
د.خليل حمد الأزهري*
مراجعة نقدية: "المدرسة في مدينة أفريقية صغيرة"أنموذجاً لإشكاليات المنظومة التعليمية السوسيولسانية في شمال الكاميرون
مقدمة:
تُعد إشكالية الملاءمة بين لغات التدريس الرسمية والواقع اللغوي المحلي للمتعلمين واحدة من أبرز التحديات التي تواجه النظم التربوية في السياقات الأفريقية متعددة اللغات والثقافات. في هذا السياق، يأتي العمل المشترك والتحليل المعمق الذي قدمه اللساني هنري تورني(Henry Tourneux) والجغرافي أوليفييه إيبي ماندجيك، في دراستهما المعنونة بـ "المدرسة في مدينة أفريقية صغيرة - دياماري"، والكتاب باللغة الفرنسية.
وتتخذ الدراسة من مدينة "ماروا" الكاميرونية حالة دراسية نموذجية، لتقدم تحليلاً سوسيولسانياً وتربوياً مؤطراً يجمع بين الرصانة الأدبية والحداثة التحليلية، ويسلط الضوء على المفارقات البيداغوجية الراهنة.
ونركز الحديث على تحليل المحتوى الخاص باللغة العربية، وقد تناولنا ما سجله هنري تورني في هذا السياق.
وقبل إعداد الورقة البحثية، قمتُ بمراسلة تورني في باريس عن طريق سكرتيره الخاص الباحث اللغوي بوبكري عبد الرحمن بمدينة ماروا، وأخبرتُه بأنني عزمت على إجراء دراسة عن كتابه المدرسة في مدينة أفريقية صغيرة، وسألته: هل أنت ما زلت على جميع آرائك فيما كتبته عن التعليم في مدينة ماروا من خلال كتابك L'école dans une petite ville africaine (Maroua, Cameroun)، فأجاب بأنه ما زال معتقداً تلك الأفكار والآراء، وأن هناك مقالات جديدة كتبها في هذا المجال، ويمكن أن يزودِّني بها؛ إلا أنه فوجئ بأنني قد حصلتُ على مقالاته الحديثة التي كان يقصدها مسبقاً، حينما كنت أعدُّ دراستي عن: (صورة التعليم الإسلامي في مدينة ماروا عند هنري تورني (1801-1994) حالة المدرسة القرآنية التقليدية دراسة وصفية تحليلية من خلال كتابه: المدرسة في مدينة أفريقية صغيرة (ماروا، الكاميرون)"
L'école dans une petite ville africaine (Maroua, Cameroun)
السياق السوسيوجغرافي لـ "ماروا":
تقع مدينة "ماروا" في أقصى شمال الكاميرون، على امتداد الحزام الساحلي، وتُمثل جغرافياً وبشرياً بوتقة انصهار ثقافي ولغوي فريدة. يشير الباحثان إلى التعدد الإثني اللافت، الذي يضم الفولانيين والسكان الأصليين، إلى جانب مجموعات القبائل الأخرى،في ظل التعايش اللغوي لأكثر من عشرين لغة أم. هذا التعقيد اللغوي يشكل بيئة تواصلية غنية خارج أسوار المدرسة، ولكنه يتحول إلى تحدٍ كبير داخلها. هذا السياق السوسيوجغرافي هو الخلفية الأساسية التي تنطلق منها أطروحة العمل.
المفارقة البيداغوجية الجوهرية ومحاور التحليل:
تتمحور مباحث الكتاب حول تسليط الضوء على التحديات التربوية البيداغوجية عبر رصد ملاحظة محورية: الكفاءة العالية والسرعة الفائقة التي يكتسب بها الأطفال اللغة "الفولفولديةFOULFOULDE " (لغة التواصل المشترك في الإقليم) عبر قنوات التنشئة الاجتماعية غير الرسمية.
في المقابل، يرصد الباحثان تعثراً ملحوظاً وصعوبات جمة يواجهها المتعلمون في اكتساب اللغة الفرنسية كلغة للتدريس الرسمية داخل الفصول الدراسية.
وتُبرز هذه المفارقة التناقض بين الاكتساب الطبيعي والعفوي للغات المحلية ضمن السياق الاجتماعي الحي، وبين الاكتساب الموجه والمنظم للغة أجنبية في بيئة مدرسية قد لا تكون مهيأة لاستيعاب هذا التباين اللغوي الأولي لدى الأطفال.
نقد إهمال دور اللغة العربية في الدراسة:
على الرغم من القيمة المعرفية للدراسة في تشريح أزمة التعليم، إلا أنها تتسم بقصور ملحوظ يتمثل في إهمال الباحث الفرنسي هنري تورني لدور اللغة العربية في المنطقة تماماً، أو الاكتفاء بإشارات مقتضبة جداً لا تعكس حقيقة حضورها الراسخ وتأثيرها العميق.
هذا الإهمال المتعمد أو غير المتعمد يتجاهل أسبقية اللغة العربية ورسوخ قدمها في مدينة ماروا، وشمال الكاميرون عموماً، متجاهلاً كونها:
• لغة دينية وتاريخية محورية: اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم والعبادات، مما يمنحها مكانة مركزية في المجتمع المسلم الغالب في المنطقة.
• يعود الوجود الإسلامي واللغوي العربي في هذه المنطقة إلى قرون مضت، عبر طرق التجارة الصحراوية وانتشار المدارس الإسلامية التقليدية والكتب العربية المخطوطة.
• لغة تجارية وتواصلية (لغة مشتركة ): استخدمت العربية تاريخياً وعبر قرون كلغة للتجارة والتواصل المشترك بين مختلف المجموعات العرقية في الحزام السوداني ومنطقة الساحل،
• لا شك أن العربية موجودة في ماروا قبل مجيئ الاستعمار، منذ قديم الزمان، وكانت لغة المراسلات بالحرف العربي، ونشأت مدارس التعليم العربي الإسلامي التقليدية بكثرة، مما يؤكد وظيفتها الثقافية الحيوية التي لا تزال قائمة حتى اليوم.
• لغة تعليمية غير رسمية موازية وواسعة الانتشار: تتجاهل الدراسة الوجود القوي لشبكة واسعة من المدارس القرآنية والكتاتيب (المدارس التقليدية) التي تدرس اللغة العربية لآلاف الأطفال خارج إطار المنظومة التعليمية الرسمية التي ركز عليها الباحثان حصراً.
• هذه المنظومة التعليمية غير الرسمية تمثل واقعاً تعليمياً موازياً وضخماً يستوعب نسبة كبيرة من الأطفال، وتُعد مكوناً أساسياً في المشهد السوسيو لساني والتربوي في المنطقة.
• إن تجاهل هذا البعد اللغوي الحيوي يقدم صورة غير مكتملة ومجتزأة عن المشهد السوسيولساني المعقد في ماروا، ويقلل من شأن لغة ذات جذور تاريخية عميقة وحضور اجتماعي قوي، مما يمثل ثغرة منهجية خطيرة في التحليل الشامل للمنظومة التعليمية وإشكاليات الملاءمة البيداغوجية.
• إن أي تحليل تربوي في شمال الكاميرون يتجاهل المدارس القرآنية واللغة العربية هو تحليل يفتقد للمصداقية الشمولية.
المنهجية البحثية والتوصيات الإصلاحية:
• استند هذا العمل إلى منهجية ميدانية دقيقة، مدعومة ببيانات كمية ونوعية مكثفة تم جمعها عبر أبحاث معمقة وملاحظات ميدانية. يستفيد التحليل من التكامل المعرفي بين تخصصي اللسانيات والجغرافيا البشرية، مما يمنح الدراسة بعداً شمولياً وتحليلاً متيناً للوضع الحرج للمدارس الابتدائية في المنطقة، والتحديات التي تواجه المتعلمين في فك رموز اللغة الفرنسية المعقدة عليهم.
• وبناءً على هذا التحليل، يختتم الباحثان عملهما باقتراح إطار عمل استراتيجي وإصلاحي يهدف إلى تطوير التعليم في منطقة شمال الكاميرون.
• تركز التوصيات على ضرورة إرساء إصلاح تعليمي شامل ومستدام يأخذ بعين الاعتبار الواقع اللغوي المحلي، ويقترح استراتيجيات تطبيقية للملاءمة بين لغات التدريس واللغات الأم للمتعلمين، كخطوة أولى لضمان فهم أفضل للمحتوى التعليمي.
خاتمة واستنتاج:
• تُعد دراسة تورني وماندجيك مساهمة مهمة في أدبيات السوسيولسانيات التربوية في أفريقيا.
• الإغفال المتعمد والتهميش المقصود لدور اللغة العربية الراسخ في ماروا يمثل نقطة ضعف أساسية تحدُّ من شمولية النتائج وتطبيقية التوصيات.
• إن أي إصلاح تعليمي مستقبلي في المنطقة يجب أن يدمج اللغة العربية، ليس فقط بوصفها عنصراً ثقافياًّ، بل باعتبارها عنصراً فاعلاً وحيوياًّ في النسيج اللغوي والتربوي للمتعلمين (سواء في المدارس الرسمية أو الموازية)، لضمان ملاءمة بيداغوجية حقيقية وفعالة تسهم في تحسين مخرجات التعليم وتخدم المجتمع المحلي بشكل أفضل.
المصادر:
1-دراسة للكاتب خليل حمد الأزهري: صورة التعليم الإسلامي في مدينة ماروا عند هنري تورني (1801-1994) دراسة وصفية تحليلية
من خلال كتابه: المدرسة في مدينة أفريقية صغيرة (ماروا، الكاميرون)"
L'école dans une petite ville africaine (Maroua, Cameroun)
[2] Henry Tourneux and Olivier Iyébi-Mandjek, L'école dans une petite ville africaine: Maroua, Cameroun, (Karthala, 2002) –
*مدير مركز البحوث العلمية للاستشارات والنشر والترجمة مدينة ماروا-الكاميرون

1009 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع