الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - الصحافة الساخرة في العراق

الصحافة الساخرة في العراق

  

          الصحافة  الساخرة في العراق

  

   

                                      ا.د.ابراهيم خليل العلاف
               استاذ متمرس –جامعة الموصل

 

  للصحافة العراقية تاريخ حافل وعريق يمتد لاكثر من قرن من الزمان ..  ولقد ابتدأت الصحافة بجريدة "زوراء" التي صدر عددها الاول في 15 حزيران سنة 1869 وسبق لي ان خصصتُ حلقة كاملة من برنامجي هذا للحديث عن جريدة الزوراء .. ومما يلفت النظر  ونحن نوثق للصحافة العراقية انها أي الصحافة العراقية شهدت أنماطا وأنواعا من الصحف فكانت هناك صحافة سياسية واخرى ادبية وثالثة اقتصادية كما اننا وجدنا بأن العراق يمتلك تراثا ضخما من الصحافة الساخرة أو ما تسمى في بعض الادبيات ب" الصحافة الفكاهية"  أو " الصحافة الهزلية " . ولعل ما بيدنا من وثائق يدلنا على ان الموصل كانت الموطن الاول لاول صحيفة ساخرة في العراق كله تلك هي صحيفة جكه باز ومعناها باللغة التركية " المهذار " أو " الثرثار " . وسنقف عندها قليلا .
ان جريدة جكه باز تعد –بحق وحقيق - أول جريدة هزلية صدرت في العراق في سنة 1911 وكانت الموصل مكان إصدار هذه الجريدة وجاء في ترويستها أنها :"  جريدة سياسية ، علمية ، فنية ، أدبية فكاهية " ..وقد  صدرت بحجم 41 في 28سم وباربع صفحات وباللغتين العربية والتركية ، وكانت جريدة أسبوعية صاحب إمتيازها ومديرها المسؤول ( عبد المجيد خيالي )،وقد احتوت الصفحة الواحدة من الجريدة على ثلاثة اعمدة طويلة . وحينما أصدرت كتابي ( نشأة الصحافة العربية في الموصل ) سنة 1982 ذكرت بأنني لم أحصل على أية نسخة من هذه الجريدة ، الا أن الدكتور وائل النحاس الذي أشرفت على رسالته للماجستير عن تاريخ الصحافة الموصلية استطاع حين الاعداد لرسالته العثور على العدد 13 من ( جريدة جكـه باز ) الصادر يوم 25 رمضان 1329هـ ( 6 ايلول 1911 ) وقد اتضح لنا بأن الجريدة سياسية ، كذلك الى جانب كونها جريدة هزلية ، وضم العدد في قسمه العربي مقالات منها على سبيل المثال مقالة عن مرض التيفوئيد في الموصل بقلم كاتب أسمـه (فرج الله ) ومن أبوابها باب إسمه ( إنتقاد ).. ومما يلفت النظر ، أنها كانت تعالج الأخبار السياسية بنوع من الأنتقاد والسخرية .

حين الفتُ كتابي ( نشأة الصحافة العربية في الموصل ) الذي طبعته جامعة الموصل سنة1982 ، اشرتُ في الفصل الثالث ، وكان معنونا بـ : ( صحافة الموصل في عهد حكومة الاتحاديين 1908ـ1918 )، الى أن الموصل شهدت بعد الانقلاب العثماني الذي تم في23 تموز سنة1908 ظهور عدد لاباس به من الصحف ، فقد إستمرت (جريدة موصل ) التي صدر عددها الاول في25 حزيران1885 ، وظهرت الى جانبها ثلاث صحف هي : نينوى( صدر عددها الاول في15 تموز1909) والنجاح(صدر عددها الاول في12 تشرين الثاني1910 )، وجكه باز . وقد حصلت على جريدة الموصل ، وكانت أعدادها محفوظة لدى المرحوم الاستاذ الدكتور محمد صديق الجليلي ، وحصلت على جريدة النجاح لدى المرحوم الاستاذ حسن خير الدين العمري ، أما جريدة نينوى  فحصلت على أعدادها لدى المرحوم الاستاذ متي سرسم ، وبحثت عن جريدة جكه باز ( وتلفظ جنه باز) دون جدوى ، وسألت في حينه رائد الصحافة الموصلية في الخمسينات المرحوم الاستاذ عـبد الباسط يونس ولم أجد جوابا .
كتبت في كتابي آنف الذكر عن ( جريدة جنه باز) مانصه :((.. وكان الى جانب تلك الصحيفتين السياسيتين  اللتين صدرتا بعد إعلان الدستور العثماني في23 تموز1908 جريدة هزلية تركية ـ عربية باسم (جنه باز) أي الثرثار . وقد ظهر عددها الاول في27 حزيران سنة1911 ، ورئيس تحريرها عبد المجيد خيالي )) . وقد إعتمدت في هذه المعلومات على كتاب المرحوم الاستاذ عبد الرزاق الحسني ( تاريخ الصحافةالعراقية ) الذي لم يذكر عن جريدة جنه باز غير تلك الاسطر القليلة .
وقد ذهبت في كتابي الى أن صاحب جريدة جنه باز ( عبد الله جنباز) هو رجل موصلي نشر بيانا دعا فيه أهل البادية الى القيام بثورة ضد العثمانيين ، وقد بعث بنسخ من هذا البيان الى ديار بكر والسليمانية وكركوك واقضية ولاية الموصل . وقد قبض والي ديار بكر على عدة نسخ منه وعليها  طابع بريد الموصل . فارسل به الى والي الموصل فكبست دار ( عبد الله جنباز) وأرسل مخفورا الى الاستانة ليحاكم أمام ديوان الادارة العرقية بتهمة الاخلال بالامن العام) ، وقد وردت هذه المعلومات في مجلة لغة العرب ، حـ3 ، سنة(3) ، صفر1332 (كانون الاول1914).

وقفت عند هذا الحد ، وأنتظرت قرابة(6) سنوات ، ولم أحصل على اي عدد من جريدة (جكه باز) .. وبعد أن سجل  تلميذي ( وائل علي أحمد النحاس) رسالته للماجستير في قسم التاريخ بكلية الاداب/ جامعة الموصل بعنوان : (تاريخ الصحافة الموصلية1926 ـ1958) وكانت بأشرافي ، طلبت منه السعي للحصول على الجريدة وقد بحث طويلا ولم يعثر إلا على عدد واحد منها وقد فرحت كثيرا بذلك واخبرت المرحوم عبد الباسط يونس بذلك ، فشاركني فرحتي .
صدرت جريدة جكه باز وتعني ( الثرثار) أو ( المهذار) في الموصل بتاريخ 27 من حزيران سنة1911 وقد جاء في ترويستها أنها :( جريدة سياسية علمية فنية أدبية ، فكاهية ) كان صاحب الامتياز والمدير المسؤول لها هو ( عبد المجيد خيالي) .. إحتوت الجريدة أربع صفحات أثنتان باللغة العربية وإثنتان باللغة التركية ، وضمت كل صفحة ثلاثة أعمدة طويلة وحجم الجريدة كان(41 × ل28سم) .. والعدد الذي عثرنا عليه هو العدد(13) الصادر في25/رمضان/1329هـ الموافق ليوم6 أيلول1911 .
مع أن الجريدة ثبتت في صدر صفحتها الاولى بالتركية  إنها جريدة (مِزاحي غزته در) أي جريدة فكاهية أو هزلية ، لكنها وضعت هذه الصفة بعد عبارة (جريدة سياسية ، علمية ، فنـية ، ادبية ) لذلك وجدنا أن العدد الذي اشرنا اليه  يضم مادة إخبارية كثيرة ، كما انه ضم ابوابا عديدة منها ( حوادث) و( مقتطفـات) و( إنتقاد) .
وقد نشر في القسم التركي من الجريدة أنباء الترقيات . وفي باب حوادث أخبار عن رعايا الدولة العثمانية ، وثمة أخبار عن تجريد حملة عسكرية ضد عشيرة شمر وأخبار عن وضع الحدود العثمانية ـ الفارسية .. وفي القسم العربي ثمة مقال عــــن ( مرض التيفوئيد في الموصل ) كتبه رجل إسمه ( فرج الله ) وهناك أخبار عن اليمن ومصر والاناضول وإستانبول نشرت تحت باب ( مقتطفات).
لانعرف متى توقفت (جريدة جكه باز) عن الصدور ، الا أن جريدة صدى بابل البغدادية لصاحبها داؤد صليوا ( الموصلي) نشرت خبرا في عددها الصادر يوم5 تموز1912 جاء فيـــه :(( وقفنا على خبر تعطيل جرائد الموصل لاسباب واهية يرفضها العقل السليم ويمجها الذوق السليم ..)). وأضافت تقول :(( قاتل الله الغايات وبخ بخ لها من جرائد حرة أوقفت نفسها خدمة للأمة والوطن ..‍‍‍‍‍‍))والجرائد الثلاثة التي إحتجبت هي( نينوى، النجاح ، جكه باز).
ويبدو ان  ثمة عوامل سياسية تتعلق بالصراع بين جماعة حزب الاتحاد والترقي الحاكم والمعارضة المتمثلة بالحزب الحر المعتدل وحزب الحرية والائتلاف كانت وراء توقف تلك الصحف التي كانت ، بحق ، علامة من علامات النهوض الثقافي في العراق  إبان تلك الفترة الحالكة.

           

خلال السنوات الاولى من الحكم الوطني في العراق أي سنوات العشرين  وحتى اندلاع ثورة 14 تموز 1958 وتأسيس جمهورية العراق وسقوط النظام الملكي ( 1921ـ 1958 ) ، صدرت في العراق جرائد هزلية عديدة منها على سبيل المثال جرائد : ( كناس الشوارع ) و ( حبزبـوز ) و ( قرنـــدل ) و ( الفكاهــة ) و ( الكشـكول ) .  
ففي الاول من نيسان سنة 1925 صدر العدد الاول من جريدة ( كناس الشوارع ) وكان صاحبها ومديـرها المسـؤول ( ميخائيل تيسي ) وكان نقدها منصبا على شؤون الحياة المختلفة ، التي أدت الى تأخر العراق ثقافياً واقتصادياً ودارت معظم مقالاتها على ضرورة الاهتمام بالنظافة وانارة الشوارع ، وتبليط الطرق وردم المستنقعات وكشف المتلاعبين بقوت الشعب . كما انتقدت البدع والخرافات ودعت الى الاهتمام بتربية الجيل تربية صحيحة ، وكثيراً ما استخدمت ( الشعر الشعبي ) والغمز واللمز كاساليب للنقد السياسي وقد احتجبت في 2 كانون الاول 1926 اثر تعرض صاحبها لمحاولة اغتيال . ولد ميخائيل تيسي سنة 1895  وتوفي في سنة 1962 وبين هذين التاريخين كانت له حياة حافلة بالمتاعب والشدائد وقد خلقت منه تلك الحياة واحدا من ابرز رواد النقد الهزلي الصحفي في العراق .. ومن مفارقات القدر انه عمل في مطلع حياته بالتجارة لكنه لم يفلحْ .  فأتجه الى الوظيفة الحكومية وعين سنة 1918 رئيس كتاب في دائرة الاوقاف ثم انتقل للعمل في ديوان وزارة الدفاع وبعدها أختير ليكون قائمقاما لقضاء الشيخان في الموصل لكنه استقال من وظيفته - كما يقول الاستاذ حميد المطبعي - ليتوجه نحو المهنة التي أحبها وهي : الصحافة ؛ فأصدر جريدته "كناس الشوارع " في الاول من نيسان سنة 1925 .كما أصدر جريدة اخرى بأسم :" سينما الحياة " في 17 كانون الاول سنة 1926 وبعدها اصدر مجلة بعنوان :" مرآة الحال " في 15 تشرين الاول 1926 وقد اتخذها ساحة للنقد الاجتماعي الصارخ . وكان يستهدف من وراء ذلك - كما كان يقول - تعرية الاوضاع الاجتماعية البالية ؛ لذلك تعرض للملاحقة والمطاردة القانونية ولم يجعله ذلك يتوانى عن اداء رسالته فأصدر جريدة "الناقد " سنة 1936 .لم يكتفِ بما اصدر من صحف بل توجه نحو الكتابة فألف كتابه :" ماهية النفس ورابطتها بالجسد " سنة 1922 وكتاب :" نقدات كناس الشوارع " ويقع في خمسة أجزاء وطبعه في القاهرة وبغداد بين سنتي 1922 و1926 .وقد مارس كتابة القصة وله :" ضحية العدالة " وهي قصة طويلة اقرب  ما تكون الى الرواية أصدرها سنة 1929 . وله ايضا روايات مطبوعة وكتب مترجمة أخرى .

اما جريدة ( حبزبوز ) الاسبوعية فتعد من ابرز الجرائد الهزلية ذات الطابع السياسي . وقد جمعت بين الكاريكـــاتير الانتقادي والمقال الهزلي الساخر ، صدر عددها الاول في 29 ايلول 1931 ولأن صاحبها ومديرها المسؤول ( نوري ثابت ) الملقب ( حبزبوز ) أي (الشاطر ) أو ( النبيه ). وسلكت الجريدة الاسلوب الرمزي لكشف مساوئ الادارة الحكومية وتقاعس الموظفين . ولعل من ابرز رسامي الكاريكاتير الذين عملوا في الجريدة ،( كان هذا الفن قد دخل الصحافة العراقية آنذاك لاول مرة ) سعاد سليم وعبد الجبار محمود ، ومحمود ابو طبرة. وفي 12 تشرين الاول 1938 توفي صاحبها فاحتجبت عن الصدور وكان لها تأثيرها الفاعل في المجتمع خاصة وانها قـد لاقت انتشاراً واسعاً ورواجاً شديداً .
كتب الاستاذ جميل الجبوري كتابا كبيرا عن جريدة حبزبوز نشرته وزارة الثقافة والاعلام في بغداد سنة 1986 بعنوان :" حبزبوز في تاريخ صحافة الهزل والكاريكاتير في العراق " .ويعد من الكتب الرائدة المعمة والتي تعد مصدرا  رئيسا من مصادر الصحافة الساخرة في العراق .وقد قال في كتابه : ان حبزبوز كانت منذ سنة 1961 شغله الشاغل ، فبدأ بجرد الجريدة وجمع الوثائق عنها ، وعن مؤسسها نوري ثابت .كما التقى - خلال تلك الفترة وحتى تأليفه الكتاب - عددا من الذين عملوا في هذه الجريدة ومنهم رسامها  الكاريكاتيري مصطفى  أبو طبرة ، والذي قدم له كل ما يملكه من معلومات ووثائق نادرة وصور خاصة . كما ساعده في الاتصال بمن كان يعرف نوري ثابت .وقف المؤلف عند صحافة الهزل والكاريكاتير في العراق بشكل عام وعَرف بأبرز أعلامها وقدم نماذج من  انتاجاتهم الصحفية .كما تناول نوري ثابت –حبزبوز – منذ ولادته وحتى وفاته وجرد المقالات التي كتبها مستنبطا منها مكونا الرأي فيه ،له أو عليه .وقد وصل الى نتيجة مهمة وهي ان نوري ثابت كان يحمل رسالة مقدسة وهي تعميق الوعي عند  قرائه ومتابعيه وكاشفا لهم مساؤئ مجتمعهم بأسلوب ساخر يساعدهم في ايجاد الحلول لابرز مشكلاته وهمومه فكان –بحق جوادا ، واصيلا في مهمته .. وقد  ناء بأعباءِ ثقال ، فما نكص ، ولا وهن ، ونزه نفسه عن التكسب ، والتوصل وما ارتضى لكرامته ان تُباع في سوق المنافع الخاصة .

   

  وفي 20 شباط 1947 صدر العدد الاول من جريدة ساخرة بغدادية باسم ( قرندل ) ويعد صاحبها ( صادق الازدي) من أبرز العراقيين الذين استخدموا النقد المشوب بالسخرية في الكشف عن اعداء البلاد وتحديد مواطن الفساد والخيانة في مؤسسات ودوائر الحكم الملكي المرتبط بالاستعمار البريطاني .  وقد جاء في ترويسة المجلة انها : (مجلة فكاهية أسبوعية ) وصدرت في 24 صفحة وبغلاف ذي لونين وقد اسهم في تحريرها عدد من الكتاب  والادباء المعروفين منهم عبد المجيد لطفي وجعفر الخليلي وعبد الرزاق الهلالي وخالد قادر وسعاد الهرمـزي وحـافـظ القباني ، وقد استمرت في الصدور حتى اندلاع ثورة 1958 .

    

وسرعان ما صدرت في العراق صحفاً هزلية اخرى نذكر منها " مجلة الفكاهة" لصاحبها ( حميد المحل ) .. وقد صدرت سنة 1963 وتوقفت في 13 شباط 1971 وقد ترأس تحريرها محمود بهجت ورشيد النجار .كان حميد المحل فضلا عن كونه صحفي ساخر رسام كاريكاتيري وناقد  اجتماعي من الطراز الاول ولد في مدينة الخالص بمحافظة ديالى سنة 1930 ..تخرج في معهد الفنون الجميلة سنة 1948 وسافر الى باريس حيث دخل كلية الفنون العليا اواخر الخمسينات وبعد عودته الى العراق ، عمل في التلفزيون رئيسا  لقسم الديكور .. وقد أحب الصحافة وقيل بأنه  اول من ادخل رسوم الكاريكاتير الى الصحافة العراقية سنة 1950 .كما  كان من اوائل الذين صمموا الديكور في تلفزيون بغداد .اصدر فضلا عن مجلة الفكاهة مجلة "صندوق الدنيا " .وله كتاب بعنوان :"شوف عندك ياسلام " وكتاب "الامثال في صور " .كان من مؤسسي جمعية "اصدقاء الفن " سنة 1939 .
اما ( الكشكول ) التي أصدرها ( حمادي الناهي ) في الموصل في 12 نيسان 1962 فكانت مجلة متميزة لها دورها الفاعل في ترسيخ قيم النقد والسخرية لكل مظاهر الفساد والا نحراف وهكذا فالصحافة الهزلية علامة مميزة في تاريخ الصحافة العراقية .
 قلنا ان  الصحافة العراقية  حفلت منذ صدور جريدة الزوراء ببغداد في الخامس عشر من حزيران سنة 1869 بالكثير من الا نماط .. فالى جانب الصحافة الجادة ، كانت هناك صحافة ساخرة او هزلية .. وتعد جريدة جكه باز أي الثرثار التي صدرت في الموصل سنة 1911 اول صحيفة عراقية ساخرة  ولقد توالى صدور العديد من الصحف الهزلية في العراق ، لعل جريدة حبز بوز التي اصدرها الصحفي المقتدر نوري ثابت بين سنتي 1931 ـ 1938 من اهمها .. ومن الطبيعي ان يتربى في احضان هذه الجريدة صحفيون اتخذوا من السخرية والهزل اسلوبا في مناقشة قضايا الحياة والمجتمع والسياسة في العراق ومن هؤلاء المرحوم الاستاذ حمادي الناهي .
ولد حمادي بن مريح بن سلم بن سعيد الناهي الطائي في البصرة ، سنة 1915 لكنه لم يبق كثيرا هناك ، اذ سافرت اسرته الى الموصل وفيها أكمل دراسته الاعدادية ، وقد كتب صديقنا الاستاذ علي حسين الجابري مقالة متميزة عن حمادي الناهي في جريدة العراق (البغدادية) (15 نيسان1992) بعنوان : ((حمـادي الناهي: رحيل صامت لرجل صاخب )) جاء فيه قبل رحيله أن حمادي الناهي اودعه قبل رحيله جانبا من ((اسراره)) و((افكاره)) وذلك في حوار بينهما جرى يوم 27 تموز سنة 1987 في بغداد.
عمل حمادي الناهي مع نوري ثابت في حبزبوز ، وبعد وفاة ثابت نقل حمادي الناهي نشاطه الصحفي الى الموصل فاصدر جريدة ( الكشكول) بعد ان فشل في اصدار جريـدة ببغـداد باسم ( البهلول) بعد وفاة نوري ثابت سنة 1938 ، اذ ان الحكومة وكانت انذاك حكومة جميل المدفعي الرابعة في الحكم ( تالفت في 17 آب 1937 واستقالت في 24 كانون الاول 1938) .
الف غالب الناهي كتابا سنة 1954 ارخ فيه لمجموعة من مفكري العراق ، تحدث فيه عن عمه ( حمادي الناهي) واحتسبه من صحفي ومثقفي الموصل وقال عنه ((ان إسم حمادي الناهي الكاتب الساخر الذي استطاع ان يلج النفوس ، ويسيطر على القلوب باسلوبه الساخر الغني ، هو عندي شبيه ببرنادشو ، الكاتب الايرلندي الساخر . فلقد وظف حمادي الناهي ، كما قال الجابري ، حسه النقدي ، وبلاغته التراثية الثرة ، ودعابته الحاضرة المعاصرة ، واسـلوبه اللاذع في عــرض افكـاره  ( اللاخلاقية والوطنية والقومية) في مرحلة خطيرة من مراحل التاريخ العربي المعاصر ، حيث المواجهـة مع الاستعمار والصهيونية . وقد عكس حمادي الناهي افكاره هذه في كتاب كبير ما يزال ، للاسف ، مخطوطا وهو بعنوان : ((حربنا مع الانكليز)) وقد الفه سنة 1941 ابان ثورة مايس المعروفة . ومما قاله في هذا الكتاب المخطوط في حق العرب ((من الحكمة السرمدية الالهية البالغة ، ان الله جل شأنه قد اوعز الى النبي الاعظم محمد صلى الله عليه وسلم ان لاينطق عن الهوى ((ان هو إلا وحي يوحى ، علمه شديد القوى )) النجم(53،54) وعن ابي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان بقاء العرب نور للاسلام و ((اذا ذلت العرب ذل الاسلام )) و((من غش العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي)) اخرجه الترمذي في جامعه ..
وحول توجه حمادي الناهي الوطني والقومي قال بانه قد تأثر بهذه الافكار منذ صغره و((لقد تغذيت من لبان الروح القومية وفهمتها فهما وثيقا .. ولكل عربي وطنان ((صغير وكبير) فالوطن الصغير هو بلده الذي ولد فيه ، وترعرع في ربوعه . اما الوطن الكبير فهو البلاد العربية باجمعها )) .
أسهم حمادي الناهي في ثورة مايس 1941 وكانت له علاقة بالضباط الذين قادوا هذه الثورة ومنهم صلاح الدين الصباغ وزملائه ، وبعد فشل الثورة هرب الى سوريا وانخرط هناك في العمل السياسي وكانت له صلات مع قادة فلســـطين  وسوريا ولبنان امثال الحاج امين الحسيني وفوزي القاوقجي وامين رويحة وسعد الله الجابري وعبد الرحمن الكيالي وبشارة الخوري ورياض الصلح . كما تعاون مع عدد من الرواد القوميين والاشتراكيين الذين جعلوا من ( الساحة الشامية) مكانا لنضالهم السياسي ومنهم ( محمد اليتيم من البحرين)  و(عباس كاشف الغطاء من العراق) و( خالد بكداش من سوريا) . ومما يلحظ ان ثمة تباين في اتجاهات اولئك السياسيين لكن هذا لم يمنع من ان يؤكد حمادي الناهي في مذكراته غير المنشورة والتي تحمل عنوان : ( مذكرات عن الحركة القومية في بلاد الشام : سوريا ولبنان وفلسطين) انه احتفظ بموقفه الوطني والقومي وهذا ما دعاه الى إنتقاد المواقف الشيوعية والنازية والرأسمالية الغربية من القضايا العربية ومنها قضية فلسطين .
اصدر حمادي الناهي بعض الكتب ، طبع منها كتابيـه الاول : ( ثمانون والف ليلة في السجون) وهو بجزئين . والثاني مقررات حزب الحمير وهو بجزأين ، طبع الجزء الاول فقط ، اما الجزء الثاني فلا يزال مخطوطا . وقد قام حمادي الناهي بقرابة (77) رحلة الى مناطق العراق المختلفة ، فلقد جال العراق من أقصاه الى اقصاه ، وكتب عن المدن والقرى والارياف والمصايف والجبال والانهار والاهوار والصحراء .. من اقصى الزبير الى حدود زاخو ونشر جانبا من وصف تلك الرحلات في جريــدته الكشكول . وقد اتقن الناهي اللغة الكردية الى جانب اللغة العربية .. كما زار الناهي عددا من البلدان العربية , ونشأت بينه وبين صحفييها علاقات وثيقة استفاد منها في مقالاته . استقر في الموصل اواخر حياته وتعرض للمرض وفقد بصره وتوفي في كانون الاول سنة 1990 تاركا الكثير من المقالات التي تعالج قضايا العراق والبلدان العربية باسلوب ساخر وبناء . رحمه الله وجزاه عنا خير الجزاء فلقد قدم ما يفيد وطنه وامته .

 

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

730 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع