
العرب/بغداد- لم تتأخر الإشارات السلبية من أكثر الميليشيات العراقية تشدّدا وارتباطا أيديولوجيا ومصلحيا بإيران في الظهور أمام نوري المالكي زعيم حزب الدعوة الإسلامية وقائد ائتلاف دولة القانون الذي تَوَافَق طيفٌ واسع من القوى السياسية شيعية وسنة وكردية على ترشيحة لرئاسة الحكومة خلال السنوات الأربع القادمة وذلك على أساس خبرته السياسية وقوة شخصيته التي تؤهله وفق من اختاروه للمهمة لقيادة المرحلة العراقية الصعبة التي تلوح مليئة بالتحديات السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية.
وسيكون على رأس مهام المالكي الذي تولى رئاسة الوزراء لفترتين متتاليتين بين سنتي 2006 و2014 إدارة العلاقة الصعبة مع الولايات المتحدة التي استبقت تشكيل الحكومة العراقية بتوجيه إنذارات مسبقة وصريحة بأنها لن تقبل بحضور الميليشيات في الحكومة الجديدة، بل حتى بمواصلة تلك الميليشيات حضورها في المشهد الأمني مطالبة بحلها ونزع سلاحها، وملوحة بعواقب مالية واقتصادية على بغداد إذا لم تستجب لتلك المطالبات.
لكن الميليشيات التي تطالب واشنطن بتحييدها متغلغة في المشهد العام بمختلف تفاصيله السياسية والأمنية والاقتصادية بحيث سيكون المالكي في مهمة محفوفة بالمخاطر إذا حاول مواجهتها بالقوّة على غرار ما فعله سنة 2008 عندما واجه بالقوة العسكرية لميليشيا جيش المهدي التابعة آنذاك لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر في عملية عسكرية تمت تحت مسمى "صولة الفرسان".
وبمجرّد الإعلان عن ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة أصدرت كتائب حزب الله العراق، إحدى أكثر الميليشيات العراقية ارتباطا بالحرس الثوري الإيراني، بيانا شديد اللهجة أعلنت فيه استنفارها الشديد واستعدادها للدخول في حرب شاملة دفاعا عن إيران في حال تعرضها لأي عمل عسكري من قبل الولايات المتّحدة.
وجاء ذلك في بيان حمل توقيع الأمين العام للكتائب أبوحسين الحميداوي الذي وجه دعوة إلى "مجاهدي" الميليشيا للاستعداد التام لمواجهة "الحرب الشاملة"، معتبرا "أن أمن المنطقة مرتبط بأمن الجمهورية الإسلامية الإيرانية".
وجاء ذلك تأكيدا لما أعلنه قبل ذلك القيادي في الكتائب أبوطالب السعيدي من أن الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تمتلكها "المقاومة" جاهزة لضرب كافة القواعد العسكرية الأميركية في العراق والمنطقة إذا نفذت واشنطن ضربات عسكرية ضد طهران.
وكخطوة استباقية لدعوات الولايات المتحدة العراق لضبط فوضى السلاح وحل الميليشيات بما في ذلك الفصائل المشكّلة للحشد الشعبي، كانت كتائب حزب الله قد أكدت رفضها لأي مفاوضات بشأن نزع سلاحها مشترطة خروج كامل القوات الأجنبية الأميركية والتركية وقوات حلف الناتو من الأراضي العراقية أولا.
ولا يعلم كيف سيتمكّن المالكي ذو العلاقات الجيدة مع الميليشيات الشيعية وداعمتها إيران من إقناع تلك الفصائل بنزع سلاحها وقبل ذلك التخلّي عن حصصها في الحكومة التي سيتولّى تشكيلها علما أن بعض أقوى تلك الفصائل ممثّلة تحت قوة البرلمان بكتل وازنة وحاضرة ضمن الإطار التنسيقي الشيعي الذي ينتمي إليه الرجل نفسه والذي رشّحه أصلا لتولي منصب رئيس الوزراء.
وفي ظل هذه المعطيات سيكون مطلوبا من رئيس الحكومة العراقية وضع معادلة دقيقة للموازنة بين معطيات المشهد الداخلي وعلاقات العراق المتينة بكل من إيران والولايات المتحدة التي جددت تحذيراتها لبغداد من أن تواصل النفوذ الإيراني في العراق على نفس المستوى لن يكون مطلوبا خلال الفترة القادمة.
وجاء التحذير على لسان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء العراقي الحالي محمد شياع السوداني عبّر فيها عن أمله في أن تعمل الحكومة المقبلة على جعل العراق “قوة للاستقرار والازدهار والأمن في الشرق الأوسط”.
وقال المتحدث باسم الخارجية الاميركية تومي بيغوت “أكد الوزير أن حكومة تسيطر عليها إيران لا يمكنها أن تنجح في وضع مصالح العراق أولا، وأن تبقي العراق بعيدا عن النزاعات الإقليمية، أو أن تعزز الشراكة ذات المنفعة المتبادلة بين الولايات المتحدة والعراق”.
وفي ذات السياق قال مصدر سياسي عراقي لوكالة فرانس برس أن الولايات المتحدة “تحمل نظرة سلبية تجاه الحكومات السابقة التي قادها رئيس الوزراء السابق المالكي”.
واعتبر نواب أميركيون في رسالة، أنه في حين أن اختيار رئيس الوزراء قرار عراقي، فإن “الولايات المتحدة ستتخذ قراراتها السيادية الخاصة بشأن الحكومة المقبلة بما يتماشى مع المصالح الأميركية”.
وتتمتع الولايات المتحدة بنفوذ كبير على العراق، خاصة وأن عائدات صادرات البلاد النفطية تودع في الاحتياطي الفدرالي في نيويورك بموجب ترتيب تم التوصل إليه بعد الغزو الأميركي عام 2003.
ومع وجود إدارة أميركية هجومية ومباشرة في التعاطي مع الدول فإنّ واشنطن لم تتردّد في التلويح بالضغط على العصب المالي الحساس للعراق إلى لم تستجب سلطاته لمطالبها.
ولتجسيد تلك السياسة الهجومية قام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتعيين مبعوث شخصي له إلى العراق واختار رجل الأعمال المقرّب منه مارك سافايا للمنصب الذي يرجّح أنه سيقود دبلوماسية موازية لعمل السفارة الأميركية في بغداد أكثر ارتباطا بشخص ترامب وتعليماته.
ومنذ توليه المنصب كثّف سافايا من إنذراته للسلطات العراقية وقال في آخر تصريحاته بهذا الشأن إنّه إذا أُريدَ إصلاح العراق، فلا بد من مواجهة الفساد أولا وبحزم، معتبرا الميليشيات ليست سوى عرض، أما الفساد فهو الداء.
وأضاف مبعوث ترامب في تعليق له عبر منصّة إكس "أعرف بالتفصيل كيف تُحوَّل الأموال غير المشروعة. فهي لا تمر عبر كبار المسؤولين فحسب، بل الأهم من ذلك، أنها تمر عبر طبقات من الفاعلين الأدنى رتبة، كأفراد العائلة والأصدقاء والحراس والسائقين والوسطاء. وهذه البنية تخلق عزلة وإمكانية إنكار مع الحفاظ على استمرارية عمل النظام".
وحرص الرجل على إظهار سعة إطلاع خبايا الوضع العراقي قائلا "هذه شبكة بالغة التعقيد ومُصممة بعناية، تعمل منذ أكثر من عقدين. وقد نجحت في تجاوز اللوائح وأطر الامتثال وآليات التدقيق الدولية. ومن خلال هذا النظام، مُنحت الميليشيات المدعومة من إيران الدعم المالي والحماية والاستمرار".
وخلص سافايا إلى القول إنّ "أي جهد جاد لتحقيق الاستقرار في العراق واستعادة سيادته وتفكيك الميليشيات يجب أن يبدأ بتفكيك شبكات الفساد التي تمولها وتحميها. ويجب وضع حد لمصادر الأموال الفاسدة الضخمة، مثل كشوف المرتبات الوهمية والقروض المزيفة والأصول الوهمية. وبدون ذلك، ستفشل كل الجهود الأخرى"

896 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع