
فارس الجواري
كانون الثاني 2026
قطاع الطيران المدني العراقي بين الشلل الإداري وغياب المساءلة… قطاع سيادي يُستنزف بصمت
منذ أكثر من عقدين يعيش قطاع الطيران المدني العراقي حالة شلل شبه مزمنة لا يمكن توصيفها على أنها تعثر عابر أو أزمة ظرفية بل إخفاق هيكلي عميق تراكم بفعل تخبط الإدارة وغياب رؤية حل حقيقية لها والاهم من كل ذلك انعدام المساءلة الحقيقية والنتيجة لم تعد خافية هدر ملايين الدولارات من ايرادات القطاع مع تراجع واضح للسمعة الدولية للعراق مع تراجع دوره في أجوائه الدولية وتحديدا الأوربية منها في وقت تحول فيه الطيران المدني إلى أحد أهم مؤشرات السيادة والكفاءة المؤسسية للدول، اليوم وبعد سنوات طويلة من الوعود والخطط غير المكتملة لم يعد الصمت خيارا ولم يعد تبرير الإخفاق مقبولا وان فتح هذا الملف لم يعد مطلب مختصين فقط بل اصبحت قضية رأي عام تمس سمعة الدولة اقتصاديآ وخدميا.
أولًا: التأخر في تلبية متطلبات تدقيق السلامة التشغيلية (USOAP)
يُعد برنامج تدقيق السلامة التشغيلية (USOAP) التابع لمنظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) حجر الأساس في تقييم كفاءة سلطات الطيران المدني للدول، إلا أن سلطة الطيران المدني العراقي ما زالت حتى اليوم عاجزة عن استيفاء متطلبات هذا التدقيق بصورة تعكس التزاما حقيقيا بمعايير السلامة الدولية التي تفرضها الايكاو مما يكشف خللا بنيويا في فهم دور السلطة الرقابية. فالحديث عن سيادة جوية أو تطوير قطاع الطيران لا يمكن أن يستقيم دون سلطة تنظيمية مهنية تعمل على تطبيق المعايير الدولية حسب ماتفرضه الايكاو لا تبرير تجاوزها كما حصل ويحصل منذ سنوات ولحد الان.
ثانيًا: لا يزال اسم الخطوط الجوية العراقية مدرجًا على القائمة السوداء الأوروبية منذ 11 سنة ولحد الان بالرغم من أن الحكومات المتعاقبة
وخلال هذه السنوات أُنفقت مبالغ طائلة على لجان واستشاريين وشركات دولية ووفود تفاوض دون تحقيق اي إنجاز حقيقي أو نتائج ملموسة فالمشكلة لم تكن يوما في نقص الأموال أو الفرص بل في غياب الإرادة الإصلاحية الحقيقية واستمرار ذات الخطط الإدارية التي أعادت إنتاج الفشل من الخروج من الحظر الأوروبي الذي لم يعد مسألة فنية تخص شركة طيران بل بات مؤشرا على إخفاق في ضبط منظومة السلامة والرقابة بل أصبحت هذه الادارات عاجزه عن إقناع الشركاء الدوليين بجدية الإصلاح.
ثالثًا: استنزاف بلا تخطيط جعل تعطل أو توقف أكثر من ثلث أسطول الخطوط الجوية العراقية بما في ذلك طائرات الشركة الحديثة والمتطورة مثل الماكس ليس مجرد خلل تشغيلي بل اخفاق استراتيجي في إدارة الأصول حيث أن غياب مراكز صيانة وطنية معتمدة جعل الاعتماد شبه الكامل على مراكز صيانة خارجية تتحكم في توقيتات الإصلاح ناهيك عن الكلف المالية العالية وهو ما جعل من أي عطل فني أو استحقاق تفتيشي للطائرة سببًا لتوقفها لأشهر أو سنوات وهذا الواقع لم يرفع فقط كلفة التشغيل بل أضعف موثوقية الناقل الوطني وقلّص شبكة وجهاته وأفقده القدرة التنافسية.
رابعًا: مطارات بلا هوية… وإدارة تنتج الأزمات وهذا هو واقع المطارات العراقية اليوم الذي يعكس غياب الهوية القطاعية الواضحة وتداخل الصلاحيات وسوء الإدارة والتشغيل في مطار العاصمة الذي يُفترض أن يكون واجهة الدولة الأولى هذا المطار تحول اليوم إلى ساحات احتجاج واعتصام لكوادره الذين خرجوا للمطالبة بإصلاحات إدارية وحقوقية أساسية وهي نتيجة مباشرة لإدارات غير مستقرة وعقود تشغيل غامضة وغياب بيئة عمل مهنية تحتوي العاملين وتستثمر خبراتهم.
خامسا: رغم أن العنصر البشري هو الركيزة الأساسية لأي قطاع طيران ناجح إلا أن تطوير هذه الكوادر ظل ملفا مهملا بغياب مراكز التدريب المتخصصة للطيارين وباقي الكوادر رغم توفر الكفاءات الوطنية ورغم أن بنايات بعض المراكز مكتملة كهيكل منذ سنوات دون وجود نية حقيقية لإكمالها وتشغيلها في المقابل تُصرف ملايين الدولارات على تدريبهم خارج العراق في حالات يكون فيها المدرب والمتدرب عراقيين ما يثير تساؤلات مشروعة عن جدوى هذا الإنفاق وعن المصالح التي تقف خلفه.
ما يجري في قطاع الطيران المدني العراقي لم يعد مجرد اخفاقات إدارية بل اصبح نموذج واضح لكيفية استنزاف مقدرات من المفروض تكون في ميزانية الحكومة لذا أرى أن إصلاح هذا القطاع يتطلب قرارا شجاعا باسناد القيادة لأصحاب الخبرة والكفاءة والوطنية لا لغيرهم وتفعيل المساءلة القانونية لكل من أخفق أو قصر أو أهدر المال العام خلال العقدين المنصرمين من تاريخ هذا القطاع، لقد آن الأوان لإعادة هذا القطاع السيادي إلى مساره الصحيح لأن الطيران المدني ليس خدمة ثانوية بل عنوان سيادة ومرآة دولة واختبار حقيقي لجدية الإصلاحي.
#حاسبوا_المقصرين_بالطيران
#إصلاح_الطيران_المدني
#أعضاء_مجلس_النواب_العراقي
#هيئة_النزاهة
#الإعلام_العراقي
كالمعتاد
هل من سامع؟
هل من مجيب؟

1093 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع