
د. سعد ناجي جواد*
اخيرا اقتنع الرئيس ترامب بعدم جدوى الحرب في الخليج وتراجع، فهل سيلتزم بذلك؟ والاهم هل ستقف ايران مع لبنان كما وقف حزب الله معها؟
تم الإعلان ليلة امس عن توقيع (اولي) على اتفاق (مذكرة تفاهم) بين ايران والولايات المتحدة الأمريكية. قد لا يمكن إعطاء راي نهائي عن هذا الاتفاق لان بنوده وتفاصيله لم تنشر كاملة، لكن هناك حاجة لمناقشة تبعاته، وخاصة على الدول العربية والمنطقة. ابتداءا يمكن التكهن بشيء من الثقة ان ايران قد حصلت على امتيازات وتنازلات امريكية جديدة في آخر لحظة جعلتها تتحدث بإيجابية، وتوافق على التوقيع على الاتفاق، بعد ان كانت تشكك في اكتماله. والدليل ان متحدث إيراني رسمي قال مباشرة بعد الإعلان عن التوقيع الأولي، قال ان ايران لم تقدم اي تنازلات، وان الطرف الاخر هو الذي فعل ذلك، وان كل المنتقدين سيفاجئون (او سيبتلعون ألسنتهم) عندما يتم الاعلان يوم الجمعة القادم عن التفاصيل. وقد يكون الكلام عن حصول ايران عن امتيازات إضافية من قبل الرئيس ترامب صحيحا ايضا، حيث ان مغامرة نتنياهو في قصف الضاحية الجنوبية لبيروت غير المبرر، كانت قد وضعت القيادة الإيرانية في موقف محرج وهي التي قالت ان العاصمة اللبنانية خط احمر، وان النية كانت تتجه لهجوم صاروخي ايراني على الأراضي المحتلة ردا على قصف بيروت، وان الرئيس الأمريكي التمس ايران بعدم الرد على (مغامرة نتنياهو المتهورة) كما وصفها، وقام بتوبيخ نتنياهو علنا على قراره غير المسؤول (قصف بيروت). من هنا جاءت التسريبات التي قالت ان الرئيس الأمريكي قام بتقديم وعود مغريات جديدة لايران في قضايا كان يريد ان يتراجع عنها بعد التوقيع وفتح مضيق هرمز، او يضع تطبيقها في موضع شك كبير، مثل الإفراج الاموال الإيرانية المحتجزة والسماح لايران بتصدير نفطها.
بالتأكيد ان ايران على الرغم من التضحيات والتدمير الكبير حصل في مدنها، تستطيع ان تقول بانها نجحت بصمودها من النجاة مما كان يُخطط لها، (اسقاط النظام، تفتيتها، فرض حصار تام دائم على موانئها، تدمير قدراتها الصاروخية والبرامج المصاحبة، منعها من تصدير نفطها، إجبارها على تسليم مخزونها من اليورانيوم دون مقابل، وغير ذلك من الأمور التي تحدث عنها الرئيس ترامب قبل واثناء الأزمة التي إمتدت لخمسة اشهر، والتي تمثل بالاساس رغبات الكيان الصهيوني). كما ان نجاحها في استخدام مضيق هرمز جعلها تبدو وكانّها تمتلك قنبلة نووية رادعة.
على الجانب الاخر فان الولايات المتحدة وإسرائيل قد تعرضا الى هزيمة استراتيجية كبيرة، فكل خططهما، وخاصة إسرائيل، قد فشلت في فتح مضيق هرمز بالقوة او في جعل ايران ترفع الراية البيضاء.
لكن هذا النجاح والخروج من الأزمة بنتيجة إيجابية يجب ان لا يجعل الادارة الإيرانية تتناسى ان ما حققته يعود في جزء مهم منه إلى موقف حزب الله المساند. هذا الموقف الذي خفف الكثير من الضغط الإسرائيلي على ايران واربك مخططات نتنياهو. وهكذا فان ايران مطالبة وبصورة ملحة الان بتثبيت مسالة ايقاف العدوان على لبنان واشتراط عدم القيام بأية هجمات جديدة عليه اولا، والتركيز على ادراج قضية انسحاب قوات الاحتلال من جنوب لبنان وجعلها جزء لا يتجزأ من الاتفاق النهائي ثانيا. وان عدم فعل ذلك بقوة وبإصرار سيرفع أصوات الذين قالوا، ولا يزالون، ان ايران استخدمت حزب الله لصالحها مما جر لبنان إلى دفع تضحيات جسيمة، وانها عندما حصلت على ما تريد تركته وحيدا في مواجهة جبروت قوات الاحتلال. مسالة الدفاع عن لبنان تصبح حيوية وعاجلة الان واكثر من اي وقت مضى لسببين الاول هو ان الصراع السياسي الكبير والمحتدم الذي ظهر في الكيان المحتل بعد الاعلان عن توقيع الاتفاق، والاتهامات لنتنياهو بانه تسبب في هزيمة إستراتيجية كبيرة وغير مسبوقة لدولة الاحتلال، ومطالبته بالاستقالة فورا. سيجعل نتنياهو المأزوم والمهزوم ان يأمر قوات الاحتلال بالإكثار من الهجمات على لبنان وتوسيع رقعة الأراضي اللبنانية المحتلة (وربما في سوريا ايضا)، وشن حملة تدمير واسعة في جنوب لبنان، لإظهار بانه غير خاضع لوقف اطلاق النار وبالمعية لأوامر ترامب، ولكي يقول للإسرائيليين المتشددين بانه مازال يمتلك اليد العليا، وهو من يقرر الشكل الذي ستكون عليه المنطقة. اما السبب الثاني فهو الاصوات التي بدأت تظهر داخل ايران والتي تقول بان على الحكومة ان تركز على السياسة الداخلية وتوقف اي دعم لأطراف خارجية، او اي عمل يوثر على الاتفاق ويتسبب في تجدد المواجهات العسكرية. ان قضية لبنان، ستمثل الاختبار الحقيقي لايران التي قالت عن لبنان بانه في القلب وان بيروت خط احمر وان اي اعتداء عليها يعني اعتداء على ايران. بكلمة اخرى فان التأييد الذي حصلت عليه ايران داخل الشارع العربي، الذي تناسى كل ملاحظاته على بعض السياسات الإيرانية تجاه الامة العربية، معتبرا ان الوقوف إلى جانبها في هذه المرحلة هو هدف قومي ومصلحة وطنية، لانها تعرضت إلى مؤامرة اسرائيلية-صهيونية-أمريكية توسعية واحتلالية ومبنية على قيام شرق اوسط جديد يدار من قبل الكيان المحتل. اما الان وبعد ظهرت بوادر فشل هذا المشروع فان ايران مطالبة بان تثبت بانها ليس لديها اية مشاريع تضر بالمصلحة القومية العربية، وانها ستتعاون مع دول المنطقة على مبدا التعامل بالمثل وعلى قدم المساواة، من اجل حماية امن الخليج والمنطقة والدفاع عن الحقوق الفلسطينية العادلة. وبالمقابل فان بعض الدول العربية، التي مازالت تخضع لتأثيرات صهيو-أمريكية، ان تعي ان مصلحتها تكمن في تعاون دول الاقليم، ومن ضمنها ايران، لحماية امن الخليج، وليس خدمة مصلحة اطراف ثبت ان اهتمامهم منصب على التوسع واستخدام اراضي دول الخليج للاعتداء على ايران.
*كاتب واكاديمي عراقي

3484 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع