
د.سعد العبيدي
حدث فعلا
يهبط الضباب اللندني ببطء، كأنه ستارةُ مسرحٍ تُسدل على مدينةٍ لا تنتهي حكاياتُها. عند باب البيت العائد للدكتور فالح يقف السيد عبد الأمير، المقيم في لندن منذ أوائل التسعينات، موجوعًا؛ كأن الألم يسحب منه ما تبقّى من صبر. يسترجع شريطًا قديمًا يعود إلى أكثر من خمس سنوات، حين بدأ يشكو آلامًا في الكتف ومحدوديّةً في حركة اليد اليمنى، كان فالحُ قد أجرى له عمليةً أعادت إليه العافية بامتياز.
يتردد في الدخول، متذرّعًا بالعجلة من أمره، وبأنه جاء من غير موعد. إذ لم يجده في العيادة المعهودة في مستشفى همرسمث، غير أن الدكتور يستقبله بحفاوة الضيف، ويخبره أنه قد تقاعد منذ العام الماضي، ثم يُلحّ عليه بالدخول؛ فالجو باردٌ لا يُحتمل.
يخطو عبد الأمير متوجسًا. يختار كرسيًا قرب النافذة المطلة على الحديقة، كأنه يفتّش عن لحظةِ سكونٍ تُخفّف عنه الألم.
ينتقل الى صلب الموضوع فورًا، ويقول إن الألم في كتفه الأيسر هذه المرة لم يعد يُحتمل، وإن استعمال ساعده صار عسيرًا. يشخّص الأطباء الحالة، تلف المفصل والعضلات المحيطة به، ويؤكدون الحاجة الى عملية عاجلة. يناول صور الأشعة، فيطيل الدكتور النظر إليها قليلًا، ثم يؤكد من أول وهلة أن الجراحة لا تحتمل التأخير نظرا لشدة الأعراض والاعاقة التي يخشى من تفاقمها، ويضيف: لكنني لا أستطيع إجراءها… لقد تقاعدت.
ترتسم الصدمة على وجه عبد الأمير، ويسأل بلهفة:
- وهل تعرف طبيبًا موثوقًا يجريها؟
يرد الدكتور بثقة:
- نعم… الدكتور عبد القادر الأمين. أعرفه واحد من أفضل الاستشاريين المختصين بمشاكل الكتف، معروف بمستواه العلمي ومهارته الجراحية، وبمساعدته السخية لعموم العراقيين.
يصمت عبد الأمير لحظة… ثم يتردد، كمن يقف على حافةٍ لا يرى قعرها، يخشى أن يسلّم نفسه ليدٍ لا يعرفها. يبتلع ريقه، ويقول بصوتٍ خفيض كأنه يهمس بسرّ:
- يبدو من الاسم أن الدكتور ليس من أتباع أهل البيت… وأنا لا أطمئن إلا لطبيبٍ من السائرين على طريقهم. فهل تعرف غيره؟
تصمت الغرفة لحظة. لا يُسمع سوى تنفّس عبد الأمير المتقطع، ووقع عقارب الساعة على الجدار. يرفع فالح رأسه. ينظر إليه بدهشةٍ ممزوجةٍ بشفقةٍ محبّة، ثم يقول بحزمٍ هادئ:
- مستشفيات بريطانيا تعجّ بأطباء من كل الأديان… والناس تثق بأيديهم دون سؤالٍ عن دينٍ أو مذهب. كم من مسلمٍ خرج من غرفة العمليات حيًّا بفضل طبيبٍ مسيحي، وكم من مسيحيٍ نهض من فراشه على يد طبيبٍ مسلم… فالطبّ هنا لا يسأل المريض من أيِّ طريقٍ جاء؛ يسأله فقط عن موضع الألم… والألم عند جميع الأقوام واحد، كما إن اليد التي تُداويه لا تقف عند دينٍ أو مذهب، ولا تعرف إلا الرحمة.
يخفض عبد الأمير عينيه، يبرّر خوفه كاحتياط واجب. يقترب منه فالح. يضع يده اليمنى على كتفه الموجوع، ثم يقول بصوتٍ إنساني فيه عطفٌ وعتب:
- لم نعد في بدايات الغربة… نحن في بلادٍ علّمتنا كيف يُوزن الإنسان بعمله، لا باسمِه ولا بلقبِه، وعلّمنا الدينُ أن الله ينظر إلى القلوب والنوايا… لا إلى البطاقات الشخصية.
يرفع عبد الأمير نظره، وفي عينيه صراعٌ بين قناعةٍ تتجدد في الغربة، وواقعٍ يفرض نفسه، فيقول :
- سأستخير الليلة وأعلمك قراري في الغد.
ابتسم الدكتور ابتسامة خفيفة، ورد بهدوء:
- خذ قرارك وحدك… لا حاجة أن تعلمني. أنا أثق بالمشرط… وبقسم أبقراط.
....

762 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع