الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - بغداديات .. ثرثرة عجوز على ضفاف دجلة

بغداديات .. ثرثرة عجوز على ضفاف دجلة

        

     بغداديات .. ثرثرة عجوز على ضفاف دجلة

   

  

عندما يأخذنا العمر ويجد احدنا نفسه وقد ثقل جسده وابيض ماتبقى من شعر راسه وهو يستحضر العمر كله بفصوله الاربعه وحلاوتها ومرها وعذابها وسعادتها وكم من احباب غادرونا وكم منهم ينتظر وتمر امام العين صور كثيره ومن بداياتها ...

           

وانت صغير مسحوب من يدك الى المدرسه في اول يوم وانت تحمل تجربه مرعبة عند الملا غفوري ومنظر الفلقه ماثل امامك وتتذكر كيف كانت عمتك تمر عليك لتضع في حضنك كيس من الورق فيه بعض الخبز والفاكهه والكعك وعيونك تتوسلها لكي تأخذك معها والدموع تملىء عينيك وها انت اليوم امام الاستاذ عبد الله بطوله الفارع يستقبلك ليضعك في الصف الاول حيث لم يكن في زماننا روضه ولا تمهيدي وكنا ننظر الى تلاميذ الصف السادس ابتدائي وكانهم رجال وصلوا سن التجنيد وخط الشعر شواربهم ووجوههم ..

تجلس الان ولاتملك سوى الوقت الكثير الفائض الذي يتقاطع مع حكمة (الوقت من ذهب ان لم تقطعه قطعك) فانه متوفر وبكثره لاتدري كيف تقضيه سوى الجلوس امام التلفاز هذا الجهاز العجيب وتتقصى الاخبار وتنفعل معها وكانك ستعيش الف عام لترى نتائج مايحدث حتى تأخذك غفوه ولاتصحى الا صوت الحجيه لتوقظك من غفوتك وتنصحك بان تأوي الى فراشك وانت تحاول جاهدا ان تظهر بانك لاتزال قويا نشطا ولكنك تتارجح وتوازنك يختل ؟؟

                     

نعم انه العمر وضريبته وتسرح مرة اخرى في ذكريات الماضي ولاادري لماذا تاتي ذكريات الربيع وانت في الفراش لتتذكر اول حب وكيف كنت تتجمل لكي تذهب قريبا من بيتها طامعا بنظره او سلام مكتوم لتعود منتشيا وكانك ملكت الدنيا كلها وكم كنت سعيدا عندما كانت امك رحمها الله تكلفك بعمل او حاجه قرب بيت الحبيبه او بجوارها وتعود وانت تحلم بان يجمعك الله بها لبقية العمر ولكنك تسحب نفسا بحسره وألم لان ذلك لم يتحقق كما هو حال اكثر العاشقين ثم تغفو مرة اخرى لتفوق على صوت العجوز تدعوك الى الطعام او شرب الشاي بدون سكر طبعا ..

  

تحاول ان تتأقلم مع المحيط وخاصة الاولاد والاحفاد ولكنك لاتستطيع فقد سبقوك مراحل طويله فان حفيدك الصغير يتفنن بالايباد والحاسوب وانت لاتزال تصارع الهاتف الذكي الذي فرضه عليك ابنائك ولم تزل لم تستوعبه وكم من مرة اثيرت اعصابك لانك لم تتحمل وانت ترى ابنك او ابنتك  يتحادثون في موضوع وانت لاتفقه منه شيئا وكانهم يتحدثون بلغه اخرى وعالم غير العالم الذي تعيش فيه ..

   

وتعود الى عالمك الخاص وذكرياتك الجميله وتتذكر ايام الثانويه وحيوية الشباب ومغامرات التدخين السري ومضغ الهيل قبل الدخول الى المنزل لكي لايكتشفوا فعلتك وكم مرة افتضحت فعلتك ونلت عقابا صارما من اخيك الكبير والغريب وهو يعاقبك والسيكاره في يده ولانه الكبير وانت الصغير !! حكم القوي على الضعيف واليوم نندم لاننا لم نسمع كلامهم فقد كانوا لنا ناصحين وضربهم كان لنا مفيد فقد قادتنا السكاير لما هو اكبر حتى وصلنا الى البيره والى حليب السباع ويا ليت تركنا هذا السم منذ بدايته ..

ونعود الى ذكريات الزمن الجميل وعندما كانت السياسه زاد الجميع ونتذكر الصراع بين الاحزاب والمعتقدات وكم من معركه بينهم انتهت بجروح واعتقالات ومشاكل ولاتزال هذه الافه تاكل من وقتنا الكثير بالرغم من فائض الوقت لدينا ونتذكر مافعل الحمروالخضر فينا والنتيجه كلها هباء منثورا وقد كان هذا الصراع من اجل الوطن وتصحيح المسار واصلاح البلد نحو الاحسن حتى وصل البلد بيد المحتلين واللصوص وياليتنا كنا قد اقتنعنا بما كان لدينا وبين ايدينا ولم نشغل انفسنا بهذه السياسه التي احرقت بلدنا واحرقتنا واعادتنا الى الوراء عقودا ..

  

ونتذكر دجلة الخير وكيف كانت ايامنا فيه وعلى ضفافه نسبح و على رماله نلعب ونتصارع  ونستقل زوارقه ونصيد اسماكه ونغرف من ماءه ونتغازل على امواجه ونجلس على ضفافه نتسامر ونتجادل ونضحك ونتألم واليوم ننظر اليه بحسرة ونتألم لما جرى له من عبث وتلويث واهمال  وهو الغائب عنا و الحاضر ابدا في ذكرياتنا  ..

               

تسوقنا الذكريات الى المرأه وهي الام والاخت والخاله والعمه والابنه والزوجه والحبيبه والصديقه والجاره  وكيف كانت جميله وانيقه وناظره ومشرقه وصبحها احلى الصباحات ومساؤها سرور وهاهي تتهادى بعبائتها السوداء الجميله وتظهر منها مايكفي ليكون احدنا صريع الهوى فهي بسترها الرائع وجمالها المكتوم والظاهرمنه غنج دفين واشعاع ,, وتمر هذه الصوره امامنا بسرعه لنرى المرأه اليوم ولايستطيع القلم ان يوصف ماهي عليه اليوم اعانها الله واعان شبابنا وشيابنا ..

     

وانت تقلب كيس الدواء لتبحث عن حبة ما فقد جاء موعدها حتى ضاقت النفس من كثرة الحبوب والشرابات واوامر الطبيب من منع وتحديد وتقليص والنفس امارة بالسوء ,, قلل السكر واياك والملح ونسي ان الملح هو روح الحياة واياك والبرد واياك واياك وكأنك عدت طفلا رضيع يخافون عليك الامراض ويعطوك السوائل لان اسنانك اصبحت في خبر كان ولولا وجود الاجهزه الحديثه في حياتنا لكنا قد فقدنا الامل والصبر ورحم الله من صنع الحاسوب والتلفزيون والهاتف النقال لانك في هذه تصرف جزءا من الوقت الوفير وتحادث الابناء والبنات والاحفاد وتطلع على مايجري في العالم ..

يأتون اليك يسألون عن شي مضى وعن تاريخ اوحادثه لتقص عليهم فانت الاكبر عمرا فيهم ولكنهم لايسألوك عما هم مقبلين على فعله لانك من الطراز القديم ورؤياك تختلف معهم وانت لاتؤيد شراء قميص ماركه بثلاث ورقات او ساعه ماركه بعشر ورقات ولانك تكتفي بساعه الهاتف او بساعتك الجوفيال الاثريه التي لاتريد ان تفرط بها لانها جزء من عمرك  ..

             

ويسير قطار الذكريات برحلته ليعود الى احداث جسام عصفت بالعراق ومنها  يوم الاثنين 14 تموز 1958 نهضنا صباحا لنرى جمهرة من الناس يتحلقون امام مقهى محمود النجفي ومقهى ابراهيم اليتيم ويستمعون لما يذاع من الراديو لم نكن نفقه مايقول ولكنه كنا نرى الشد في اعصاب الجميع حتى صاح الكل الى قصر الرحاب واخرين الى السفاره البريطانيه وقسم قال الى الاذاعه وانتشروا لتظهر بعد ساعات قليله اعمالنا التي لايمكن ان نفتخر بها من جثث وسحل ونهب وحرق وقتل ,, ماابشع تلك المناظر ,, ونحن نركض فرحين لاننا قتلنا ملوكنا وخربنا بلادنا...

               

  

ولايزال المنظر امامي وانا ارى اخي وهو يتسلق تمثال الجنرال مود ليضع في راسه صفيحة القمامه ولتقوم سياره بسحبه واسقاطه ,, كنا نتعتقد اننا انتصرنا على الامبراطوريه البريطانيه واسقطناها ولكننا لم نكن ندري اننا لم نكن سوى غوغاء يحركنا آخرين في الخفاء .

      

وبدأ سيلان الدم في ارض الرافدين وجاء شباط وبعده تموز وتشرين وحزيران وتموز و نيسان والدم يصبغ كل البلاد من شمالها الى جنوبها ولااحد يعرف السبب وتمضي بنا ذكرياتنا في اقتناص الجميل منها وسط الدماء ..

      

لقد كانت احلى ايامنا عندما نشارك اخواننا من المسيحيين في اعيادهم وخاصة عيد راس السنه وانتخاب ملكة جمال بغداد والسهر والانطلاق والطرب ناسين ماجرى ويجري حولنا كانت ايام لاتنسى كنا سعيدين بالرغم من كل شيء ..

  

ونعود اليك يا دجله الخير ونتذكر سفراتنا من خلالك في عبارات النزهه والاحتفال فيها بزواج او ميلاد او حفله يقيمها الاصدقاء ويمخر بنا مركبنا في دجله الى جزيرة ام الخنازير وكانت بخنازيرها اجمل مائة مره بالرغم من تبديل اسمها الى الاعراس حتى خربها اخوان الصفا وسرقوها وهدموا ما فيها ..

وتمخر في رؤوسنا الذكريات كما يمخر المركب في دجله ليقف امام نهر الدم في حرب طاحنه اكلت اخضرنا ويابسنا ورملت الكثير ويتمت الكثير وكان املنا بالله ان تنتهي على خير ولكن من اين ياتينا الخير ونحن لانزال نخوض بدماء بعضنا البعض  ..

  

تعود بنا الذكريات الى جميل طعامنا وكم اشتاق الى اكلة باجه من ايدي وحودي ابن طوبان واكلة سمك مقلي من العم حالوب رحمهم الله او كاسة طرشي من ام عبد الله زوجة حنانش وكم سيخ من معلاق او تكه من ابو ناجي شاكراو كأس من شربت الزبيب من الحاج زباله او لفة ماعون كبه من السراي  ولايزال طعم هذه كلها  تحت اللسان ولكن هيهات ان تجدها اليوم فقد غادرنا كل ماهو جميل ولذيذ ,,

كل بلدان العالم تحافظ على تراثها وتنميه وتجمله الا نحن فليس لدينا الا ان نهدم ونتلف ونحرق ونقتل ونسود صفائحنا بكل ماهو سيء ..

لم يعد لدينا الا حل واحد هو ان نمحي هذه الذكريات باي طريقه ممكنه من الطرق المتاحه لكي لايزداد المنا وحصرتنا ونصبح من الماضي ونحن نعيش الحاضر وهل يوجد اسوء مما نحن فيه الان ..

السلام عليكم

عبد الكريم الحسيني

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

527 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع