عندما سقطت البوابة الشرقية … صار الشرق بلا عُزّ

بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
17 كانون الثاني 2026

عندما سقطت البوابة الشرقية… صار الشرق بلا عُزّ

١. ليلة 16-17 من كانون الثاني 1991، لم تبدأ حرب عاصفة الصحراء فحسب، بل بدأ انحدار زمنٍ كامل. ثلاثة وثلاثون دولة اجتمعت، تقودها الولايات المتحدة الامريكية وتقدّم العرب الصفوف بالجنود والمال، إلا قلة أدركت أن النار حين تُشعل لا تميّز بين عدو وصديق. كان الكويت هو العنوان المعلن، لكن الجرح أعمق من حدود، وأبعد من خريطة.

حُوصِر العراق، ثم كُسِر، ثم تُرِك ينزف، لا لأنه وحده أخطأ، بل لأنه كان البوابة الشرقية التي إن سقطت، سقط خلفها ميزان الأمة بأكملها. ومع سقوطه، تهاوى العِزّ العربي، واهتز الشرق الأوسط، وبدأ العالم يعيش على ارتدادات زلزال لم تهدأ أمواجه حتى اليوم. كانت ملحمة بحجم العصر، وجحيمها اقترب من محرقة حربٍ عالمية، لكن الضحايا لم يكونوا فقط المدن والجنود، بل القيم نفسها. سقطت الأخلاق في سوق السياسة، وتراجعت الإنسانية أمام منطق القوة، وأصبح العالم واقفًا على شفى هاوية، يحدّق ويتعمق في مستقبلٍ غامض ومجهول توزعت شظاياه على حروب وتهديدات وابتزاز جميعها مؤطره بغياب القيم وأخلاقيات السياسة ان كانت لها اخلاق ، يخشى أن يكون الفصل القادم… حربًا عالمية ثالثة.

٢. بعد 35 عام على ماجرى السؤال هل ندم العرب على ضياع العراق… بعد أن ضاع أمنهم. نعم ولكن لم يأتِ الندم دفعةً واحدة، بل تسلّل متأخرًا، حين لم يعد يجدي. في لحظة الحرب، كان الصوت أعلى من الحكمة، وكان الخوف أقوى من البصيرة، فاختار كثيرون الوقوف مع العاصفة ظنًا أنها ستمرّ سريعًا. لم يدركوا أن الريح إذا هدمت بيت الجار، ستصل حتمًا إلى بيوتهم.سقط العراق، لا كدولة فحسب، بل كحاجز تاريخي كان يمتص الصدمات قبل أن تبلغ العمق العربي. ومع سقوطه، انكشف الظهر، وتبعثرت خرائط الأمن، وبدأت العواصم تعيش قلقًا دائمًا حروب داخلية، طائفية،تدخلات أجنبية، وتهديد لا يغادر السماء ولا الأرض.
حينها فقط بدأ السؤال المؤلم…هل كان العراق عبئًا أم كان درعًا..وهل كان حصاره خلاصًا أم بداية حصارٍ أكبر للجميع جاء الندم صامتًا، بلا اعتراف رسمي، لأن الاعتراف يعني الإقرار بأن الأمن لا يُشترى، وأن التفريط بدولة مركزية هو تفريط بالمصير المشترك. اليوم، بعد عقود من الرماد، يدرك كثيرون أن ضياع العراق لم يكن خسارة له وحده، بل كان شرخًا في جسد الأمة. وما ضاع من هيبة وأمن لم يُستعاد، لأن الأوطان إذا سقطت مرة، لا تعود كما كانت، ولأن التاريخ لا يمنح فرصة ثانية لمن أخطأ في لحظة مفصلية.

٣. على مانحن عليه اليوم لنتساءل مرة اخرى هل تشرذمت الأمة وسلكت طريق التقسيم والضياع بعد ان كانت خير أمة ..نعم نشهد ان الامة لم تسقط دفعةً واحدة، بل تفتّتت وحتى اعتادت الانقسام كما يُعتاد الجرح القديم الذي لم يندمل . لم يكن التقسيم دائمًا بخطوط على الخرائط، بل بدأ في القلوب والعقول، حين تقدّم الخلاف على المصير، والطائفة على الوطن، والمصلحة الضيقة على المعنى الأكبر للأمة.

٤. قيل يومًا انكم …كنتم خير أمة أُخرجت للناس، لا لأنها بلا أخطاء، بل لأنها كانت تعرف طريقها، وتملك ميزانها الأخلاقي، وتدرك أن القوة مسؤولية قبل أن تكون سيفًا. وحين فُقد هذا الميزان توازنه انقلبت الآية الى واقعًا مؤلمًا أمة تملك التاريخ ولا تملك القرار، تملك الثروات ولا تملك السيادة، وتملك العدد ولا تملك الوزن.لم يكن الانهيار بسبب الفقر ولا الجهل وحدهما، بل بسبب غياب المشروع الجامع. كل دولة انشغلت بنفسها، وكل جماعة رفعت رايتها الخاصة، حتى صار العدو يدخل من الشقوق الصغيرة التي صنعتها الامة بنفسها وحين أصبح الدم العربي رخيصًا، صار القرار العربي أرخص.
٥. اليوم، لا يُسأل من الذي قسّمنا بقدر لماذا قبلنا التقسيم ولماذا صمتنا حين صار الضياع سياسة، والفرقة خيارًا، والارتهان طريق نجاة…هكذا انتقلت الأمة من موقع الشهادة على التاريخ إلى الهامش، ومن الريادة إلى التلقي، ومن التأثير إلى الانتظار. وربما يبقى السؤال الأثقل هل انتهت الأمة أم أنها ما زالت حية، لكنها تحتاج صدمة وعي تعيد لها معنى ( خير أمة )…قبل أن يطويها الزمن بين صفحات ما كان .

٦. كيف أرثيك ياعراق…يا عراقُ… يا قلبَ الأرضِ الذي كان ينبضُ باسمِ العربِ يا بوابةَ الشرقِ التي كانت تحميهِ من هُجيرِ الليالي التي سقطت ، فاهتزتِ القلوبُ قبل أن يهتزّ التاريخُ وسُجِنتَ في صمتٍ لا يُسمَعُ إلا صوتُ الرمادِ.يا من كنتَ مهبطَ الحضاراتِ ومهدَ الرسالاتِ يا من حملتَ على صدركَ ألفَ جرحٍ وألفَ أملٍ أين ذهبتْ عزيمة الامة حين تُركتَ وحيدًا أين ذهبتْ وحدتها المرتقبة حين صارت الحدودُ أغلالًا…أُذنُ الأمةِ لم تُسمعْ، أو ربما سُمِعتْ ولم تُردّ
فأصبحتْ دماؤُنا تُهدرُ كأنها رخيصةٌ،وصرنا نرى الوطنَ في صورٍ من دمارٍ وخرابٍ ونسميه “مصيرًا”، وننسى أن المصيرَ خيارٌ لا قدرٌ…..يا عراق لم يكن سقوطُك نهايةَ دولةٍ فحسب
بل كان سقوطَ حلمٍ، وانكسارَ عزّ،كان بدايةَ تشرذمٍ، وتفرقٍ، واشتياقٍ لا ينتهي لأمةٍ كانت… ثم أصبحتْ تائهةً في غبارالتاريخ.يا من كنتم خيرَ أمةٍ…فلماذا أصبحتم في أسفلِها هل لأننا نسينا أن القوةَ ليست سلاحًا فقط
بل مسؤوليةً، وضميرًا، ووحدةً، ووفاءً …يا عراقُ… إذا كان التاريخُ يكتبُ على جدرانِه فليكتبْ أنك لم تمتْ وحدكَ،
بل أنك حملتَ في موتِك رسالةً للأمةِ كلها أن الضياعَ يبدأ عندما يتركُ الواحدُ الآخرَ وحين يصبحُ الوطنُ مجردَ كلمةٍ بلا روحٍ.فيا أيها الزمنُ لا تتركْنا نختزلُ عِزَّنا في حكاياتٍ
ولا تجعلْنا نعيشُ على ذكرياتٍ فقط،بل اجعلْنا نعودُ إلى ذاتِنا قبل أن نُدفنَ نحن أيضًا بين صفحاتِ كتابٍ لا يقرأهُ أحدٌ بعد اليوم…واختم بالقول لا ندم على ضياع جاء من يد صاحبه .

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

939 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع