف ثم دعانا محمد للتوقيع واستلام رواتبنا وللعلم فاننا وقتها كنا نتقاضى حوالي 160 دينارا تقريبا حيث ان مخصصات مهارة الصنف المدرع كانت 45 دينارا .. وهو مبلغ لايستهان به تلك الايام بل محترم جدا حيث كنا نعيل عوائلنا من تلك الرواتب ..
وقفنا مبهورين حين اخرج محمد ( شدات ام ال 25 دينارا)لاتشبه التي كنا نعرفها لقد كانت كانها من التي نرى صورها في كتاب القراءة الخلدونية!! لقد كانت تلك اولى ايام ( الدينار الطبع) ..لم نتقبل الامر بسهولة وقلت مع نفسي انها بداية النهاية لقد انتهى كل شيء اصلي في بلدنا وسننتظر خرابه بالتدريج وماسياتينا لاحقا هو اشد واقسى ولكن لاحيلة لقد وقعنا في الفخ بغباء شديد ثم اصرينا على الاستمرار في الخطاء بغباء اشد
وضعت الراتب في جيبي ووقفت لاودع محمد الذي طلب مني ان اوجهه للدبابتين الاخريين ليذهب اليهما ويسلم رواتب الموجودين ..ولما كنت كريما جدا معه فقد ابيت الا ان امشي معه الى منتصف المسافة تقريبا ثم ادعه يكمل الباقي بنفسه رغم رفضه ذلك العرض الا انه استسلم لاصراري اخيرا
هناااك ..اشرت بيدي نحو المكان الذي تخيلته للدبابة الثانية فشكرني ومضى..اما انا فلمح لي ذكائي ان استدير للخلف 180 درجة وامشي نفس الوقت الذي امضيته مع محمد عندها ساكون مجددا مع عبدالزهرة..انطلقت بعد ان غيرت ناصيتي باتجاه دبابتي وحسبت مع نفسي ماقد يكون امضيته سيرا مع محمد ولكن لا اثر لدبابتي ولا لعبدالزهرة .. ناديت بصوت عال عبدالزهرة ..عبدالزهرة ..قلت في نفسي هل نام الملعون !! كررت وكررت دون فائدة ..قرفصت على الارض علني احدد هيكل الدبابة ولكن لم يكن هناك غير الظلام ..يئست وقررت العودة الى حيث تركت محمد عند نقطة او خشبة عليها كتابة واصباغ فالتويت 180 درجة اخرى وقفلت عائدا ولكني لم اجد شيئا يشير الى وجود حياة حولي ..
بداء البرد يشتد ويتسلل الى جسدي وانا لازلت احمل بعض الثقة والاصرار ..اكملت مسافة اخرى مضاعفة علني اصل لدبابة من دباباتنا ولكن دون جدوى ..بقيت اتخبط هنا وهناك وانا بدون سلاح شخصي ولاقمصلة حيث انني لم البسها كوني ساعود بعد دقائق بعد ان ارشد محمد الى مبتغاه
مر الوقت ووصلنا الى منتصف الليل تقريبا حتى سمعت حركة فناديت فانبرى لي احدهم قلت لي انا فلان من الوحدة الفلانية وابحث عن دباباتنا ..قال لي الجندي هذا الفوج الفلاني والضابط نائم بالملجاء وانا الحرس والدبابات بعيدة حوالي اقل من كيلومتر ..قلت له فقط اشر لي على الاتجاه لاذهب لجماعتي فاشر بيده وقال لي شوف من هنا گبل گبل گبل توصل للدبابات وتركني وانصرف ..التفت اليه لاطلب منه ان يدلني على مكان ياويني الى الصباح فاذا به يؤشر لي بيده ويصيح گبل گبل!!
انطلقت وانا يائس اتعثر هنا وهناك وانا اتذكر كلماته گبل گبل!! لقد مر بي موقف مماثل في حرب ايران عندما نفذنا تمرين ليلي بالدبابات نصل به الى الحافة الامامية للجبهة ثم نقفل عائدين وكانت الليلة مظلمة جدا ونقود الدبابة عن طريق المنظار الليلي وكان معي على الدبابة الملازم مجيد وهو ضابط مجند قليل الخبرة كنت انظر اليه لاساله عن مكان التوقف والعودة لانني لم اعد ارى اثرا للدبابات حولي فكان يؤشر بيده اليسرى لي گبل گبل!! ولم نكن نشبك مع بعضنا بعد خرق العدو لشبكتنا رغم استخدام الترددات البديلة ..بعدها اشر لي لاقف وجائني وهو مرتبك وسالني عن مكان تواجدنا لان ( راسه افتر) فقلت له والله سيدي مشينا هواية يمكن فد عشر دقائق نفوت بطهران !!
كنت استذكر تلك الحادثة ولا ادري اضحك ام ابكي !! ووسط تلك الارهاصات والذكريات والقلق الممزوج بالخوف احيانا ..وبعد اكثر من ساعة من التخبط وجدت بصيصا للضوء توجهت صوبه بسرعة وانا اصيح مناديا لاعرف بنفسي فخرج احد الجنود وقال خللي ايدك فوك راسك وتعال علي ..كان يسدد بندقيته صوبي فصاح بي قف مكانك .. فسالني عن وحدتي فذكرتها له وعن مكانها واسماء ضباطها وعن قصتي فضحك وقال تعال ادخل للملجأ ..قلت في نفسي لماذا يضحك !! دخلت الملجاء الضيق وعرفت سبب ضحكه
لقد كان صديقي محمد ابو القلم هو الاخر قد وصل قبل ساعة او اكثر اليهم بعد ان ظل يتخبط من لحظة تركي له مساءا ويبدو انه هو الاخر قد تاه وظل يتخبط هنا وهناك الى ان اهتدى لهذا الملجاء وطلب منهم المبيت عندهم حتى الفجر!! فرصفت الى جانبه وغرقت بالنوم !!
ماهي الا اجزاء من الساعة حتى قفزت من مكاني لسماعي صوت صاروخين احسست لقوتهما وقرب مرورهم من عندنا انهما اخترقا اذني ليخرجا من الثانية تلاها صوت انفجارين هائلين بفعل اصطدامهما بالاهداف التي وجها لها !! بقينا انا ومحمد والجندي الاخر مستيقظين وخائفين من استهداف القاطع بصواريخ اخرى ولكن لله الحمد لم تطلق صواريخ اخرى وكان الفجر قد ازف فنهضنا وانطلقنا نحو دباباتنا كنا نبعد عنها حوالي كيلومتر واحد او اكثر !! وعرفنا بعدها ان الصاروخين سقطا قريبين جدا من دبابتنا فقررنا انا وعبدالزهرة ان نحفر ملجئا اخر قريبا من الدبابة وليس تحتها وكنت انتظر اول عجلة ارزاق تمر من عندنا لاستقلها واذهب الى الناصرية ومنها الى اهلي في الموصل لاوصل راتبي الى اهلي لانهم كانوا باشد الحاجة له!!
وهذا ماكان وماحدث والحمدلله على كل شيء

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

688 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع