
د. صبحي ناظم توفيق
"عميد ركن متقاعد... دكتوراه في التأريخ"
16/1/2026

خيالات إنهيار الولايات المتحدة الأمريكية
تمهـيــــد
على إثر الإنتقادات الغاضبة نحو الرئيس "دونالد ترامب" بالتهور وعدم الإلتزام بالمواثيق الدولية، والتي وجّهها البعض من زعماء الدول غير الصديقة للولايات المتحدة الأمريكية على إثر عملية "العزم المطلق" غير المسبوقة بعد منتصف ليلة 2/3 ك2 2026، وذلك رغم النجاح المخابراتي-العسكري الباهر الذي حقّقته قوة "دلتا" الأمريكية الخاصة بإختطاف الرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو" مع قرينته من فراش نومهما ونقلهما من عقر قصره الفاره والمحمي على أيدي المئات من حرسه الخاص وسط "كاراكاس" إلى "نيويورك" خلال بضع ساعات، حتى بلغ النقد السلبي إلى ألْسِنة عدد من أعضاء مجلسَي الشيوخ والنواب الأمريكيين وحكام الولايات بخرق رئيسهم القوانين الأمريكية التي تستوجب موافقة مجلِسَي الكونغرس قبل الإقدام على تنفيذ هكذا عمليات ستراتيجية خطيرة خارج البلاد، كونها ترقى لمستويات السياسات العليا للدولة، وقد تعرّضها لمخاطر ليست بالحُسبان.
رؤى وأحلام
هذه المواقف السلبية جعلت البعض من المحلّلين السياسيين والستراتيجيين إلى جانب أصحاب قلم بارزين ليسوا على وئام مع حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وشخص الرئيس "ترامب" يرون أن هكذا إنتقادات وإعتراضات وبالأخص من الداخل الأمريكي تشير إلى رغبات كامنة في صدور مجتمعات عدد من الولايات الأمريكية بالإنفصال من الحكومة الإتحادية التي تتحكم بشؤونها من البيت الأبيض.
ومن جانبنا نرى أن مثل هذه التصورات والتحليلات قد تحمل في طيّاتها نوعاً من الواقعية النسبية، رغم كونها لطالح الولايات المتحدة دون صالحها، ولا غبار عليها وسط دولة هي الرابعة من حيث المساحة عالمياً، والتي يتمتع شعبها بحرية إبداء أخطر الآراء والإنتقادات اللاذعة التي تنبع من صدر أي مواطن وأي صاحب قلم بسيط ولسان غير فصيح يسرد ما يدور في جمجمته وصميمه من آراء ورؤى، وأن القوانين الأمريكية السارية تحميه، ولا يجوز لأية محكمة محاسبته في جميع بقاع دولة الولايات المتحدة الأمريكية، بما فيها "جزر هاواي" التي أضحت الولاية رقم 50 عام 1959.
أعمار الدول
وفي هذا الشأن وددتُ قبل كل شيء أن أسوق للمتابع الكريم إلى ما طرحه المؤرخ الرائع والفيلسوف التونسي- المغربي- الأندلسي "عبدالرحمن إبن خلدون" قبل وفاته في سنة 1406 م، والذي إعتبره أعظم المؤرخين والفلاسفة البارزين من بعده بمثابة أوّل المؤرخين في عموم التأريخ، من حيث عدم سرده الأحداث والوقائع المسموعة من هذا والمنقولة عن هذه المخطوطة أو تلك، بل أنه أقدم على تفسيرها وربط بعضها بالبعض الآخر وإرتقى إلى تفسيرات وإستنتاجات مترابطة لم يسبقه إليها أي مؤرخ على الإطلاق.
وكانت أعمار الدول من أهمّ طروحات "إبن خلدون"، والذي شبَّهها بأعمار الناس في مقولته الخالدة والمختصرة:-
(الدول كالأشخاص، تنتقل في حياتها من سِنّ التَزَيُّد إلى سِنّ الوقوف، ثم إلى سِنّ الرجوع).
وربطاً بأعمار الدول، فإن ما إستشفّيناه من إطّلاعاتنا المتواضعة على مسارات التأريخ القديم والوسيط والحديث والمعاصر، أن جميع الدول -بما فيها أعظم الإمبراطوريات وأطولها أعماراً- نشأت صغيرة بنفوس محدودة ومساحة ضئيلة وأموال بسيطة وقدرات متواضعة، ثم إتّسعت وكبرت وإنتشرت مراميها بقوة السلاح والمال والنفوذ والإمكانات، وإستحوذت على أراضٍ ومياهٍ وبحارٍ حتى غدت دولاً كبرى أو أضحت إمبراطوريات عظمى تتحكم بأرجاء شاسعة من الكرة الأرضية حتى بلغت القِمَم... وبعد إنقضاء قرن أو بضعة قرون أمست تتراجع وتضعف وتضمحل أمام الأعداء والخصوم، سواء جراء حروب مع الخارج، أو تهرّأت بثورات شعبية إنبثقت من الداخل بدعم خارجي، قبل أن تنهار ويقضى عليها فتزول وتمسي من الماضي.
إنهيارات القرن العشرين
ومن دون ولوج في تفاصيل الدول في القرون البعيدة، فإن لدينا -نحن المتقدمون في الأعمار بفضل الله سبحانه- العديد من الأمثلة القريبة من الوقائع التي عاصرناها أو سمعنا بها أو درسنا أسبابها ونتائجها وذيولها، وتعايشنا مع تفاصيلها وتابعنا نتائجها في سنوات حياتنا خلال عقود القرن20، وبالأخص بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) أوزارها، وذلك بإنهيار الإمبراطوريتين "العثمانية والنمساوية"، لتبقى ثمان دول عظمى تحكمت في أمور العالم، والتي دخلت بمجموعها الحرب العالمية الثانية (1939-1945) على شكل تحالُفَين عظيمين قبل أن تخسر دول "المحور" الثلاث أمام الدول الحليفة الخمس، فتراجعت اليابان وإيطاليا وإنحسرتا داخل حدودهما المرسومة، فيما أُحتُلَت آلمانيا النازية وتجزأت إلى شرقية وغربية، ولم تَبقَ سوى خمس دول عظمى شكّلت الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأضحت أعضاء دائمين في مجلس الأمن الدولي.
ولكن إثنتان فقط من تلك الدول الخمس يمكن إعتبارهما حقاً عظمَيَين في كل شيء، لأن "بريطانيا العظمى" لم تَعُد عُظمى بعد أن منحت الإستقلال لمستعمراتها التي لم تكن الشمس تغرب عنها حتى إنحسرت في مقاطعاتها الأربع، وينطبق ذلك على فرنسا العظمى... أما الصين فقد فقدت إمبراطوريتها بثورة شيوعية جعلتها تتقوقع وسط نظامها الإشتراكي لعقود عدة.
أما معاصرتنا الأقرب والأعظم وتأثرنا بأعمار الدول فقد كَمُنَت في معايشتنا لإنهيار الإتحاد السوفييتي العظيم وتفكّكه (1991) إلى 16 دولة، مانحاً الفرصة الذهبية للولايات المتحدة الأمريكية كي تتحكّم في كلّ العالم المعاصر بمثابة دولة عظمى وحيدة، بدءاً من أواخر القرن العشرين ولحد يومنا الراهن... ومن المُسَلّم به أن لا نستغرب أن تقع مثيلات هكذا أحداث خلال العقود القادمة.
تخيّلات الإنهيار الأمريكي
إذن فإنهيار الدولة الأمريكية الإتحادية أو تفكّكها إلى دول ذات مساحات أدنى، أو إنفصال عدد من ولاياتها الـ50 عن سطوة "واشنطن"، ينبغي أن لا يكون مستغرباً إنْ حدث، ما دامت هناك ولايات متضجّرة من التحكّم المركزي السائد لدى الدولة الإتحادية منذ تأسيسها في 4 تموز 1776 وإنبثاق دستورها الموحّد، وإحتوى عدد منها مجتمعات تؤمن بدين أو مذهب أو معتقد مقدّس، أو تختلف بألوان متباينة أو أعراقٍ مغايرة أو أصول مختلفة لا تتماشى مع الأكثرية السائدة لدى عموم الأمريكيين، فيما تُضاف إليها فوارق شاسعة ومؤسِفة بين أصحاب الأموال الهائلة التي تتعاكس معهم المُعانون من الفقر المتقع والبطالة وضَنَك العيش، وكلّها نقاط سلبية قد تمهّد للتفكّك وربما الإنهيار.
إيجابيات معاكسة
ولكن الذي يجعل إحتمالات الإنهيار أو التفكك بعيدة المنال في المستقبل القريب أو المنظور، نقاطٌ تُبْقي الرؤى غير المعادية أو المنحازة لأحد الخصوم لصالح إستمرارية دولة الولايات المتحدة الأمريكية العظمى بواقعها الراهن، والتي يمكن إجمالها بما يأتي:-
• الولايات المتحدة منذ بداية العقد العاشر والأخير من القرن20، لم تَعّدْ دولة عظمى فحسب، بل غدت عملاقة فوق العظمى، من حيث إستحالة مقارَنتها حتى مع "روسيا الإتحادية" التي تليها في العظمة، سواءً بِهَول قواتها المسلّحة بصنوفها وقياداتها والعشرات من قواعدها الضخمة المتمركزة في عموم العالم بلا منازع يُذكَر، وسيطرتها على معظم بقاع الكرة الأرضية من دون منافِس ولا رقيب وحسيب، وبالأخص بعد إنهيار خصمها الممثل بالإتحاد السوفييتي السابق، وعدم بلوغ خليفته "روسيا الإتحادية" مستويات تتمتع بها دولة الولايات الأمريكية العملاقة التي حقّقت سطوة مُرعٍبة على معظم مساحات العالم المعاصر وبحاره ومحيطاته ومضائقه وممراته البحرية.
• أما إمكانتها الإقتصادية فحدّث ولا حَرَج، فموازنتها السنوية المتصاعدة كانت أشبه بالخيال الذي لا يُصَدّق، من حيث بلوغها 35 ترليون (35 ألف مليار دولار) في العام الحالي 2026، إذْ لا تقترب منها أية موازنة سنوية لأية دولة عظمى تليها قبل الدول العُظمَيات الأخرَيات، وبالأخص وقتما نقارنها مع "روسيا الإتحادية" العظمى التي لا تعدو موازنتها السنوية أكثر من نصف ترليون (أي 500 مليار دولار فقط) للعام الراهن!!!!
• السطوة الأمريكية منذ أواخر القرن20 المنصرم والعقود الثلاثة من القرن 21 الراهن، جعلت معظم دول العالم تتقرّب إليها وتتمنى صداقتها وتتزلّف للتحالف معها وتحاول الإبتعاد عن غضبها وشرورها وتنأى بذاتها عن أعدائها وخصومها.
• ولما فشلت "روسيا العظمى" في إنهاء حربها على "أوكرايينا" ذات الحدود البرية والبحرية المتتاخمة معها على الرغم من قدرات "كييف" المحدودة، رغم إنقضاء 4 سنوات من القتال الضروس بينهما، وإضطرار "موسكو" لإقتناء أسلحة وإستيراد مرتزقة من دول غير مرغوبة لدى "واشنطن"، أظهر "موسكو" بمثابة دولة لا تمتّ إلى العَظَمة بصلة، وعَلَّت من سمعة أمريكا وضخّمت سطوتَها، وأظهرتها واقفة إلى جانب الدول الصديقة لها وحامية لها.
الخاتمة
وختاماً يمكن القول أن النقاط التي سطّرناها لصالح أمريكا لا يُشتَرَط معها إستحالة تفكّك ولاياتها عن الدولة الأُم، سواء في حالة الرغبة أو جراء المواقف الإتحادية حيال الولايات المتضررة من سياسات "واشنطن"، وخصوصاً إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار أن أصغر الولايات الأمريكية وأدناها مساحة هي أوسع إذا ما قارنّاها مع مساحات العديد من الدول الآوروبية، الأفريقية، الآسيوية وأمريكا الجنوبية.. وأن عدداً من تلك الولايات تتمتع بناتج محلّي يفوق 4 ترليونات دولار لكل ولاية أو يقرب منها، وأن الحصة السنوية لكل واحدة منها تفوق أو تقرب من "ترليون" دولار (أي 1000 مليار) من الموازنة العامة لعموم الدولة، أو تزيد على نصفه على أقل تقدير... أي بمعنى أن موازنة كل منها على حِدة تتعدى مجموع موازنات بضع عشرات من دول العالم ذات الدخل المتوسط... أي أن أي من هذه الولايات يمكن أن تصبح دولة كبيرة، مستقلة، مرموقة، قوية ومُهابة بالمقارنة مع دول العالم المقتدرة في جميع مناحيها الإقتصادية، العسكرية، السياسية، الثقافية، العلمية، الصحية، التجارية، الزراعية والصناعية.
ولذلك نختم القول بأن تفكك الولايات المتحدة الأمريكية إو إنهيارها يبدو من أشباه المستحيلات في يومنا الراهن والمستقبل القريب أو المنظور.

813 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع