الحرامية .. تاريخها وكيف هي الان في عراق حاميها حراميها

سرور ميرزا محمود

الحرامية.. تاريخها وكيف هي الان في عراق حاميها حراميها

تحكمنا الذاكرة فنكتب.. نحن نكتب حين تصير الذاكرة مليئة بالحكايات المخزنة، فمن تلك الحكايات عن اللصوص (الحرامية) والسرقات، الكثير منا قد قرأ واعجب أيضا بشخصيات لصوصية شهيرة منها "روبن هود، وارسين لوبين، وعلى بابا وحكايات اللصوص من الف ليلة وليلة"، مع أنهم يقومون بتصرفات لا يوافق عليها القانون ولا المجتمع، غالبا يقع إعجابنا لأسباب لا تتعلق بجوهر القضية بل بالظروف المحيطة بها، فهناك الكثير من سجلات اللصوصية والسرقات في التراث العربي، فقد ذكر ابن النديم في كتابه "الفهرست" العديد من الكتب التي تحدثت عن طائفة السُرّاق، وفنون السرقة، ومن ضمنها: "كتاب السرقة وقطاع الطرق" لمؤلفه محمد بن حسن المتوفى سنة 189 هـجرية، الذي يعتبر أقدم الكتب في هذا الموضوع، وهناك كتاب "الحراب واللصوص" لمؤلفه لأبي هلال لقيط المحاربي المتوفى سنة 190هـ؛ وأيضا كتاب "الراحة ومنافع العيارة" لأبي العنبس الصميري المتوفى سنة 256هـ؛ وكتاب "أشعار اللصوص" لأبي سعيد السكري المتوفى سنة 275 هـ؛ بالإضافة لكتاب متقدم آخر وهو "كتاب السرقة" لأبي سليمان داود بن علي الأصفهاني، المتوفى سنة 270هـ، كما تناول الجاحظ موضوع اللصوصية والحيل الذكية في كتبه الأخرى مثل "البخلاء" و"الحيوان" بطريقة فكاهية وعلمية، موثقاً القصص الطريفة والحيل المبتكرة للصوص، معتمداً على الملاحظة الدقيقة والتحقيق لتقديم روايات صادقة ومسلية، ويُعرف عنه تأليف كتاب مفقود اسمه "كتاب اللصوص" الذي وصف فيه أساليب الحيلة والسرقة، كما أن نصوصه تتضمن حكايات عن أذكياء يخدعون لصاً أو يخدعهم اللص، مستخدماً الفكاهة لتعليم دروس أخلاقية واجتماعية.
ففي العراق نشأت ظاهرة اللصوص والسرقة أول مرة بشكلها الموثق أواخر القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي في العصر العباسي حين بدأت حركات الفتوة والطفيليين والعيارين والشطار والمحتالين وأصحاب الليل، واصحاب الطريق والنباشين والخناقين، وكانت جزءا من حركة عارمة أفرزتها عوامل عدة بينها تفاوت الدخل والمساواة بين طبقات المجتمع، وزيادة الترف في الحياة الاجتماعية والسياسية، إضافة إلى اختلال الأمن في لحظات الصراع على السلطة، وكشفت تلك المرحلة ان للسرقة واللصوصية سجلا حافلا وتراثا فنيا وأدبيا، انعكس من طبيعة الوقائع الاجتماعية وحالها في تلك الأزمنة،، وإن هؤلاء اللصوص على اختلاف أنواعهم لهم فلسفة يسوغون بها سرقاتهم، ويذكر أن من أوائل الذين وضعوا فلسفة اللصوص وقواعد سلوكهم عثمان الخياط الذي لقب بشيخ اللصوص!!، وهو الذي اعتبر اللصوصية صناعة ومدرسة، والذي كان يقول: بأن اللص أحسن حالا من الحاكم المرتشي، والقاضي الذى يأكل أموال اليتامى، ومن أشهر وصاياه لأتباعه من اللصوص ما قاله يوماً عن نفسه: "ما سرقت جاراً قطُّ ولو كان عدواً، ولا سرقت كريماً وأنا أعرفه، ولا خنت مَن خانني، ولا كافأت غدراً بغدر"، بل كان يعاقب المجرمين الذين لا ينصاعون للمبادئ ومواثيق الشرف موصياً أصحابه: "لا بد لصاحب هذه الصناعة (أي اللصوصية) من جراءة وحركة وفطنة وطمع، وينبغي أن يخالط أهل الصلاح، ولا يتزيّن بغير زيّه، أما اللص ابن سيار الشاطر كان واسع الحيلة والدهاء فكان لا يسرق إلا من الأغنياء ويترك الفقراء وينادي بأحقيتهم في أموال الأغنياء، وأدهم بن عسقلة، ترك وصيةً عند وفاته لأتباعه من اللصوص وممّا قال فيها: "لا تسرقوا امرأةً ولا جارًا ولا رجلاً نبيلاً، ولا فقيرًا، وإذا غُدر بكم فلا تغدروا بهم، وإذا سرقتم بيتًا فاسرقوا نصفه واتركوا النصف الآخر ليعتاش عليه أهله، ولا تكونوا مع الأنذال أو الظلمة أو القتلة".
ان أساليب اللصوص خلال العصور المتتابعة تغيرت تغيراً كبيرًا، وإن زمن بعض الأساليب قد انتهى وجرى استحداث أساليب جديدة لا عهد للقدماء من اللصوص بها، وهي ظاهرة طبيعية، وتتردد أسبابها بين الاضطرار والحاجة وبين التوسع، هؤلاء اللصوص يأتون علىٰ عِدة أشكال وأنواع، ان لصوص المدينة غير لصوص القرية، فلصوص القرية اهتموا بسرقة الدجاج وبيض الدجاج والمحاصيل واكبرها سرقة الماشية، اما لصوص المدينة، فاهتموا بسرقة المنازل والتي تتضمن: سرقة الغسيل وما يحمله من ثياب هو الأشهر.. ثم سرقة الحلل النسائية!!، وسرقة حافظة النقود، وهناك من يسرق الحذاء من باب المسجد، لكنه يترك اقدامك لتمشي بها، وسرقة السيارات، فالحرامي يعرف حجمه، ويستحي من فعلته، ولا يجرؤ أن يرفع رأسه أو يتجاوز حدوده، كانت لهم تقاليدهم وأعرافهم المرعية، لا يسرق الحرامي أهل قريته أو الحي الذي يقطنه، بل وطالما تصدى اللصوص لزملائهم الآخرين حين كانوا يحاولون استهداف جيرانهم .
ومن طرائف اللصوص، قول البعض.. ما سرقتُ جاراً وإن كان عدواً لي، ولا كريماً، ولا امرأة، ولا بيتاً ليس فيه رجل.
شهدت كارثة الاحتلال للعراق عام 2003، حالة لم يألفها المجتمع لم تكن متفشية لمشاهد صادمة أدت إلى فوضى عارمة وانفلات أمني، تسببت في نهب
واسع النطاق للمؤسسات و للأثار خاصة من المتحف الوطني العراقي، حيث اختفت آلاف القطع الأثرية والممتلكات الثقافية العراقية وضاعت وثائق تاريخية لا تقدر بثمن، وحرق وتدمير المكتبات والمخطوطات، وشُوهِدت حفريات غير شرعية في مئات المواقع الأثرية، مما شكل خسارة فادحة للتراث الإنساني، وهو ما تورّطت به القوات المحتلة وبتشجيع منها، وقد كان من المفروض ان تمنع قوات الاحتلال هؤلاء اللصوص، تمشياً مع القوانين الدولية التي تفرض على القوات المحتلة المحافظة على ممتلكات وآثار وأموال الدولة المحتلة، والمحافظة على أمنها، ومنع سرقة كنوزها الإنسانية.
ان اول سرقات دارت الاحاديث عنها تلك التي قام بها الضباط والجنود الأميركيون خلال عمليات الدهم والتفتيش ضد العراقيين، فكانت القصص كثيرة عن سرقة جنود الاحتلال الأميركي للمبالغ والذهب والمجوهرات، ومنذ ذلك الوقت وثقافة السرقة واللصوصية اخذت بالانتشار بين الأميركيين والبريطانيين في العراق، كما تبين ان اول من أسس لسرقة المال العام “بول بريمر” الذي تم تعيينه الحاكم المدني، بعد اختفاء المليارات الثمانية من الدولارات في العراق وهذا مبلغ ضخم جدا، ولم تتم محاسبته على الاطلاق ما يؤكد اعطاء اجازة واسعة للجميع ليمارسوا السرقة سيرا على طريق سيدّهم الكبير بريمر، وبدأت تنتشر أولوية ومباركة للمواطن الذي يسرق أكبر عدد من أملاك العراق العامة ، وضُربت معايير الأخلاق عرض الحائط في وقتها حين أصبح السارق شريف والشريف متخاذل، ولم يتوقف اللصوص في عرض مهاراتهم في سرقة التأريخ قبل اكتشافه من خلال التنقيب في المواقع الاثارية دون رقابة السلطات، او المنحوتات من المتاحف، بل تطورت اللصوصية فأصبحت تتعدى حدود الأموال التقليدية والعينية إلى سرقة أكبر وأعظم هي لصوصية التاريخ والسياسة.
أخذت السرقات والجرائم طابعا منظما، وزاد من انتشار الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وبرزت إلى السطح مجموعة من اللصوص السياسيين الفاسدين الذين ترعرعوا في كواليس ما يسمى بالمعارضة و الأحزاب الدينية، وغدت اللصوصية خلال العقدين الماضيين مؤسسة لها فروع، و ضمن أخطر أنواع اللصوص أولئك الذين يمارسون لصوصيتهم تحت غطاء ديني، وهذا يذكرنا بما قاله نجيب محفوظ: أعرف الكثير من اللصوص يضعون على مكاتبهم "هذا من فضل ربي"!!، وأصبحوا مع الوقت لصوصاً كباراً استباحوا تلك المؤسسات واعتبروا المال العام مالاً خاصاً بهم يحق لهم أن يغرفوا منه ما شاءوا أو ما استطاعوا إليه سبيلاًً.
استشرى الفساد خلال العقدين، وتقاسم الاقتصاد الذي مصدره النفط بين الفرقاء السياسيين وقوى السلطة والنفوذ، وبهذا أصبح الفساد عبارةً عن شبكات عنكبوتية، فهو لا يقف عند حدود شخصيات ذي مناصب عليا في الدولة، وإنما يمتدّ ليشمل مافيات سياسية، وشخصيات خارجة عن التوصيف السياسي والطبقات الاجتماعية، تعمل على وفق علاقات شخصية مع شخصيات حكومية أو حزبية متنفّذه، أو أنها تعمل بعناوين “مكاتب اقتصادية” تابعة لأحزاب سياسية أو مليشيات مسلّحة، كما بات الفساد يتم على وفق صفقات سريّة غير معلَنة، تجري من خلال بيع وشراء المناصب السياسية والإدارية والمالية والأمنية العليا في مؤسسات الدولة، ومظاهر هذا الفساد تتجلّى في وصول شخصيات معيّنة لمناصب محددة رغم عدم امتلاكها الكفاءة الإدارية أو التدرج الوظيفي في العمل المؤسساتي، أو حتّى المؤهل العلمي الذي يؤهلها لِلمنصب القيادي، ولصوص أحزاب قد تنتخبهم بإرادتك، او يُفرضون عليك دون إرادتك، ومنهم لصوص من النوع الذي قال عنهم غسان كنفاني: يسرقون رغيف خبزك، ويعطونك منه كسرة ويطلبون منك أن تشكرهم!!.
ما نراه اليوم لحالة العراق، فان ممارسة اللصوصية اثبتت جدارتها وحرفيتها، منها ما يمكن اعتباره مدرسة مرموقة في اللصوصية، يمارس اللصوصية بأساليب مشروعة، يصنعها ويهندسها ويعيد إنتاجها ويفلسفها ويعممها حتى لا يكون وحده في الساحة، وحتى يظهر بان اللصوصية عملية تنموية بناءة، او مشروع برسم الحياة على الدوام وان فاض عن حدوده، وطالما الحديث عن اللصوص، لا بأس من الاشارة الى هذه الحكاية للكاتب والفيلسوف الفرنسي فرانسوا ماري فولتير والتي وصفها لحالة بلاده تنطبق على واقع حال اللصوصية في العراق: هناك فئتان من اللصوص، اللص العادي واللص السياسي
اللص العادي هو الذي يسرق نقودك ومحفظتك ومظلتك… الخ
أما اللص السياسي فهو الذي يسرق مستقبلك وأحلامك وراتبك وتعليمك وصحتك وقوتك وابتسامتك… الخ
الفرق بين اللص العادي واللص السياسي هو أن الأول يختارك ليسرق ما تطاوله يديه من ممتلكاتك، أما الثاني فأنت الذي تختاره وتأتي به ليسرقك.
الفرق الثاني هو أن اللص العادي ملاحق من الشرطة، بينما اللص الثاني تستميت الشرطة في حمايته.
هل ننسى النائب مشعان الجبوري الذي اعترف وبصورة علنية واكثر من مرة بانه وكل الطبقة السياسية لصوص وفاسدون ومرتشون!!.
لقد جففوا ضرع العراق عندما اعتبروا ان العراق بقرة حلوب، فاستنزفوا ثرواته وبنوا مجد ثروتهم على حساب شعب منكوب ومستمرون لا مبالاة، سرقوا آمال الحاضر والمستقبل، لصوص وصلوا الى القضاء مما أدى الى بطلان توجيه التهم اليهم، هؤلاء يسرقون أحلام العراقيين وطموحاتهم، انهم لا يملكون شهامة من سبقهم من اللصوص المحترفين، انهم عصابات تنمّرت وتنكّرت للقيم والأعراف والأخلاق!!، لكنَّ خطورة الفساد في العراق أنّه لم يعد يقتصر على مظاهر الفساد السياسي والمالي والإداري، وإنّما هناك تقبّل اجتماعي وثقافي لِلفاسدين وتقبلهم باعتبارهم شخصيات عامة.
لا نريد ان نسترسل في سرد الحكايات والقصص عن سراق الرئاسات الثلاث، وكذلك من مجالس المحافظات بعدما وصلت الأمور الى الوحل، فسراق السياسة في العراق (لم تسرق الجمل) بل ابتلعته ابتلاعا، مع كل احماله، وهي مصممة على إزالة العراق من الوجود، تحت عنوان (العراق الجديد) بعد أن جردوه من مقتنياته وتاريخه الحضاري، ومن بنيته العلمية والتقنية، ليصبح على أيديهم دولة فاشلة بامتياز، ولكنها فشلت في سرقة وتحطيم عقل وقلب وماضي ومستقبل العراقيين الاصلاء.
ان العراق ومستقبله وشعبه لا يصنعه الجبناء وبائعو الوطن ولصوص السياسة، المغامرين بمصيره، فهل نعيش حتى نسعد برؤية عهد جديد يعيد للدولة هيبتها ومكانتها بعيداً عن التخندقات الدينية والطائفية والعنصرية.. أم نبقى على ما نحن فيه من ضنك وتيه وضياع وأسقام .. كل ذلك مرهون بما سيبذله شباب تشرين الذي لا بد ان ينتفض من جديد ليقود مسيرة التغيير والبناء، ولنخرج من عنق الزجاجة الى فضاء الحرية والعدل. ومن الله التوفيق.
سرور ميرزا محمود.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1398 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع