هل يحق للأغبياء أن يحكموا في دولة الفساد؟

بدري نوئيل يوسف

هل يحق للأغبياء أن يحكموا في دولة الفساد؟

الغباء: أن تكون المشكلة واضحة، وتطالب بمزيد من الشرح. وعقل مغلق بفخر مفتوح. وأن تخسر كل مرة وتصرّ أنك تنتصر. ورأي لا يحتاج معرفة، فقط صوتًا عاليًا. وأن تعتبر التفكير خيانة. وأن تطلب حلولًا وأنت تكره من يفهم المشكلة. وأن تثق بنفسك أكثر مما ينبغي لأنك لا تعرف ما لا تعرفه. وأن تهاجم الفكرة لأنك لم تفهمها.
في دولة الفساد تلك الجوهرة المخبأة خلف دخان الاجتماعات الرسمية يُطرح السؤال الأهم: هل يحق للأغبياء أن يحكموا؟ وهو سؤال غير عادل في الواقع، لأننا بذلك نفترض أن هناك من أذكى منهم ينتظر دوره في الطابور، وما أكثر الطوابير التي تنتهي بلا نتيجة.
الأغبياء في دولة الفساد ليسوا مجرد عابرين في طريق السياسة، إنهم العمود الفقري للنظام. بفضلهم تستمر الحياة بشكل "مفهوم" للجميع: القرارات غير مفهومة، القوانين متناقضة، والمؤتمرات مليئة بالتصفيق أكثر من الكلام. فهم لا يحتاجون إلى رؤية للمستقبل، لأنهم بالكاد يتذكرون الأمس، ولا إلى خطة عمل، فالشعار المقدس هناك هو "هنشوف بعدين".
في دولة الفساد، الذكاء عيب، والنقد جريمة، والفهم مؤامرة. بينما الغباء يُكافأ بالمناصب ويُوشّح بالألقاب. فالأغبياء يمتلكون سلاحاً خارقاً: لا يشعرون بالعار، ولا يبالون بالفشل، لأنهم ببساطة لا يلاحظونه. تماماً كما لا يشعر التمثال بالتصفيق من حوله.
لكن ربما نحن غير منصفين لهم، فالأغبياء في هذه الدولة يمارسون السياسة بطريقتهم الخاصة: يكذبون بصدق، يخطئون بإصرار، ويتعثرون بثقة. وكأنهم يقولون للعالم: "من قال إن الغباء لا يمكن أن يكون نظام حكم؟"
ولكيلا نظلم دولة الفساد، فالأغبياء ليسوا وحدهم هناك. بل هناك جمهور وفيّ يصفّق لهم، يبرر لهم، ويدافع عنهم كأنهم منقذو البشرية. هؤلاء ليسوا ضحايا، بل شركاء، فالغباء في تلك الأرض لُغة رسمية، تُكتب بها البيانات، وتُناقش بها الخطط، وتُدار بها البلاد.
إذًا، هل يحق للأغبياء أن يحكموا؟ في دولة الفساد ليس السؤال مطروحاً. لأن الأغبياء هناك لا يحكمون فقط، إنهم هم الدولة نفسها.
في دولة الفساد، السؤال لا يُطرح همسًا، بل يصرخ ساخرًا: هل يحقّ للأغبياء أن يحكموا؟
والأدقّ: هل يحقّ لهم ألا يحكموا؟
لنكن واقعيين. في دولة الفساد، الحكم ليس امتحان كفاءة، بل مسابقة مرونة أخلاقية. الذكاء الزائد عيبٌ خطير؛ لأنه يثير الأسئلة، والأسئلة تفسد الصفقات، والصفقات هي العمود الفقري للوطن… أو ما تبقّى منه.
الغبيّ هنا ليس ذلك المسكين الذي يخلط بين العاصمة والعاصفة، بل ذاك الذي يتقن فنّ عدم الفهم المتعمّد. لا يرى فسادًا لأنه لا يريد أن يرى، ولا يسمع احتجاجًا لأنه مشغول بسماع صوته في المرآة. هذا النوع من الغباء كنز استراتيجي: لا يعارض، لا يقلق، لا يشكّ. ينفّذ بابتسامة وطنية عريضة ويوقّع وهو يظنّ أن “التوقيع” نوع من الوطنية.
أما الذكيّ، فمزعج. يسأل: لماذا؟ كيف؟ من المستفيد؟ وهذه أسئلة تخريبية في دولة الفساد. الذكيّ يحتاج أرقامًا، والفساد يعيش على الضباب. الذكيّ يطلب قانونًا، والفساد يفضّل “تفاهمات”. الذكيّ يريد دولة، بينما الفساد يريد شركة عائلية باسم الوطن.
ثم إن الغبيّ حاكم مثالي لأنه قابل للتحديث. اليوم يقتنع بشيء، وغدًا بنقيضه، وبعد غدٍ ينكر الاثنين ويطالب بالتصفيق. لا مشكلة؛ ذاكرته قصيرة، وخطبه أطول. يخلط بين الشعارات كما يخلط بين الملفات، وفي الحالتين يخرج رابحًا.
وفي دولة الفساد، الغباء ليس نقصًا، بل شهادة خبرة. كلما زادت الأخطاء، زادت الثقة. كلما انهار قطاع، رُقّي المسؤول. الفشل دليل ولاء، والنجاح مدعاة للريبة. فاحذر أن تُصلح شيئًا؛ قد تُتَّهم بأنك “تُحرج المنظومة”.
لكن لنعترف بالحقيقة المرة: هل يحكم الأغبياء وحدهم؟ لا. هناك أذكياء لكنهم يعملون مستشارين للغباوة العليا. عقول لامعة تُستخدم لإضاءة الطريق نحو الهاوية بأناقة. يشرحون للغبيّ كيف يبدو القرار الغبيّ عبقريًا في مؤتمر صحفي.
إذن، هل يحقّ للأغبياء أن يحكموا في دولة الفساد؟
الجواب البسيط: لا يحكم الفساد إلا من يشبهه.
والجواب الساخر: ليس فقط يحقّ لهم، بل يُفضَّل، ويُكافَأ، ويُعاد انتخابهم حتى يعتاد الوطن السير للخلف دون أن يتعثر لأنه نسي أصلًا كيف يمشي إلى الأمام.
في دولة الفساد، لا يكفي أن تكون غبيًا لتحكم، ولا أن تكون ذكيًا لتُقصى؛ هناك فئة أرقى، أخطر، وأكثر أناقة: منتحلو الذكاء. هؤلاء لا يفكّرون، بل يُمثّلون التفكير. لا يفهمون، لكنهم يتقنون هزّ الرؤوس في اللحظة المناسبة، ورفع الحاجب عند ذكر “التحديات”، واستخدام كلمات مثل “المرحلة المفصلية” و“الاستحقاقات الوطنية” دون أن يعرفوا عمّا يتحدثون أصلًا.
أما منتحل الذكاء في دولة الفساد كائن خطابي بامتياز. عقله محفوظ في العناوين، لا في التفاصيل. يقرأ نصف تقرير، ويكتب بيانًا من خمس صفحات. يخلط بين التحليل والتبرير، وبين الرؤية والارتجال، لكنه يفعل ذلك بثقة مدهشة تجعلك تشكّ في نفسك لا فيه.
هؤلاء لا يقولون “لا أعرف”، فهذه جملة خطيرة قد تُسقط الهيبة. بدلًا من ذلك يقولون:
“الموضوع معقّد”
“السياق الإقليمي لا يسمح”
“الوقت غير مناسب”
وهي عبارات ذكية بما يكفي لإغلاق أي نقاش، وغامضة بما يكفي لتبرير أي فشل.
ومن علامات منتحل الذكاء أنه يعشق اللجان. لا يحلّ مشكلة، بل يُشكّل لجنة لدراسة إمكانية تشكيل لجنة فرعية لمناقشة المشكلة نظريًا. الوقت يمضي، المال يُهدر، والنتائج؟ “نحن نعمل”.
أما علاقته بالأرقام، فهي علاقة تجميلية. يستخدمها كما تُستخدم الزينة في الخطب: رقم ضخم هنا، نسبة مئوية هناك، دون مصدر، دون معنى. الأرقام لا تُقاس لتُفهم، بل لتُخيف السامع وتوهمه أن المتحدث “فاهم”.
وفي دولة الفساد، منتحل الذكاء لا يسرق وحده؛ بل يسرق بلغة أنيقة. لا يقول “اختلاس”، بل “إعادة هيكلة الموارد”. لا يقول “فشل”، بل “تحديات انتقالية”. اللغة هنا ليست أداة تواصل، بل أداة غسل: غسل الأخطاء، وغسل الضمائر، وأحيانًا غسل الأموال معنويًا قبل غسلها فعليًا.
والأخطر أن منتحل الذكاء يحتقر الذكاء الحقيقي. يسخر من المتخصص، ويتهم الخبير بالتنظير، ويصف صاحب الرأي المختلف بأنه “غير واقعي”. الواقعية في قاموسه تعني شيئًا واحدًا: ما يخدم بقائي.
وفي النهاية، هؤلاء أخطر من الغبي الصريح. الغبي قد يدمّر بلا قصد، لكن منتحل الذكاء يدمّر وهو يقنعك أن ما يحدث إنجاز. الغبي يُخطئ ثم يصمت، أما منتحل الذكاء فيُخطئ ثم يشرح لك لماذا الخطأ ضرورة وطنية.
في دولة الفساد، لا تُحكم البلاد بالغباء وحده، بل بمسرح كامل من الذكاء المزيّف؛ عقول مستعارة، ومصطلحات مستعملة، وثقة لا تستند إلى فهم.
وهكذا يضيع الوطن، لا لأن أحدًا لم يفهم، بل لأن كثيرين تظاهروا بأنهم يفهمون.
خلاصة القول: في دولة الفساد، الغباء ليس عجزاً، بل هو أداة وظيفية. الأغبياء لا يحكمون لأن لديهم الحق، بل لأن المنظومة الفاسدة تحتاج إلى عقول لا تسأل، ولا تعترض، ولا تفهم حجم الكارثة التي تشارك فيها.
في الختام، إن أحقية أي فرد في الحكم يجب أن تُبنى على أساس الكفاءة والنزاهة، لا على أساس الولاءات أو الانتهازية. فحين يُفسح المجال لغير الأكفاء في دولة ينهشها الفساد، تكون النتيجة مزيداً من التراجع والضياع، ويظل الأمل معقوداً على وعي الشعوب وإرادتها في التغيير نحو مستقبل أفضل.
في دولة فاسدة، المشكلة ليست في “الأغبياء” بحد ذاتهم، بل في نظام يسمح لغير الأكفاء بالتحكم بمصير الآخرين. إصلاح الحكم يبدأ بإصلاح القواعد التي تمنع وصولهم أصلًا.

 

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1382 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع