إشهار وتوقيع كتاب (لا أهوى سواك يا عراق للأديب الأستاذ إياد عبد الغني العنّاز)

تقديم: صفوة فاهم كامل

إشهار وتوقيع كتاب (لا أهوى سواك يا عراق للأديب الأستاذ إياد عبد الغني العنّاز)

تلقيتُ قبل أيام دعوةً كريمة من الصديق العزيز والأخ الكبير، الأديب الأستاذ إياد العنّاز، لتقديم كتابه الجديد (لا أهوى سواكَ يا عراق ...) فكان لي شرف تقديمه في ملتقى الصابونجي الثقافي بالعاصمة الأردنية عمّان، حيث أشهر الكتاب ووقّع مساء يوم 13 حزيران 2026، بحضور نخبة من الشخصيات الثقافية والأدبية، وقد شاركني في التقديم الدكتور محمد ثابت البلداوي.

والأستاذ إياد عبد الغني العنّاز، هو من مواليد مدينة الموصل الحدباء وأم الربيعين، ابن محلة باب الجديد، والساجد منذ طفولته في محراب جامعها الكبير -جامع النوري. ينحدر من إحدى أسرها العريقة والمعروفة، ومنذ حداثته ونشأته كان يعشق القراءة بشغف ويزور المكتبات ويهوى شراء المجلات المصرية الذائعة الصيت آنذاك بتشجيع وتحفيز من والده.
أكمل دراسته الأولية في مدارسها البارزة، ونهل من عبق هذه المدينة التاريخية عاداتَها وثقافتَها وعلُومَها وآدابَها، وارتوى من دجلتها، وتذوّق حلاوة نخيلها وخيراتها.
واصل دراسته العليا شاقاً مسيرته العلمية بعزم ة وثبات فنال شهادة البكالوريوس في القانون من جامعة بغداد، وشهادة البكالوريوس في علوم الشريعة من كلية المعرفة في الموصل.
إلا أن الأوضاع المؤسفة المتوالية في مدينته أجبرته على النزوح منها مُكرَهاً عام 2013 ليجد مستقرهُ الجديد في الأردن الشقيق كما كان حال الكثير من أقرانه، لكن قلبه وجسده ظلَّ راسخاً فيها، متمسكاً بجذوره الأصيلة والمتأصلة في أعماق أرضها، تترقرق عيناه دموعاً وتحمل في بريقها حنينًا دفينًا كلما استعاد ذكرى طفولته بين أزقتها وحاراتها وأسواقها، أو كلما ذُكر اسم الموصل أمامه، لإن الموصل هي المدينة الأكثر مدنيّة بين مدن العراق سابقاً ولاحقاً وستبقى هكذا رغم ما تعرضت له عبر التاريخ إلى غزوات وهجمات وما لحق بأهلها من تنكيل ومعاناة، وما الماضي القريب الذي عشناه إلا شاهداً حقيقياً على ذلك.
وأمضى العنّاز أكثر من عقدين من الزمن في خدمة الدولة العراقية من خلال مؤسساتها الحكومية، يزرع جهده في تراب الوطن بإخلاص وتفانٍ. ثم طوى صفحته الوظيفة بالتقاعد منها، حتى انفتح أمامه أفق جديد؛ أفق الثقافة والمعرفة وتحوّل عطاؤه من خدمة الوطن إلى خدمة الفكر والكلمة كأديب مُبدع بين أدباء العراق.

والأديب، سواء كان كاتبًا أو شاعراً أو روائياً أو سياسياً، غالباً ما تلوح بوادر ميوله الأدبية في مرحلة الصبا أو اليفاعة أو الشباب، ثم تنضج تدريجيًا مع ما يقدمه من أعمال أدبية قد ينشرها في الصحف أو على هيئة كتاب أو يحتفظ بها في أدراج مكتبته ليصبح أديباً بين الأدباء ويشار له بذلك.

وهناك من الأدباء من تتفتح قريحة موهبته الأدبية في مراحل متأخرة من العمر، لأسباب شتى وظروف خاصة؛ منها الانشغال بالدراسة أو متطلبات الحياة، أو التردد والخوف من النقد اللاذع للجمهور، فيُرجئ نشر أعماله أو ممارسة موهبته حتى يكتسب الثقة الكافية. فالنضج العقلي والقدرة على التأمل لا تأتي إلا مع تقدّم العمر، رويداً رويدا...
والمحتفى به وبكتابه الجديد، ينتمي إلى تلك الفئة التي تجلّت بوادر الأدب في ملامحه وقلبه وعقله متأخرة، للأسباب التي أشرنا إليها أنفاً، غير أنّ الأساس في انبثاق هذه الموهبة هي الأجواء الإيجابية والبيئة الخصبة التي أحاطت به خلال السنوات العشر الأخيرة، إضافةً إلى الحنين الجارف إلى بلده، وما حمله وطنه ومدينته من جراحٍ غائرة، جعلت هذه الطاقة الأدبية تنفجر في أعماقه وتتحوّل إلى إبداعٍ حيّ أنتج على إثرها سبعة إصدارات، وما زال لديه المزيد من النتاجات الأخرى قيد الإعداد والطبع.

وعندما تتصفح كتابه الأخير (لا أهوى سواك يا عراق...) وتبدأ بقراءة هذه الهمسات الوجدانية الخمسين التي هي مكملة لخمسين همسة في كتابه السابق (لا قلب لي إلا مديني الموصل...) تشعر وكأنك في نسمة صيف حارق، ولحظات من الدفء في شتاء قارص، وأنك تستمع وتطرب لموسيقى أسطورية من العشق والحنين والانتماء للوطن. والوجدانيات بشكل عام وكما يعرفها الأدباء ترتبط بالعاطفة أولاً والخيال ثانياً وأنا عندما قرأت أجزاء من هذه الوجدانيات وجدت سطورها بعيدة عن الخيال والأساطير، بالمقابل وجدتها قوية بمعانيها في الارتباط بالأرض والوطن.
وعند بدأت بقراءة فقرات وصفحات منه وما تضمّنه المؤلف من أهواء نحو بلده وتجلّيات روحه، خرجتُ بملاحظة جديرة بالاهتمام وانطباع لا بدّ من الإشارة لها: إن المؤلف لم يترك كلمةً من مفردات اللغة العربية الشاعرية والعاطفية والوجدانية والغزلية والشفّافية والعزّة والوفاء وغيرها من التعابير، إلا واستحضرها في صفحات كتابه. لقد جعل من هذه اللغة وهذه المصطلحات اللغوية مرآةً لآلامه وآماله، وجسراً نابضاً من المحبّة بينه وبين القارئ بوجدان الوطن وعشقه، حتى بدت كلمة العراق كتابةً أو خيالاً حاضرةً في كل صفحة، بل في كل سطر من أسطر الكتاب، مجسداً أسمى صور التعبير الوجداني.
إنّ كل هذه الأوصاف الرومانسية التي ذكرتها تُليق بالسيد العنّاز وكبريائه وكما يقال "الكبرياء تليق بالفرسان" لكن هذا لا يعني أنه ابتعد عن السياسة هموم وطنه وجراحاته وما جرى له في السنوات السابقة وما يجري إقليمياً في الوقت الحاضر، بل أن كل جسده ظلَّ ملتصقاً به، وما إصدارُه لخمسة كتب سياسية سبقت كتابيه في الأدب إلا شاهدٌ حيٌّ وواقعيّ على مسيرته الفكرية، ودليل ناطق على توجّهِه السياسي الذي سار جنباً إلى جنب مع عطائه الأدبي، ليجسّد صورة الأديب الذي جمع بين الكلمة والفعل، وبين الثقافة والالتزام.
فالسياسة ونوائبها تسكن فكره وعقله، وتنبض في قلبه محبةً ووفاءً، وتجري في عروقه مثل جريان الدم في شرايينه وهذا ديدن العراقيين، خاصة في هذه المرحلة العصيبة. وأنا دائما ما أقول وأكرر: ما اجتمع عراقيان إلا والسياسة ثالثهما، وما اجتمع قوم منهم إلا وكانت جراح الوطن وذكرياته الحاضرة والسابقة تتناقل بين ألسنتهم، فالعراق لا يفارقه أبناءه مهما ابتعدوا واغتربوا وهو في النهاية ملاذهم الأخير، ويظهر توجّه العناز واضحاً وجليّاً في ذلك أيضاً من خلال لقاءاته وحوارته المتعددة في البرامج السياسية في التلفزيون، ومن خلال والمقالات والبحوث التي يكتبها وينشرها في الصحف اليومية والمجلات الإلكترونية.

وفي ختام الحفل، قدّمت مديرة الملتقى، الفنانة التشكيلية المبدعة مينا الصابونجي، شهادة تقديرية إلى السيد إياد العنّاز، تكريماً لعطائه وإبداعه.
نبارك مرة ثانية لأديبنا العنّاز إصداره الجديد، إلى جانب ما أثرى به المكتبة العربية والعراقية من مؤلَّفات أدبية وسياسية سابقة، ونشدّ على يده ليواصل مسيرة العطاء، ويقدّم المزيد من الأعمال التي تغني الفكر وتثري الثقافة، وترسّخ حضور الكلمة العراقية في فضاء الأدب العربي

ومن الله التوفيق

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1154 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع