
بقلم: الأستاذ الدكتور أنور أبو بكر كريم جاف
الهالة العلمية وتزييف الشرعية: بين مقام المعرفة ونفوذ الرعاية
ليس كل اقترابٍ من العلم علمًا، ولا كل من جاور العلماء عالِمًا، ولا كل من موّل البحث باحثًا. ومع ذلك، ترسّخت في المجال العام ظاهرة مُقلِقة باتت تؤدي وظيفة رمزية تتجاوز حدود المعرفة، هي ظاهرة “الهالة العلمية”، حيث تتحوّل رعايةُ البحث إلى أداة تلميع، ويُستبدل البرهان بالمشهد، ويُعاد إنتاج الشرعية عبر الصورة لا عبر المنهج. هذه الظاهرة لا تُشوّه العلم فحسب، بل تُربك معايير المساءلة الأخلاقية والقانونية، وتُضعف الثقة العامة بالمؤسسات المعرفية.
العلم مقامٌ معرفيّ يُستمدّ من إنتاجٍ قابل للتحقق، ومن انضباطٍ منهجي، ومن خضوعٍ دائم للمراجعة والنقد. العالِم يُعرَّف بما يكتبه ويُناقَش له ويُفحَص، لا بما يحضره من مؤتمرات ولا بمن يجاوره في الصور. قيمته كامنة في الحجّة، لا في الحضور، وفي سلامة المنهج، لا في كثافة العلاقات. أمّا الراعي المالي، مهما بلغت مساهمته، فتظلّ وظيفته تمكينًا لا إنتاجًا، ونفوذه موارد لا أفكارًا، ومسؤوليته تُقاس بشفافية التمويل وأخلاقياته، لا بصحّة الفرضيات ولا بمتانة النتائج.
غير أنّ الخلط بين المقامين صار ممارسةً شائعة تُنتج “شرعية مُستعارة”. يكفي أن يُحيط صاحب المال نفسه بأسماء أكاديمية وازنة، أو أن يُنشئ مؤسسات تحمل تسميات بحثية، أو أن يستعير لغة المختبر والتقنية، حتى تتكوّن صورة ذهنية تُسقِط السؤال وتُغري بالتصديق. في هذا السياق، لا يعمل العقل النقدي، بل تعمل الهالة؛ والهالة لا تُقنع بالحجّة، بل تُعطِّلها. هذا التعطيل هو الخطر الحقيقي، لأنه يُحوّل العلم من معيار للمساءلة إلى درعٍ ضدّها.
تتجلّى خطورة هذه الممارسة في استخدامها لتبييض السمعة لا لتطوير المعرفة. تُستدعى الجامعة بوصفها أعلى مراتب الثقة الرمزية، ويُستدعى العالِم بوصفه شهادة نزاهة غير مكتوبة، وتُستدعى الندوات والمؤتمرات بوصفها ضجيجًا أخلاقيًا يربك الحسّ النقدي. لا يُواجَه السؤال بالجواب، بل بالمشهد؛ ولا تُفند الوقائع بالتحقق، بل بالأسماء؛ ولا تُدار الشفافية بالتصريح، بل بالتكثير. هنا تتحوّل الرعاية إلى “ترخيص رمزي”، ويتحوّل القرب من المعرفة إلى بديل عن الخضوع لها.
من زاوية قانونية–أخلاقية، تطرح هذه الظاهرة إشكالًا مزدوجًا. الإشكال الأول يتعلّق بتضارب المصالح، حيث يصبح حضور العالِم جزءًا من منظومة تلميع لا من منظومة نقد، وتغدو المؤسسة الأكاديمية وسيطًا في صناعة الانطباع لا في إنتاج الحقيقة. الإشكال الثاني يتعلّق بمفهوم المساءلة العامة، لأن السمعة المُلمَّعة تُنشئ حصانة غير منصوص عليها، تفتح أبواب النفاذ والتأثير من دون رقابة، وتُفرغ مبدأ الشفافية من محتواه الإجرائي.
التمييز الصارم بين العالِم والراعي ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورة معيارية. العالِم يُسائل ويُسائل، والراعي يُموِّل ويُصرِّح. العالِم يخضع لمجتمع نظراء، والراعي يخضع لقواعد الإفصاح. خلط الأدوار يُفسد الاثنين معًا: يُضعف العلم، ويُفسد الرعاية. والقول بغير ذلك يُفضي إلى إضفاء شرعية معرفية على النفوذ، وإلى تحويل المعرفة إلى واجهة علاقات.
إنّ خطورة “الهالة العلمية” تكمن في قدرتها على إنتاج قبولٍ اجتماعيّ بلا تحقق، وتأثيرٍ مؤسسيّ بلا مساءلة. السمعة هنا أخطر من الحكم، لأن الحكم يُراجع ويُقيَّد بملف، أمّا السمعة المُصنَّعة فتُمارس أثرها بصمت، وتمنح نفاذًا واسعًا، وتؤجّل السؤال. لذلك، لا يكون العلاج في رفض التمويل، بل في إخضاعه لقواعد صارمة من الشفافية، ولا في عزل العلم عن المجتمع، بل في حماية استقلاله، ولا في تخوين القرب من السلطة، بل في ضبطه بمعايير أخلاقية وقانونية واضحة.
يبقى العلم علمًا بقدر ما يُقاوِم التوظيف، وتبقى الجامعة جامعة بقدر ما تحمي الفرق بين المعرفة والوجاهة، ويبقى العالِم عالِمًا بقدر ما يُقدّم قوله للمحكّ لا للصورة. أمّا الهالة العلمية، فتبقى أخطر أشكال التزييف، لأنها لا تُكذّب الحقيقة صراحة، بل تُلمِّعها حتى يختفي السؤال.

1357 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع