
قاسم محمد داود
بين المطرقة والسندان: العرب وصراع الهيمنة بين إيران وإسرائيل
في قلب صراعات الشرق الأوسط المتشابكة، يتقاطع مشروعان إقليميان طموحان يتجاوزان حدود الدول التقليدية: المشروع الإيراني والمشروع الصهيوني. ورغم تعارض أهدافهما المعلنة وشعاراتهما السياسية، فإنهما يلتقيان عند نقطة جوهرية واحدة: استغلال الفراغ الاستراتيجي العربي الناتج عن الانقسامات البنيوية وغياب مشروع عربي جامع قادر على صياغة توازن إقليمي مستقل.
وفي دهاليز السياسة المعقدة للمنطقة، تتشابك خيوط المصالح وتتضارب الأجندات، بينما يجد العرب أنفسهم عالقين بين مطرقة هيمنة إيرانية ذات بعد مذهبي – جيوسياسي، وسندان توسع إسرائيلي يستند إلى التفوق العسكري والتحالفات الدولية. وفي الحالتين، يدفع العالم العربي ثمناً باهظاً من استقراره وموارده وفرص تنميته.
وقد أعادت التطورات الأخيرة في المنطقة، مع تصاعد المواجهة غير المباشرة بين إسرائيل وإيران وما يرافقها من انخراط أمريكي عسكري وسياسي، إبراز طبيعة هذا الصراع المركب، حيث تتحول الجغرافيا العربية مرة أخرى إلى ساحة تنافس بين مشاريع إقليمية متعارضة ظاهرياً لكنها متقاطعة في النتائج.
المشروع الصهيوني: الأمن أولاً… والتوسع مستمر
ترتكز الاستراتيجية الإسرائيلية على ضمان التفوق العسكري والاقتصادي في بيئة إقليمية تُعتبر معادية أو غير مستقرة. وهي لا تقتصر على مفهوم الدفاع التقليدي، بل تمتد إلى رؤية استراتيجية أوسع تسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بما يضمن تفوق إسرائيل الدائم.
ومن أبرز ركائز هذا المشروع:
التفوق العسكري المطلق
يحتل الحفاظ على التفوق النوعي والكمي أولوية قصوى في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، مدعوماً بالتفوق التكنولوجي والدعم الغربي، وعمليات استباقية دقيقة تستهدف أي تهديد محتمل قبل أن يتحول إلى خطر استراتيجي.
التوسع والاستيطان
تتبنى تيارات اليمين القومي والديني المتطرف أيديولوجية «أرض إسرائيل الكاملة»، وهو ما يدفع باتجاه توسيع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقضم المزيد من الجغرافيا العربية، بما يخلق واقعاً ديموغرافياً وجغرافياً يصعب تغييره مستقبلاً.
التطبيع لكسر العزلة
تسعى إسرائيل إلى كسر عزلتها الإقليمية عبر اتفاقيات التطبيع، مثل اتفاقيات أبراهام، ليس فقط لتحقيق مكاسب اقتصادية، بل لبناء منظومة تحالفات أمنية إقليمية موجّهة أساساً لمواجهة النفوذ الإيراني، وإعادة إدماج إسرائيل في بنية الأمن الإقليمي.
تهميش القضية الفلسطينية
تعمل إسرائيل على إضعاف المقاومة الفلسطينية وتقليص مركزية القضية الفلسطينية على المستويين الإقليمي والدولي، عبر فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تجعل من الاحتلال أمراً اعتيادياً في العلاقات الدولية.
الثمن العربي لهذا المشروع
يستمر الاحتلال في تهجير السكان واستنزاف موارد المنطقة، محولاً الطاقات العربية من مسارات التنمية إلى دوائر الصراع والدفاع، ومستغلاً الانقسامات العربية لتعميق حالة التشرذم السياسي والاستراتيجي.
المشروع الإيراني: تصدير الثورة وإحياء النفوذ الإمبراطوري
منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية، بنت إيران استراتيجية إقليمية طويلة المدى تهدف إلى ترسيخ نفوذها في الشرق الأوسط تحت شعار «تصدير الثورة». ومع مرور الوقت، تداخل هذا البعد الأيديولوجي مع طموح جيوسياسي أوسع يسعى إلى إعادة بناء مجال نفوذ إقليمي واسع.
وقد عبّر عدد من المسؤولين الإيرانيين عن هذا التصور بوضوح. فقد صرّح مستشار الرئيس الإيراني الأسبق علي يونسي عام 2015 بأن «إيران أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتها بغداد». كما أشار وزير الدفاع الإيراني الأسبق حسين دهقان إلى أن العراق بات جزءاً من المجال الحيوي الإيراني.
هذا الخطاب يمزج بين الهوية المذهبية الشيعية والبعد القومي الفارسي، مستنداً رمزياً إلى تراث الإمبراطوريتين الأخمينية والساسانية.
ومن أبرز ملامح هذا المشروع:
بناء المحور والوكلاء
اعتمدت إيران على استراتيجية النفوذ غير المباشر عبر دعم جماعات مسلحة وحركات سياسية في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والحشد الشعبي، إضافة إلى دعم النظام السابق في سوريا. ويُنظر إلى هذا الامتداد أحياناً بوصفه «الهلال الشيعي» الممتد من طهران إلى البحر المتوسط.
القوة النووية والصاروخية
تُعد برامج الصواريخ الباليستية والطموحات النووية حجر الزاوية في استراتيجية الردع الإيرانية، إذ تمنح طهران قدرة تفاوضية كبيرة في مواجهة القوى الدولية والإقليمية.
السيطرة على الممرات الحيوية
تعزز إيران نفوذها في محيط مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، بما يمنحها ورقة ضغط استراتيجية على الاقتصاد العالمي.
الانتشار المذهبي والثقافي
إلى جانب الأدوات العسكرية والسياسية، اعتمدت إيران على أدوات القوة الناعمة، مثل المراكز الثقافية والمؤسسات الدينية وشبكات الدعم الاجتماعي، لبناء نفوذ طويل الأمد في عدد من المجتمعات العربية.
الثمن العربي المشترك للمشروعين
رغم تصادم المشروعين الإيراني والإسرائيلي، فإنهما يلتقيان في نتيجة واحدة كارثية بالنسبة للعالم العربي: التمدد على حساب السيادة العربية، وتفكيك الدولة الوطنية، وتغذية الصراعات الطائفية والمذهبية.
ففي اليمن المنكوب، والعراق الممزق، ولبنان المثقل بالأزمات الاقتصادية، وسوريا التي أنهكتها الحرب، يتحول العرب إلى وقود لصراعات بالوكالة تستنزف الموارد وتحوّل المنطقة إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
وفي ظل التصعيد العسكري المتكرر بين إسرائيل وإيران – سواء عبر الضربات الجوية، أو عبر ساحات وسيطة مثل سوريا والعراق والبحر الأحمر – تتكرس حقيقة أن الجغرافيا العربية أصبحت ساحة الصراع الأساسية بين هذين المشروعين.
كلا المشروعين يستغلان الفراغ العربي:
إسرائيل عبر التطبيع والتحالفات الأمنية، وإيران عبر الوكلاء والتدخلات غير المباشرة، لتحويل الانقسامات العربية إلى أدوات لتعزيز نفوذهما.
في مواجهة المشاريع الإقليمية: ماذا على العرب أن يفعلوا؟
لم يعد الاكتفاء بالمواقف الإعلامية أو التصريحات الدبلوماسية كافياً. فاللحظة الراهنة تفرض على العرب التفكير في مشروع نهوض استراتيجي يبدأ من الداخل قبل أي تحرك خارجي.
إعادة بناء الدولة الوطنية
على أساس المواطنة وسيادة القانون والمؤسسات القوية القادرة على تحصين المجتمع ضد التدخلات الخارجية.
صياغة مشروع عربي مشترك
لا يتطلب وحدة سياسية كاملة يصعب تحقيقها، بل تنسيقاً استراتيجياً فعالاً في القضايا المصيرية مثل فلسطين والأمن القومي العربي والممرات المائية، إضافة إلى تفعيل التكتلات الاقتصادية مثل مشروع السوق العربية المشتركة.
التحرر من منطق المحاور
رفض الارتهان لأي طرف خارجي، سواء كان إيران أو إسرائيل أو غيرهما، والانتقال من موقع التابع أو المتلقي إلى موقع الشريك الفاعل في النظام الإقليمي.
الاستثمار في القوة الذاتية
اقتصادياً عبر التكامل الصناعي والطاقي، وعلمياً عبر تطوير التعليم والبحث العلمي، وإعلامياً عبر مواجهة خطاب الكراهية والانقسام الذي يغذي الصراعات.
استعادة القضية الفلسطينية
بوصفها قضية تحرر وكرامة عربية مركزية، لا مجرد ورقة تفاوض تستخدمها أطراف إقليمية لتعزيز نفوذها.
خاتمة
إن استمرار الفراغ الاستراتيجي العربي يعني ببساطة استمرار تحويل المنطقة إلى ساحة صراع بين مشاريع الآخرين. ومع تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران وتزايد الانخراط الدولي في هذه المواجهة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: أين المشروع العربي؟
فالمنطقة اليوم لا تعاني من صراع واحد، بل من تعدد المشاريع المتنافسة على جغرافيتها في ظل غياب مشروع عربي قادر على حماية المصالح العربية وصياغة توازن إقليمي جديد.
إن لم يستيقظ العرب الآن ويصوغوا مشروعهم الخاص، فسيظلون مجرد ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين، يدفعون ثمن هيمنة لا تخدم إلا أجنداتها.
الفرصة ما زالت قائمة، لكن الوقت يضيق… والاختيار بين التبعية أو النهوض يبقى، في النهاية، بيد العرب وحدهم.

1115 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع