المتغيرات الطارئة على حركة الاستشراق

 أ. د. نزار الربيعي

المتغيرات الطارئة على حركة الاستشراق

منذ سنوات وحتى قبل أن ينحو الاستاذ برنارد لوس باللائمة على الدارسين العرب، لاسيما الذين ادانوه من خلال ادانتهم الحركة الاستشراق، كان الكاتب اليهودي الامريكي رفائيل بتاي، الذي سكن القدس لفترة، يتخذ مثل هذه الادانة سبيلا لتوصيف الذهن العربي، جازما ان "الكبرياء العربية" تقبع خلف اتهامات الدارسين العرب للمستعربين الغربيين الذين بدوا لهذا الذهن، كما يرى عملا لوزارات خارجية بلدانهم يرومون تزوير تاريخ العرب وتشويهه عن قصد .
وليكن كتاب روبن ونكس Robin W Wiinks المعنون & Cloak Yown قد ظهر بعد وبالرغم من ان هذا الكتاب يتجنب الخوض في ما يخص المنطقة العربية الا انه
يؤكد حقيقة الارتباط الوظيفي او المعلوماتي بين اطراف البحث والدراسة وبين صناع القرار، ذلك لان صناعة القرار السياسي لدى اغلب الدول ذات المصالح الكبرى لا تظهر من فراغ بل تبنى عليها قراءات دقيقة، او مرتبكة او مغلوطة عن وضع مناطق معينة وعاداتها وتقاليدها ولغاتها وثقافتها. اي ان المادة الأولية التي قد لا تتدخل في النوايا الاساس يمكن لها ان توجه هذه النوايا في هذا الاتجاه أو سواه. ولهذا السبب تصبح دراسة الفكر الاستشراقي كبيرة الاهمية لدى المثقفين العرب، لا على اساس انها دراسة متوجهة بنزعة الادانة او الرفض بل على اساس انها تمثل بعضا من الذات، أو اليقظة الفكرية، التي يتم بموجبها رؤية وعي الذات من خلال ملاحظة اتجاهات رؤية الآخرين وتصوراتهم، ومن ثم تبين ما يستحق المعالجة الذاتية او الاعتراف ببعض هنات هذه الذات والسعي لتصويبها أو بعكس ذلك تقصي الصور المشوهة او المغلوطة على اساس ان بعض هذا التشويه جرى او حصل عمدا او قصدا، بينما يظهر بعضه عن جهل او اخفاق او نقص في المعلومات والتصورات. ولا يهدف الجهد في مثل هذه الحالة، أو لا ينبغي له أن يطوف في هذا الميدان قصد التسلية او تقريع الذات او ادانة الآخر، بل يلزمه ان يتبين تبعات هذا الأمر فى القرار السياسي، وما يستتبع ذلك من توفير فرصة احسن للمواجهة او التحاور. ولهذا فان هذا الموضوع ليس معنيا بالاستشراق في جوانه الالسنية او الادبية المحض، ولا بتلك الجهود المعرفية الكبيرة التي بذلك على اصعدة تحقيق النصوص او دراستها، بل هو يعني بالافكار الاساس او المرتكزات الاوضح للاستشراق السياسي.
و "الاستشراق" في مثل هذه الحالة، وفي ضوء ما قدمه ادوارد سعيد ، يقصد به مجموع الجهود التي بذلت لدراسة الشرق على انه تكوين ثابت بمعنى خضوعه للوصف والتحليل والمعالجة، ومن ثم الاحتواء وبالرغم من ان الاستشراق ينبغي ان يعني بالشرق الا انه في واقعة معني بالاسلام وتحديدا بالمنطقة العربية على اساس ان عظمة الاسلام، كما يقول بيرغر، طابقت عظمة العرب، لكن العظمة المقصودة لا تنحصر في نطاق المنجزات المعرفية، بل تتجاوز ذلك كثيرا الى المواصفات الجغرافية لما سمي في الادبيات الاستشراقية بــ(الامبراطورية) حيث تقترن العظمة بالاتساع بينما يترادف الأفول مع الانحسار.
وعلى الرغم من ان المتغيرات الطارئة على حركة الاستشراق، قبل المؤتمر الأول وفي عام ۱۸۷۳ وبعده، الا ان مراحله التاريخية لا تعنى موت هذه الحركة بل تلونها واتساعها في منظومات معرفية وعملياتية جديدة لها علاقة وطيدة بما يجري في عالم اليوم. لكن ضرورات المناقشة تستدعي القبول بما جرى الاخذ به عند انور عبد الملك وادوارد سعيد بعده ، وغيرهما حيث مر الاستشراق بمرحلتين تفكير واداء تشغل افكار ارنست رينان في أولاهما مكانة متميزة، بينما تشغل النزعة الامريكية للدراسة الميدانية حيزا واضحا في ثانيهما.
اي ان افكار رينان المطمئنة الى التوزيع العرقي للحضارة وصراعها تشكل اساسيات المرحلة الاولى، وتكاد تؤثر تأثيرا بالغا في الكتابات المختلفة التي ظهرت عن الشرق العربي كما انها اسقطت نفسها بقوة على اتجاهات السياسية الاستعمارية، سواء تجسدت عند نابليون او عند كرومر، كما سيتبين، بينما يفترض ان تقود الاهتمامات الجديدة بالدراسات الحقلية او الميدانية في الخمسينات الى وضوح اكبر في الرؤية، لكن صعوبة خلاصها من ذلك الخزين المتراكم في الذاكرة يجعل مثل هذا الخلاص امرا مستحيلاً. المنتوج المعرفي وعلى الرغم من ان المعرفة الاستشراقية ليست مهتمة كلا، ولا ينبغي ان تكون الا ان براءة المنتوج المعرفي لا يبرئ ضرورة طرائق استخدامه او توظيفه شأن افاق المعرفة وموادها في المجالات التخصصية.
واذ تتوزع المعرفة فى مثل هذه الحالة الى تكوينات للتاريخ وتفسيرات وتأويلات وتحقيقات للنصوص ودراسات فقهية شأن نتاجات بروكلمان ومرغليوث وغولدزيهرونولدکه واخرى "عملياته"، تقترن بالمسعى المعلن لعملاء "الامبراطورية" البريطانية او غيرها مثلا، فان عزل الامرين بات لازما اي ان عناية كرسون Curson بالدراسات الشرقية على أنها "الاثاث" اللازم للامبراطورية، كما جاء في خطاب له امام مجلس اللوردات البريطاني ليست مرادفة لعناية الدارس المتخصص، فالثاني منهمك بعمله، بينما يستعين الأول بهذه المعرقة لاداء وظيفته السياسية، أو انه يسعى لتوجيه النشاط المعرفي توجيها نفعيا كذلك الذي يعني به الدارس والوكيل الهولندي Snouk Hurgronje . وفي الواقع يجمع الاخير جمعا صريحا بين الاثنين ممثلا الاستشراق السياسي الذي يستحق الادانة والاتهام دون موارية، فهو صاحب مقولة متكررة خلاصتها "كلما اصبحت رؤى تاريخية وقانونية حول كتابات المستشرقين الدول الاسلامية تحت نفوذنا اشتدت اهمية دراسة حياتها وثقافتها وكان هذا النهج هو الذي اختطه رجال الامبراطورية في بريطانيا، حيث عنى بلفور مثلا بالاصلاح السياسي في مصر على انه بعض من خطة بريطانيا ازاء هذه المنطقة من العالم. وعندما انعقد المؤتمر الاستشراقي الأول في عام ۱۸۷۳ كان رجال الامبراطورية في بريطانيا يضعون نصب أعينهم المهمة السياسية للمعرفة على انها احد مكونات القوة والهيمنة والاحتواء.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

830 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع