
د يسر الغريسي حجازي
دكتوراه في الفلسفة وعلم النفس الاجتماعي
مستشارة نفسية ومدربة نظامية
01.05.2026
بنية القيم
في مفهوم التكوين، يُعدّ الضمير مفهومًا تأديبيًا يُمثّل سلوك الإنسان، ولا سيما السلوكيات التي تُعتبر غير أخلاقية كالكبرياء، والغضب، والاستهتار بالقانون، والتلاعب، وسوء النية، والفوضى. وتُشكّل هذه العوامل جميعها جزءًا من علم النفس البشري، والتربية، والبحوث الاجتماعية. في السياق التعليمي، يُشكّل التعليم والتعلم أساس المعرفة. ومن الضروري إدراك أن المعرفة والمشاعر مترابطة وتتفاعل لتشكيل الإدراك والانتباه والذاكرة واتخاذ القرارات. يُعدّ التعلم والبيئة المحركين الرئيسيين للتنمية البشرية.
يُسهم هذان العاملان في تشكيل الإدراك والوعي والقيم لدى الإنسان. ويشمل الوعي، بدوره، إدراك المرء لقيمه الخاصة، ويشير إلى المبادئ الأخلاقية الأساسية التي توجه سلوكه، كاللطف والاحترام والنزاهة والأمانة. أما الفضائل والمُثل العليا فتتضمن مفاهيم الكرامة والتضامن والتعاطف والإنسانية، وهي مفاهيم جوهرية للتفاعلات الاجتماعية والحياة في المجتمع.
في كتاب "مستويات المنطق"، قام المدرب والخبير الأمريكي روبرت ديلتس، المتخصص في البرمجة اللغوية العصبية، بصياغة نموذج من ستة مستويات للمنطق، يُعرف أيضًا باسم "هرم ديلتس"، والذي يتوسع في المفهوم المنهجي الذي سبق أن وضعه غريندر وباندلر (2011) في كتاب "أسرار التواصل: تقنيات البرمجة اللغوية العصبية". ان مستويات المنطق هي أداة تواصل مصممة لإعادة برمجة أنماطنا العقلية القديمة، وتحسينها لإطلاق العنان للإمكانات البشرية، وتحفيزها بالتصور النشط والإبداعي.
هذه التقنية عبارة عن تمرين حسي ولغوي يسمح بالتساؤل الروحي وتحديد استعارة، لفهم معتقداتنا وقدراتنا ومستوى السلوكيات التي نمارسها أو لا نمارسها. فعلى المستوى الروحي، على سبيل المثال، يتضمن مستوى الانتماء معرفة العالم الذي ننتمي إليه.
بينما يسمح لنا مستوى الهوية بالتعرف على مهمة حياتنا والاستعارة التي شكلناها لاكتشاف أنفسنا، وفهم تطلعاتنا، وتحقيق أهدافنا. فإن مستوى المعتقدات والقيم، سيسمح لنا باكتشاف أنفسنا، وقواعد البيئة التي نعيش فيها، وما مدي صحة ما تعلمناه، والتعرف على الأشخاص الذين لعبوا دورًا في حياتنا، سواء في عائلاتنا، أو خلال تعليمنا، أو في حياتنا المهنية.
يُمكّننا تقييم افعالنا من خلاب المستوى السلوكي والتساؤل: ما الذي حققناه تحديداً؟ ولماذا وكيف نجحنا ولماذا فشلنا في تحقيق اهدافنا؟ أما المستوى البيئي، فيُحدد السياق الذي تطورنا فيه: البيئة الأسرية، والتعليمية، والاجتماعية، والسياسية.
يستخدم المدربون والمعالجون النفسيون هرم ديلتس بشكل متكرر، لمساعدة العملاء على تحليل المواقف الإشكالية بطريقة مرحة ودقيقة في آن واحد. كما تسمح مستويات ديلتس المنطقية، بتطوير رؤية استراتيجية للإنسان تربط بين الأفعال والهوية. بالإضافة إلى عملية التحفيز لوضع الأهداف، أو على العكس، رؤية العقبات التي تحول دون تنمية وعي ذاتي إيجابي ومستقر.
يستند هذا النموذج إلى مفهوم المستويات المنطقية، الذي طوره عالم النفس الأمريكي غريغوري بيتسون (1972) في كتابه "خطوات نحو بيئة العقل". يصنف عمل بيتسون عملية التعلم (من 0 إلى 4) والتغيير بناءً على علم التحكم الآلي، مميزًا بين التعلم التكيفي (المستوى الأول) وتغيير النموذج أو المعتقد (المستويين الثاني والثالث).
ترتبط عدة تقنيات بنموذج المستويات المنطقية، مثل: مواءمة الأفعال مع الهوية، والتي تهدف إلى خلق مزيد من التماسك بين الأفعال والهوية؛ والعمليات التحفيزية لإيجاد معنى في الأهداف المحددة، أو على العكس من ذلك، لفرض المزيد من القيود والذات "الآمنة" المستخدمة لتطوير الوعي الذاتي الإيجابي والمستقر. وأخيرًا، إعادة النظر لإصلاح أحداث الماضي (ديلت 1994، ص 114).
من الاستخدامات الأخرى الممكنة للمستويات المنطقية تكمن في تطوير رؤية أشمل للمشكلة. عند تحليل موقف إشكالي، يساعد هذا النموذج في تحديد المستوى أو المستويات التي تكمن فيها المشكلة. ولحلها، غالباً ما يكون الحل على مستوى أعلى ضرورياً (يوجد تسلسل هرمي بين هذه المستويات (ديلت، 2008. تاريخ موجز للمستويات المنطقية، ص275).
ويمكن فهم معتقدات المرء من خلال إدراكه نقاط الضعف ونقاط القوة، ومجالات تحسين الذات، مما يعزز ثقته بنفسه ويسهل تغيير سلوكه. وهذا الأمر بالغ الأهمية في مقابلات العمل على سبيل المثال، حيث يُعدّ إظهار الثقة بالنفس أمراً حاسماً لإبراز القدرات والوعي بالموقف.
كما تشير القيم إلى ما هو مهم للأفراد في حياتهم، والأهداف التي يسعون لتحقيقها. وتُعطى لأهدافنا الأولوية، وتُعتبر مؤشرات في غاية الأهمية للقدم في الحياة.
في حكاية لافونتين الشهيرة "الأرنب والسلحفاة"، المستوحاة من حكايات إيسوب، يُعلّمنا الدرس أن المثابرة هدفٌ يتطلب الصبر والتأمل، وأن على المرء أن يعمل بجد على نفسه ليتعرف على نفسه ويكتشف مواهبه. اما الغرور لا يخدم الانسان، والانتظام مقابل الغطرسة لان العبرة التي تم ذكرها منذ البداية ("لا جدوى من التسرع؛ عليك المغادرة في الوقت المحدد")، تؤكد على أن الاتساق والتوقع ("المغادرة في الوقت المحدد") أكثر فعالية من السرعة الخاطفة ولكن غير المنظمة.

6831 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع