المتملقون حول نواب الشعب في الأروقة السياسية: أقلام باطلة

بدري نوئيل يوسف

المتملقون حول نواب الشعب في الأروقة السياسية: أقلام باطلة

تعريف فن التملق وصناعة الأوهام

في علم الأحياء، هناك كائنات تعيش "تطفلاً" على كائنات أخرى، لكن في علم "السياسة الشعبوية"، لدينا كائن فريد من نوعه يسمى "المتملق البرلماني". هذا الكائن لا يقتات على العشب أو اللحم، بل يقتات على "ابتسامة" يوزعها سعادة النائب في مأتم أو فرح، ويحولها بقدرة قادر إلى "إنجاز تاريخي" لم تشهده البشرية منذ بناء الأهرامات.
جمهورية حملة المباخر: في مديح "سعادة النائب" (حتى لو لم يفتح فمه)
يقول المثل الشعبي: "الناس على دين ملوكهم"، ولكن في عالم السياسة والبرلمانات، يبدو أن "المتلقين على دين نوابهم". هؤلاء الذين قرروا طواعية أن تتحول أقلامهم إلى "مباخر"، وألسنتهم إلى "مساحات زجاج" تعمل بأقصى سرعتها عند هبوب أول نسمة غبار حول "سعادة النائب".
إن المتملقين حول نواب الشعب يشكلون ظاهرة باتت واضحة في المشهد السياسي، إذ تتكاثر حولهم أقلام لا تحمل من الصدق سوى عنوانه، وتحتفي بالمديح الزائف والتملق، ساعيةً لجذب الانتباه أو تحقيق مصالح شخصية على حساب المصلحة العامة. هؤلاء لا يكتبون إلا ما يرضي أهواء النواب، متجاهلين حق الشعب في معرفة الحقيقة والشفافية في الطرح. وسط هذا الزخم من المديح، تتحول الكتابات إلى أقلام باطلة لا تخدم سوى الأجندات الضيقة، وتبتعد عن الرسالة الجوهرية للإعلام الحر والمسؤول.
المتملقون حول نوّاب الشعب… حين يصبح المديح وظيفة رسمية
في زوايا مجلس النواب وفي أروقة القنوات، ثمة نوع من البشر لا يحتاج إلى بطاقة تعريف. تعرفهم بسهولة من لمعان كلماتهم وكمية السكر التي يسكبونها في كل جملة. إنهم “المتملقون”، أولئك الذين لا يكتبون رأيًا، بل يُصدرون بيانات عاطفية في حبّ النائب، يقدّمون له الطاعة على ورق مصقول بالرومانسية السياسية.
كلّ نائب عندهم “قائد استثنائي”، وكلّ تصريح له “منعطف تاريخي”، حتى لو كان لا يتجاوز جملة مبتورة عن أزمة الكهرباء. أما من يسألهم عن الموضوعية، فيجيبونه بابتسامة الفزعة: “نحن نحفّز الأمل في الناس”.
إنهم يتقنون فنّ التبرير أكثر من أي اختصاص أكاديمي. حين يخطئ النائب، يقولون: “النية كانت نبيلة”، وحين يغيب عن مجلس النواب، يكتبون: “غيابه حضور بطريقته الخاصة”! وكأن الواقع عندهم مادة مطاطة يمكن تشكيلها على مقاس تصريح أو وعد انتخابي مهجور.
المدهش أنهم دائمًا "مع الناس" حسب شعاراتهم، لكن لا أحد يعرف من هؤلاء "الناس" فعلاً. فالجمهور يعيش في طابور انتظار الكهرباء والماء، بينما أقلامهم تكتب عن “الإنجازات المضيئة”. ربما يقصدون ضوء المولّد!
في النهاية، يبقى المتملق حول النائب مثل ظلّه؛ لا يظهر إلا بوجوده، ويختفي عندما يُطفأ الضوء. أما الوطن، فهو الضحية الدائمة لمداد لا يكتب الحقيقة، بل يجملها كي لا تجرح “سعادته النائب”.
القلم "المُباع" في سوق النخاسة
إذا أردت أن تعرف مدى انحدار الذوق السياسي، فما عليك إلا متابعة أولئك الذين يحملون "أقلام
الباطل". هؤلاء ليسوا مجرد كتاب أو معلقين، بل هم "مهندسو ديكور" بارعون؛ مهمتهم الأساسية هي طلاء "الفشل" بلون ذهبي، وإقناعنا بأن صمت النائب في الجلسات هو "حكمة صامتة"، وأن غيابه المتكرر هو "تخطيط استراتيجي بعيد المدى" خلف الكواليس.
الكاتب "البوصلة"
هذا النوع من الأقلام لا يكتب حبراً، بل يفرز "شحماً". تجده يراقب حركة رأس النائب؛ فإذا مال النائب يميناً، كتب مقالاً عن "عبقرية الانفتاح وتكتيكات المناورة"، وإذا مال يساراً، غبّش الورق بمديح "الثبات على المبادئ والتمسك بالجذور". بالنسبة له، النائب لا يخطئ أبداً، وحتى لو سقط النائب في حفرة في الشارع، سيكتب هذا القلم مقالاً بعنوان: "كيف أعطى سعادة النائب درساً بليغاً في فحص البنية التحتية من الداخل؟".
معركة "اللايك" والتعليق المقدّس
حول النائب جيش إلكتروني، ليسوا ذباباً بالمعنى التقني، بل هم "نحل" لا يمتص إلا رحيق المديح. إذا عطس النائب على "فيسبوك"، انطلقت التعليقات كالقذائف: "يرحمكم الله يا حامي الديار"، "حتى في زكامك هيبة"، "عطسة في وجه الفساد!". إنهم يحولون الصمت المطبق للنائب تحت القبة إلى "هدوء يسبق العاصفة"، وغيابه عن الجلسات إلى "تخطيط استراتيجي بعيداً عن صخب الغوغاء".
بلاغة "الباطل"
تكمن المأساة في أن هؤلاء يتقنون فن "قلب الحقائق". فإذا صوّت النائب ضد مصلحة الناس، خرجت الأقلام لتشرح لنا بلغة خشبية معقدة أن هذا "تضحية تكتيكية مؤقتة من أجل نصر استراتيجي قادم". هؤلاء هم "فلاسفة الهزيمة" الذين يقنعونك أن جيوب النائب المنتفخة ليست إلا مخازن احتياطية لأموال الشعب في حال حدوث أزمة عالمية!
النائب "المقدس" والمريدون "المستفيدون"
إن التملق ليس حباً في سواد عيون النائب، بل هو "استثمار". القلم هنا هو "صنّارة" تأمل في اصطياد تعيين لقريب، أو ترخيص لمحل، أو ربما مجرد دعوة على "منسف" أو "وليمة" يعقبها التقاط صورة "سيلفي" تُنشر تحت عنوان: "جلسة عمل شاقة مع صانع القرار".
المتملقون حول نوّاب الشعب... أقلام باطلة بمداد النفاق
في برلماننا العظيم، حيث تُعزف سيمفونية الصمت وتُوزع التصفيقات كما يُوزع الشاي في المقاهي، تزدهر مهنة جديدة: المتملق الرسمي. لا يحمل شهادة، ولا يحتاج إلى ضمير، بل يكفيه أن يعرف متى يكتب "سعادة النائب" ومتى يمدّح "حكمة القائد في إصدار البيان العظيم".
تراهم يملؤون الصحف والمواقع، يكتبون المقالات التي لا تُكتب، بل تُطبخ في مطبخ العلاقات العامة. كل سطر عندهم يبدأ بتمجيد وينتهي باعتذار لمن لم يُذكر. أقلامهم تشبه الميكروفونات المربوطة بخيوط، تتحرك فقط حين يشير النائب بإصبعه.
وحين يسألهم أحدهم عن ضمائرهم، يبتسمون بثقة العارفين ويقولون: “الضمير لا يُصرف في البنك”. أما الحقيقة فهي أن أقلامهم أصبحت مثل العدسات المزوّرة: تُظهر النائب بطلاً، حتى لو كان لا يعرف عدد لجانه، وتخفي كل ما يُزعج أصحاب الجيب العام.
الطريف في الأمر أن هؤلاء المتملقين لا ينقرضون، بل يتكاثرون كالفيروسات مع كل دورة انتخابية، يغيرون الشعارات كما يغيرون لون ربطة العنق. النائب الذي كان بالأمس “لا يُمسّ”، يصبح اليوم “خائناً للديمقراطية”، لكن لا تقلقوا، فالقلم ذاته سيجد نائباً جديداً يمسح له حذاءه بكل فخر.
باختصار، المتملقون حول نوّاب الشعب هم الأقلام الباطلة في دفتر هذا الوطن. لا تكتب تاريخاً، بل تمسح ما تبقّى منه.
خاتمة: القلم أمانة أم دهانة؟
إن هؤلاء المتملقين هم "الأقلام الباطلة" التي تحجب الرؤية عن النائب وعن الشعب معاً. إنهم يبنون للنائب برجاً عاجياً من المديح الكاذب حتى يصدق المسكين أنه "المنقذ"، بينما هو في الحقيقة مجرد "رقم" في معادلة سياسية لم يقرأها جيداً.
عزيزي المتملق، القلم خُلق ليكشف الحقيقة، لا ليدهن عيوب الآخرين بالزبدة. تذكر دائماً أن "المبخرة" قد تعطي رائحة طيبة للحظات، لكن "الحبر الصادق" هو الوحيد الذي لا ينمحي حين تنتهي الدورة الانتخابية ويصبح سعادة النائب... "سعادة المواطن السابق".
النهاية الحتمية للسيرك
المضحك المبكي في هذا المشهد، هو أن هؤلاء المتملقين هم أول من يقفز من السفينة عندما يغادر النائب كرسيه. القلم الذي كان يقطر عسلاً، سيتحول فجأة إلى خنجر، ليبحث عن "نائب جديد" يمارس معه نفس الطقوس.
إن هؤلاء ليسوا "أقلاماً"، بل هم "مساحيق تجميل" رخيصة، لا تصمد أمام أول قطرة مطر من الحقيقة. الحقيقة التي تقول إن النائب الذي يحتاج إلى "طبالين" ليثبت وجوده، هو في الواقع "خاوٍ" من الداخل، وأن الشعب الذي يراقب هذا السيرك، يعرف تماماً من هو النائب "الحقيقي" ومن هو "النائب الكرتوني" الذي تحركه خيوط النفاق.
الخلاصة: عزيزي النائب، إذا رأيت الكثير من الذباب حولك، فاعلم أن هناك شيئاً "فاسداً" في أدائك، فلا تفرح بالطنين، فإنه لا يصنع شهداً.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1178 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع