حين يتحوّل التشكيك إلى إنكار: بغداد بين التاريخ والذاكرة المؤدلجة

إبراهيم فاضل الناصري

حين يتحوّل التشكيك إلى إنكار: بغداد بين التاريخ والذاكرة المؤدلجة

قطعا ليس التاريخ سجلًا محايدًا للأحداث، بل هو مجال صراعٍ دائم بين الفهم والتوظيف، بين البحث العلمي وإعادة الإنتاج الأيديولوجي للذاكرة. وفي لحظات الاضطراب الفكري والسياسي، يميل التاريخ إلى الانزلاق من كونه موضوعًا للفحص النقدي الرصين إلى مادةٍ رمزية يُعاد تشكيلها وفق حاجات الحاضر وهواجسه. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال مطروحًا حول كيف حدث ما حدث، بل حول لماذا ينبغي إنكار ما استقر في الوعي الجمعي بوصفه حقيقةً تاريخية.
في هذا السياق، برزت في السنوات الأخيرة أطروحات تُشكّك في أحداثٍ تأسيسية راسخة في المدونة التاريخية الإسلامية، من دون أن تستند إلى اكتشافات جديدة أو قراءات منهجية صارمة، بل انطلاقًا من رغبةٍ في إعادة تأويل الرموز الكبرى للتاريخ الإسلامي. ومن بين هذه الأطروحات الادعاء القائل إن أبا جعفر المنصور لم يؤسّس مدينة بغداد، وإن نسب هذا الفعل إليه لا يعدو كونه اختلاقًا تاريخيًا لاحقًا. وهو ادعاء، عند إخضاعه للفحص العلمي، يكشف عن خلطٍ واضح بين النقد التاريخي المشروع والتشكيك الأيديولوجي الذي يبدأ من النتيجة قبل الدليل.
فإن تأسيس بغداد على يد أبي جعفر المنصور لا يستند إلى روايةٍ منفردة أو مصدرٍ معزول، بل يقوم على تواترٍ واضح في مصادر مبكرة ومتعددة، تعود في معظمها إلى القرنين الثاني والثالث الهجريين. فالطبري يورد تفاصيل دقيقة عن اختيار الموقع وتوقيت الشروع في البناء سنة 145هـ/762م، ويصف الإجراءات التنظيمية والإدارية المصاحبة. ويؤكد اليعقوبي والمسعودي وابن الأثير هذا الدور التأسيسي، كلٌّ من زاويته، في حين يفرد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد مساحة واسعة لروايات التأسيس ومعالم المدينة الأولى. إن هذا التعدد في المصادر، واختلاف بيئات مؤلفيها، وتقاربهم الزمني من الحدث، يمنح الواقعة درجةً عالية من الموثوقية التاريخية، تجعل من إنكارها خروجًا صريحًا عن المنهج العلمي القائم على النقد والتحليل، لا على الإلغاء والمحو.

غير أن جوهر الإشكال في هذه الأطروحات لا يكمن في إنكار الروايات فحسب، بل في خلطٍ منهجي بين وجود استيطانٍ بشري سابق في منطقة دجلة، وبين الفعل التأسيسي لمدينةٍ عاصمة ذات هوية سياسية وإدارية واضحة. فلا خلاف بين المؤرخين على أن موضع بغداد كان يضم، قبل العصر العباسي، قرى وأسواقًا وأديرة ومواضع عبادة، لكن هذا الوجود السابق لا ينفي مفهوم التأسيس، الذي يتجاوز مجرد الاستيطان إلى فعلٍ سياسي وعمراني مقصود، يتمثل في اختيار الموقع وفق اعتبارات استراتيجية، ورسم تخطيط المدينة، وبناء أسوارها، وإنشاء مرافق السيادة، وإعلانها عاصمةً رسمية للدولة.
وهذا التمييز بين الاستيطان والتأسيس ليس اجتهادًا اعتباطيًا، بل قاعدة منهجية معتمدة في دراسة تاريخ المدن الكبرى. فلا يُسقط وجود الفسطاط عن القاهرة صفة التأسيس الفاطمي، ولا تنفي التجمعات القديمة في محيط روما فعل تأسيسها بوصفها كيانًا سياسيًا وعمرانيًا مستقلًا. ومن ثمّ، فإن إنكار تأسيس بغداد بحجة وجود عمرانٍ سابق ليس سوى مغالطة مفهومية تُفرغ المصطلحات التاريخية من معناها التحليلي.
ويزداد هذا الخلل وضوحًا عند النظر إلى الدليل العمراني ذاته. فبغداد المدورة ليست تطورًا عفويًا لتجمعات قائمة، بل مشروع دولةٍ متكامل. فالتصميم الدائري، الذي يتوسطه قصر الذهب والمسجد الجامع، وتحوطه الأسوار المتعاقبة والأبواب الأربعة، يعكس رؤيةً سياسية واعية تقوم على مركزية السلطة وإحكام السيطرة الإدارية. وقد استُقدمت لهذا المشروع خبرات هندسية من أقاليم متعددة، ووُظّفت فيه موارد مالية وبشرية ضخمة، ووُصفت المدينة منذ نشأتها بوصفها كيانًا جديدًا مختلفًا في بنيته ووظيفته عن أي عمرانٍ سابق في المنطقة.
ومع ذلك، فإن محاولات إنكار هذا الفعل التأسيسي لا يمكن فهمها بمعزل عن سياقها الأيديولوجي المعاصر. فهي لا تستهدف الحدث العمراني في ذاته بقدر ما تطعن في رمزية بغداد بوصفها عاصمةً عباسية شكّلت مركز الثقل السياسي والعلمي والحضاري للعالم الإسلامي قرونًا طويلة. ومن هنا، يتحوّل التشكيك التاريخي إلى أداةٍ في صراع رمزي أوسع حول شرعية الدولة العباسية ودورها في تشكيل الحضارة الإسلامية، ويتخفّى هذا الصراع أحيانًا بثوب البحث الأكاديمي، بينما هو في جوهره إعادة توظيفٍ للتاريخ لخدمة سردياتٍ معاصرة.

إن الموقف النقدي الرصين لا يقوم على تقديس الشخصيات التاريخية ولا على نفي أدوارها، بل على قراءة الوقائع في سياقها. فالإقرار بدور أبي جعفر المنصور في تأسيس بغداد لا يعني إغفال أدوار المهندسين والعمّال والولاة، ولا ينفي وجود عمرانٍ سابق في المنطقة، لكنه يثبت أن القرار السياسي، واختيار الموقع، ووضع التخطيط، وإعلان المدينة عاصمة، تمثل أفعالًا تأسيسية مكتملة الأركان. وإنكار هذه الأفعال لا يتم إلا عبر تفريغ مفهوم التأسيس من معناه، وتحويله إلى مصطلحٍ شكلي بلا قيمة تحليلية.
وعليه، فإن القول بأن أبا جعفر المنصور لم يؤسّس مدينة بغداد ليس قراءةً تاريخية بديلة، بل موقفًا أيديولوجيًا يفتقر إلى الأساس العلمي، ويقوم على تحوير المفاهيم بدلًا من فحص الأدلة. فبغداد، بوصفها عاصمةً وكيانًا إداريًا وعمرانيًا، هي نتاج رؤية عباسية واضحة، ودور المنصور فيها ثابت بتواتر المصادر، وشواهد العمران، وسياق العصر.
إن إعادة قراءة التاريخ حقٌّ مشروع وضرورة معرفية، غير أنّها تفقد قيمتها حين تنفصل عن المنهج، وتتحوّل من أداةٍ للفهم إلى أداةٍ للإنكار، ومن نقدٍ علمي إلى تفكيكٍ انتقائي للذاكرة.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

946 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع