الشتاء ..."العدو الصامت" للعمالة اليومية في العراق

العربي الجديد:يعاني آلاف العمال العراقيين هشاشة العيش وغياب الأمان مع كل منخفض جوي، إذ يعتمد مدخولهم على جهدهم اليومي من دون أي ضمانات أو بدائل تقيهم المخاطر.

في كل موسم شتاء ومع أولى موجات البرد وتساقط الأمطار، يدخل آلاف العمال العراقيين الذين يعملون بشكل يومي، معركة جديدة من أجل لقمة العيش، إذ يصبح الطقس القاسي في الأسواق المكتظة والشعبية وفي ورش البناء المكشوفة، عاملاً حاسماً في تحديد المدخول اليومي، أو حتى في إنذار العمال بعودة صامتة إلى المنزل، وأيادٍ فارغة.

تشكل العمالة اليومية في العراق شريحة واسعة، وتعتمد على الأجر مقابل الجهد المباشر، غير أنها تجد نفسها الأكثر تضرراً مع كل انخفاض في درجات الحرارة أو هطل للأمطار. فالأعمال التي تُنجز في الهواء الطلق، أو داخل أسواق غير مهيأة، تتراجع بحدَّة، بينما ترتفع المخاطر الجسدية.

في ممرات سوق الشورجة الضيقة في بغداد، أكبر أسواق العراق التجارية، حيث تختلط أصوات الباعة برائحة البضائع، يدفع خالد طارش (37 عاماً) عربة يدوية محمّلة بالأكياس الثقيلة. يعمل خالد في تحميل البضائع ونقلها من المخازن إلى المحال التجارية، ومنها إلى باعة التجزئة، وهي مهنة شاقة تعتمد بالكامل على الحركة والنشاط اليومي. يقول طارش لـ"العربي الجديد" إن دخله في الأيام العادية يراوح بين 20 و50 ألف دينار عراقي (15 و38 دولاراً أميركياً) في اليوم الواحد، وهو مبلغ بصعوبة يغطي احتياجات أسرته المكونة من زوجة وثلاثة أطفال. لكن رغم ذلك ليس هذا الدخل مضموناً، وفق ما يقول طارش.

بدوره، زهير جعفر (42 عاماً) الذي يعمل في نقل البضائع في سوق للكهربائيات، يبيّن أنه في الأيام الماطرة أو شديدة البرودة، يقلّ العمل كثيراً، وأحياناً يعود إلى البيت من دون أن يجني ديناراً واحداً". ويضيف جعفر لـ"العربي الجديد" أن الشتاء يفرض عليه وعلى زملائه نمطاً قاسياً من العمل غير المتوازن، إذ يضطر إلى العمل لساعات طويلة ومتواصلة في الأيام التي يتحسن فيها الطقس، في محاولة لتعويض الأيام التي يتوقف فيها العمل تماماً.


أما في مهنة توصيل طلبات الملابس في شارع الرشيد والأسواق المرتبطة فيه بالعاصمة العراقية، فيؤكد محمد فلاح (39 عاماً) أن "الأمر قد يصل بهم إلى الموت"، وذلك في حديثه عن خطر العمل بالنسبة له ولزملائه، إذ تتطلب مهنتهم الحركة داخل الأسواق المكتظة. ويوضح فلاح لـ"العربي الجديد" أن الخطر في الشتاء لا يقتصر على قلة العمل فقط، بل يتجاوز ذلك إلى تهديد مباشر للحياة، مشيراً إلى أن "الأسواق بفروعها القديمة وأسلاكها الكهربائية المتداخلة، تصبح بيئة خطرة جداً مع تساقط المطر". ويلفت إلى أن الأعمدة الكهربائية والأسلاك المتدلية قد تكون مكشوفة بسبب العواصف أو التقادم، ما يعرّض العمال والأهالي لصعقة كهربائية بمجرد لمس العمود أو السلك من دون قصد. ويتابع: "تعرّض الكثير من العمال لحوادث مماثلة، وقد أُصبت بصعقة كهربائية كادت أن تودي بحياتي، لولا مساعدة الموجودين آنذاك".

وعلى الرغم من ذلك، يؤكد العاملون في هذه المهن أنهم لا يملكون خياراً آخر. ووفق قولهم، إنه عملهم الوحيد، ولا يملكون أي مصدر دخل بديل، لذلك يواصلون العمل رغم المخاطر.

وبين البرد والمطر، تتقاطع قصص العمالة اليومية في العراق عند نقطة واحدة؛ هشاشة العيش وغياب الأمان. ففي بلد يعتمد فيه آلاف الأشخاص على جهدهم اليومي من دون عقود أو ضمانات، يتحول الشتاء من فصل طبيعي إلى عبء اقتصادي واجتماعي ثقيل، يدفع ثمنه الأضعف دائماً، أولئك الذين لا يملكون سوى أياديهم لمواجهة الغد.

ولا تختلف الحال كثيراً في مواقع البناء، وهو ما يؤكده بدر عجيل (29 عاماً) الذي يقول لـ"العربي الجديد" إنّه لم يُكمل دراسته الثانوية، واضطر إلى دخول سوق العمل مبكراً للإنفاق على أسرته. بحسب عجيل فإنّ الشتاء بالنسبة لعمال البناء يعني البطالة المؤقتة، وأحياناً الطويلة، مضيفاً: "في أيام المطر يتوقف العمل تماماً، وأحياناً ننتظر أياماً عدة حتى تجفّ الأرض، خصوصاً إذا كان العمل في مناطق لم تُعبّد شوارعها بعد". ويتابع: "ينعكس هذا التوقف المتكرر على المورد المالي المحدود بالأساس، ويجعل الادّخار أو التخطيط للمستقبل أمراً شبه مستحيل. فنحن أرباب عائلات، وبنفس الوقت من ذوي الدخل المحدود، حتى إن بعضنا من شريحة الفقراء. العمل غير ثابت، والشتاء يقلل مداخيلنا أكثر". ويؤكد أن وضعه المادي لا يسمح له حتى بالتفكير في الزواج.

في الشوارع والأسواق الشعبية، يقف باعة متجولون إلى جانب عرباتهم الصغيرة، يبيعون فاكهة وخضاراً أو حاجيات منزلية بسيطة. هؤلاء أيضاً يتأثرون سريعاً بتقلبات الطقس. ويقول حيدر جليل (34 عاماً) لـ"العربي الجديد" إنّ هطول المطر يعني الإغلاق الفوري، مضيفاً: "نضطر إلى التوقف حتى لا تَتلف البضاعة، وإذا تلفت نخسر رأس المال كله".
ويوضح البائع خالد صبيح (41 عاماً) أن الأمطار لا تحرمهم من العمل فقط، بل قد تترك آثاراً تمتد لأيام، ولا سيّما إذا تضررت البضائع أو اضطروا إلى بيعها بأسعار أقل. ويقول لـ"العربي الجديد": "نحن نعيش على الربح اليومي، وإذا خسرنا يوماً أو يومين، نلمس ذلك فوراً على مستوى معيشة الأسرة".

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1143 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع