أ.د. عبدالسلام سبع الطائي- أستاذ علم الاجتماع
ترامب يصنع المفاوضات من فوهة الحرب!
ترامب: تفاوض مفاجئ لإرباك الخصم واستنزافه ذهنيا ونفسيًا .
طريق كسر ولاية الفقيه: لا يتوقف في بغداد… المعركة أبعد من العراق!
من بغداد تبدأ، لكن لا تنتهي!
ازدواجية خطاب ترامب جعلت "التشاؤل" وسيط العراقيين اكثر من التفاؤل والتشاؤم
القانون الذهبي لتحرير العراق: الله، الشعب والقانون الدولي
أرادوه هلالًا شيعيًا… فإذا به طوقًا يضيق عليهم.﴿ وما رميتَ إذ رميتَ ولكنَّ اللهَ رمى﴾
مقدمة: الحرب خدعة"
لعبة الأعصاب القصوى الأمريكية تتجسد في ترامب بين الحرب القادمة والمفاوضات القسرية مع إيران. تارةً الحرب وتارةً التفاوض: هكذا يلعب الرئيس ترامب على الحافتين، مزيج من تهديد مبطن ومفاوضات محتملة اسوء من الحرب. سياسة الإرباك المقصود هذا تسيطر على الصراع النفسي الايراني، فهو يلوّح بالحرب ثم يفتح باب التفاوض دون ضمانات.
الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل يمكن أن تُدار عبر استراتيجيات نفسية وسياسية دقيقة. التاريخ الإسلامي يقدم جذورًا لهذه المفاهيم؛ على سبيل المثال، كتمان وجهة غزوة بدر، حيث لم يُصرح النبي ﷺ بالهدف الحقيقي، بل أجاب: «نحن على ماء». لم يكن التصريح هذا الا تورية ذكية لإخفاء المقصد. كذلك، غزوات مثل فتح مكة وغزوة الخندق (الأحزاب) شهدت استخدام الخداع والتخطيط الاستراتيجي لتقليل الخسائر وتحقيق النصر.
في السياق المعاصر، يشهد الخطاب السياسي، خاصة في عهد دونالد ترامب، نمطًا متكررًا من الرسائل المتناقضة: التهديد بالحرب مقابل الدعوة للتفاوض، والتصعيد اللفظي مقابل التراجع التكتيكي، سواء تجاه إيران أو تجاه الاحتجاجات الداخلية في العراق. هذا النمط ليس مجرد تقلب مزاجي، بل يُحلل ضمن استراتيجية نفسية–سياسية واعية تُعرف بـ إدارة الإدراك (Perception Management) وعدم القدرة على التنبؤ الاستراتيجي.
تهدف هذه الورقة إلى تحليل هذا الأسلوب من منظور علم الاجتماع النفسي والسياسي، وبيان آلياته النفسية والاجتماعية، وحدوده، إضافة إلى تأثيراته على الشعوب المتأثرة، خصوصًا العراقيين.
الحرب النفسية وعدم القدرة على التنبؤ
في أدبيات الحرب النفسية، يُنظر إلى السلوك غير المتوقع كأداة لزعزعة استقرار الخصم إدراكيًا. تستند هذه الفكرة إلى نظرية الرجل المجنون (Madman Theory)، التي تُظهر أن إظهار القائد بمظهر غير قابل للتنبؤ يدفع الخصم إلى تضخيم المخاطر وتجنب التصعيد. ومن منظور علم النفس الاجتماعي، التناقض المستمر يولّد تنافرًا معرفيًا (Cognitive Dissonance) لدى الطرف المستهدف، ما يضعف قدرته على اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة.
أولًا: التهديد والتفاوض: البعد النفسي للتهديد
الخطاب العسكري الحاد تجاه إيران قد لا يهدف بالضرورة إلى الحرب، بل إلى:
• خلق ضغط نفسي مستمر على صانع القرار
• رفع تكلفة الخطأ المحتمل
• إبقاء الخصم في حالة استنفار ذهني دائم. وهذا يُعد بحد ذاته شكلًا من الاستنزاف النفسي طويل الأمد دون مواجهة فعلية.
التحول المفاجئ إلى التفاوض
عندما يتبع التهديد خطابًا تفاوضيًا دون شروط، تتضاعف التأثيرات النفسية هدفها:
• إرباك التوقعات
• زعزعة القدرة على بناء استراتيجية مضادة مستقرة
• منح الخصم مخرجًا تفاوضيًا دون الشعور بالهزيمة.
ولعل هذا التناوب بين التصعيد والتراجع بالعصا والجزرة لا يؤثر على مستوى الدولة فحسب، بل يسيطر على المشاعر الجمعية للشعب الإيراني.
ثانيًا: الهجوم العسكري والتفاوض: قاعدة تاريخية
من منظور التحليل السياسي والتاريخي، التعرض العسكري غالبًا ما يسبق التفاوض، وهو نمط متكرر عبر الحروب الكبرى. العمليات العسكرية تُستخدم لإظهار القدرة والضغط الاستراتيجي، ثم تتبعها مفاوضات لإرساء حل أو اتفاق. من هذا المنطلق، فإن التهديد العسكري الأمريكي للرئيس ترامب قد لا يُفهم على أنه نية للحرب الشاملة بالضرورة حاليا، بل كأداة لإظهار الجدية والقوة وتهيئة البيئة التفاوضية. كما ان التناوب بين التصعيد العسكري والسياسة التفاوضية يُعد استراتيجية لإدارة الإدراك النفسي للخصم وضمان تفاوض ضمن إطار واقعي.
ثالثًا: تحول العراق من ساحة ضغط الى كقضية
العراق لم يكن طرفًا ثانويًا في الصراع الأمريكي- الإيراني، لكنه ظل أكثر الساحات هشاشة. مع الخطاب الأمريكي المتقلب، شعر العراقيون حينها أنه صراعًا ليس من اختيارهم بل أصبح عبئًا نفسيًا واجتماعيًا مباشرًا. حين يهدد ترامب إيران، ثم يعرض التفاوض، ثم يهدد بالعقوبات على النظام في حال قمع المتظاهرين، تصل الرسالة إلى العراقيين على أنها جزء من لعبة مساومات أكبر . في علم النفس السياسي يطلق على هذا بـ Instrumentalization of Suffering، أي تحويل الألم الشعبي إلى أداة تفاوض لا قضية أخلاقية. لكن مبعوثو ترامب مؤخرا ربما قد أزالوا بعض الغبار عن هذه التوقعات. وبالرغم من ذلك، الشارع العراقي ما زال يعيش ازدواجية التفاؤل والتشاؤم.
ازدواجية خطاب ترامب وتأثيرها النفسي
ازدواجية خطاب ترامب جعلت العراقيين يعيشون ازدواجية شعورية حادة خلقت حالة من: التفاؤل والتشاؤم والتشاؤل:
• التفاؤل بقدرة القوى الدولية على دعمهم
• التشاؤم من غياب الحماية الواقعية.
وهذا قد ادى إلى حالة وسطية بين التفاؤل والتشاؤم، ساطلق عليها بظاهرة ، التشاؤل، وبسببها يعاني المجتمع العراقي من قلق مستمر وعدم القدرة على اتخاذ مواقف واضحة، وهو ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ Cognitive Ambivalence..
ارتباط خطاب ترامب باحتجاجات شباب تشرين
شباب تشرين دفعوا ثمنًا فادحًا في مواجهة الهيمنة الإيرانية والميليشيات، حيث استشهد وجرح منهم أضعاف المحتجين الإيرانيين. الخطاب الأمريكي المتقلب أسهم في رفع سقف التوقعات السياسية دون تقديم حماية مستدامة، ما أفضى إلى مواجهة شعبية مكشوفة أمام القمع، وزاد من حالة القلق والتنافر المعرفي داخل المجتمع.
خامسًا: القانون الذهبي للتحرير ونصرة العراق : الله، الشعب والقانون الدولي
تجربة العراق تثبت أن أي تحرر حقيقي لا يُبنى على القوة العسكرية وحدها أو على الدعم الخارجي المتقلب، بل على ثلاثة ركائز مترابطة تشكل القانون الذهبي للنصر والتحرير:
1. الإيمان بالله : يعطي الفعل السياسي المصداقية الأخلاقية والقدرة على الصمود أمام الضغوط النفسية والسياسية.
2. الشعب مصدر السلطات: إذ إن الفعل الجمعي الموحد، المستند إلى تنظيم مدني واعٍ، هو مصدر الشرعية الفعلية لأي عملية تغيير أو تحرر.
3. القانون الدولي: يعزز المطالب الشرعية عبر الاعتراف العالمي بحقوق الشعب وسيادته، ويحول التغيير المدني إلى عملية مقبولة دوليًا، ما يقلل من الاستغلال الخارجي أو الهيمنة الإقليمية.
فمن خلال التوازن بين هذه الركائز، يمكن للعراق استعادة أمله الوطني وتحويل التحديات النفسية والسياسية إلى قوة استراتيجية حقيقية، بعيدًا عن الارتهان للضغوط الخارجية أو التلاعب بالازدواجية النفسية التي تفرضها القوى الكبرى.
خلاصة : الطريق الممكن… لا الموعود
أخطر ما واجهه العراقيون لم يكن التهديد بالحرب، بل الارتهان لوهم الحماية الخارجية. التجربة تؤكد أن التحول الوطني المستدام لا يُنتج عبر صراعات بالوكالة، بل من خلال:
• استقلال الخطاب الوطني
• تنظيم الفعل الاحتجاجي على أسس مدنية جامعة
• فصل مطلب السيادة عن أي استقطاب خارجي
بهذا، يصبح الفعل الجمعي الوطني مصدر الشرعية والتغيير، ويُمكّن العراقيين من استعادة الأمل والعمل بشكل فاعل ضد الاحتلال الايراني، بعيدًا عن التوقعات الخارجية المتقلّبة، مع إدراك أن الضغط العسكري المترافق مع التفاوض هو قاعدة تاريخية وليس احباطا مطلقًا، وأن ازدواجية الخطاب الدولي لا تحدد مستقبلهم، بل قدرتهم على التغيير المدني والسيادي.
• تم الاستعانة بتقنية الذماء الاصطناعي

962 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع