اعادة انتاج الفوضى في الشرق الاوسط

حاتم خاني

اعادة انتاج الفوضى في الشرق الاوسط

1 - الغاء الضربة الاميركية لايران
2 - انسحاب القوات الاميركية من قاعدة عين الاسد
3 - تخلي الادارة الاميركية عن قوات قسد بعد ان كانت حليفا قويا في المنطقة ضد داعش وتركها
لقمة سائغة للجيش السوري الجديد
4 - لقاء سري ليلي بين محافظ نينوى في الموصل وبين وفد من التحالف الدولي يعقبه اجتماع مع وفد تركي
5 – السماح بفرار المئات من عناصر داعش امام مرأى من قوات التحالف في سوريا

ما تشير إليه هذه التطورات مجتمعة هو انتقال متزايد من منطق حسم الصراع إلى منطق إدارته. فالولايات المتحدة، ومعها قوى دولية أخرى، لم تعد معنية بإنتاج استقرار دائم في الشرق الأوسط، بقدر ما تسعى إلى ضبط مستويات التوتر بما يمنع الانفجار الشامل، ويُبقي خطوط الاشتباك مفتوحة ولكن تحت السيطرة. هذا النمط من السلوك ليس جديداً في العلاقات الدولية، بل يمثل أحد أنماط “الهيمنة منخفضة الكلفة”، حيث تُدار الأزمات عبر وكلاء محليين، وتُترك الكلفة البشرية والسياسية للأطراف الإقليمية. وهي نفس السياسة التي اتبعتها ايران عبر وكلائها في الدول العربية قبل الان وقبل ان يتم تجفيف اغلبيتها .

ضمن هذا الإطار، يمكن فهم تراجع الدعم الأميركي لقسد، ليس بوصفه تخلياً مفاجئاً، بل كجزء من إعادة تعريف لوظيفة هذه القوة بعد انتهاء دورها المركزي في محاربة داعش. ومع زوال هذا المبرر، لم يعد هناك ما يضمن استمرار الحماية، خاصة في ظل تعارض بقاء قسد مع حسابات إقليمية أوسع. استجدت بعد وصول الرئيس الاميركي ترامب مرة ثانية
تعكس التحركات باتجاه الشرق السوري، والاقتراب من الحدود السورية–العراقية، إدراكاً متزايداً لأهمية الجغرافيا كأداة ضغط سياسية وعسكرية. فالسيطرة على هذه الحدود لا تعني فقط التحكم في خطوط الإمداد، بل تمنح الفاعل المسيطر قدرة على التأثير في معادلات داخل العراق نفسه، ولا سيما في مناطق حساسة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والطائفية والإثنية.
من هنا، يصبح التماس المحتمل مع نفوذ الحشد الشعبي ليس نتيجة عرضية، بل احتمالاً محسوباً، يُستخدم لخلق توازن ردع غير مباشر، أو لإرسال رسائل سياسية دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.
نينوى كنقطة اختبار
تكتسب نينوى في هذا السياق وظيفة تتجاوز كونها محافظة حدودية مع سورية . فهي تمثل نموذجاً مصغراً لتعقيدات العراق ما بعد 2003: تنوع قومي، هشاشة أمنية، وتنافس مستمر بين الفاعلين المحليين والخارجيين. أي اختلال في توازن نينوى يمكن أن يمتد تأثيره سريعاً إلى بقية البلاد، ما يجعلها نقطة اختبار حقيقية لأي إعادة ترتيب إقليمي.
وعليه، فإن الانخراط الأميركي المباشر مع القيادات المحلية فيها يشير إلى محاولة استباق السيناريوهات الأسوأ، عبر الاحتفاظ بخيوط تأثير تُمكّن واشنطن من التدخل عند الضرورة، دون تحمل عبء الوجود العسكري الواسع.
في خضم هذه التحولات، يتكرر نمط تاريخي مألوف: القضية الكردية تُختزل مرة أخرى إلى ملف أمني مؤقت، لا إلى مسألة حقوق سياسية ثابتة. فغياب ضمانات دولية ملزمة، واستمرار التعاطي مع القوى الكردية بوصفها أدوات مرحلية، يجعلها عرضة للتراجع مع كل تغيير في ميزان المصالح.
هذا الواقع يطرح سؤالاً بنيوياً لا يمكن تجاهله: إلى أي مدى تستطيع القوى الكردية إعادة صياغة استراتيجيتها بعيداً عن الارتهان لقوة دولية واحدة، وبما يضمن هامشاً أوسع من الاستقلالية السياسية؟

إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم لا يمكن قراءته كسلسلة أحداث منفصلة، بل كعملية إعادة تموضع طويلة الأمد، تُعاد فيها صياغة الأدوار، وتُختبر فيها حدود القوة والنفوذ. وفي مثل هذه المراحل الانتقالية، لا تكون الخسائر موزعة بالتساوي، بل تقع غالباً على عاتق الفاعلين الأضعف سياسياً، لا عسكرياً فقط.

تساؤلات في مشهد غير بريء
عند جمع المعطيات المتناثرة خلال الفترة الأخيرة، تبرز مجموعة من الوقائع التي يصعب التعامل معها كأحداث منفصلة أو قرارات ظرفية. فإلغاء الضربة الأميركية المحتملة ضد إيران، بالتزامن مع انسحاب القوات الأميركية من قاعدة عين الأسد، لا يوحيان فقط برغبة في خفض التصعيد، بل قد يعكسان انتقالًا مدروسًا في أولويات الاشتباك الإقليمي.
في السياق نفسه، يثير تخلي الإدارة الأميركية عن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) — بعد سنوات من الشراكة الوثيقة في مواجهة داعش — تساؤلات عميقة حول طبيعة الالتزامات الأميركية تجاه حلفائها المحليين، وحول ما إذا كانت هذه القوى تُدار دائمًا بوصفها أدوات مؤقتة تُستَنفد وظيفتها ثم تُترك لمصيرها.
ترك قسد في مواجهة الجيش السوري الجديد لا يمكن فهمه إلا كجزء من إعادة توزيع أدوار، لا كقرار معزول.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع اللقاء الليلي غير المعلن بين محافظ نينوى في الموصل ووفد من التحالف الدولي، أعقبه اجتماع مع وفد تركي. هذا التسلسل الزمني، وتوقيته، يفتح الباب أمام تساؤلات حول موقع نينوى في أي ترتيبات قادمة، ودورها المحتمل كنقطة توازن أو تماس في مرحلة ما بعد إعادة التموضع الأميركي.
ان فرار مئات من عناصر داعش في سوريا أمام مرأى قوات التحالف ، يعيد إلى الواجهة فرضية “إعادة تدوير التهديد”، حيث لا يُقضى على التنظيمات المتطرفة نهائيًا، بل يُعاد توظيفها كورقة ضغط أو عامل فوضى محسوب في لحظات إعادة التشكيل الكبرى.
هذه الوقائع مجتمعة لا تطرح سؤالًا تكتيكيًا حول حدث بعينه، بل تفتح إشكالية استراتيجية أوسع:
هل نشهد انسحابًا حقيقيًا للقوى الكبرى من المنطقة، أم انتقالًا إلى إدارة الصراع بأدوات أقل كلفة وأكثر غموضًا؟
وهل يُعاد إنتاج الفوضى، لا بوصفها فشلًا، بل كآلية ضبط توازنات؟
وفي خضم ذلك كله، من هي القوى التي ستُدفع مجددًا إلى واجهة الصدام، ومن هي التي ستُترك لمواجهة النتائج دون غطاء دولي؟

حاتم خاني
دهوك

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1101 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع