بدري نوئيل يوسف
الجلسة الأولى لمجلس النواب في دولة الفساد
حين يصبح الكرسي أغلى من الوطن، ومعالي الضحك سيد المشهد
الجلسة الأولى: مهرجان "العطاء الوطني" في دولة الفساد
منذ الصباح الباكر، ازدحمت سيارات الدفع الرباعي أمام بوابة مجلس النواب كأننا نشاهد افتتاح موسم صيدٍ للفرص الذهبية. الصحفيون بالكاميرات وجوههم متجهمة من الأمل الكاذب، والمواطنون خلف الشاشات يراقبون بفضول عبثي ما ستسفر عنه الجلسة الأولى: هل سيظهر نائب طائش يصرخ “أقسم بالله أخدم الشعب”، أم سيُسقط أحدهم قلمه سهواً كما يسقط الخريجون قبعاتهم احتفالاً بالنجاح السهل؟
مسرحية برلمانية من فصل واحد وبطولة الجميع!
في ذلك الصباح التاريخي الموعود، تجمع النواب الجدد (والقدامى الذين لا يهرمون أبداً) في قاعة مجلس النواب المذهبة، وهي تلمع تحت أضواء الفلاش وكأنها تجهز نفسها لحفل زفاف سياسي، لا جلسة عمل مصيرية. داخل القاعة المزخرفة بنقوش تاريخية لعهود الفساد السابقة، التفت الكاميرات لتسجيل اللحظة الحاسمة: توزيع الكراسي المبطنة لا بحسب حروف الأسماء، بل بحسب حجم الولاءات ووزن الحقائب الخفية. أحد النواب الجدد تعثّر وهو يدخل القاعة ربما ليست صدفة، بل استعارة بليغة لبداية مسيرته المبهرة!
تُفتَح الجلسة بتلاوة رسمية لنص الدستور، ذلك الكتاب الذي يُعامل بكل وقار في القاعة، ويُهان بكل جرأة خارجها. ثم يأتي طقس أداء القسم: يقف النواب صفًّا واحدًا، يرفعون أيديهم اليمنى ويتلون عبارات حفظ الوطن وحماية المال العام، بينما تتحرك الأيدي اليسرى في جيوب السياسة، تبحث عن رسالة من وسيط أو إشارة من سفارة. في اللحظة نفسها التي يُقسم فيها الجميع على محاربة الفساد، يرنُّ هاتف في الصف الأول، فيخرج صاحبه مسرعًا: المموّل ينتظر حسم حصة الوزارة الفلانية.
بعد القسم تبدأ جلسة التصفيق الوطنية. يُعلن رئيس السنّ افتتاح الدورة، فيصفق المجلس لنفسه لمدة أطول من تصفيقه يومًا لأي إنجاز حقيقي في حياة المواطنين. كل جملة في الخطاب الافتتاحي لها تصفيق خاص: عندما يردّد كلمة "الإصلاح" يرتفع التصفيق، وعندما يذكر "محاربة الفساد" ينفجر الضحك المكتوم في المقاعد الخلفية، لكن مكبّرات الصوت لا تنقل إلا صوت الأيدي وهي تلتقي بلا خجل.
افتتاحية الجلسة: جدية على الورق وضحك تحت الطاولة
بدأ الرئيس المنتخب حديثاً الجلسة بعبارات منمقة عن "خدمة الشعب" و"مكافحة الفساد"، بينما كان معظم النواب مشغولين بمراجعة قوائم الحضور والغياب، أو يتبادلون النكات حول آخر صفقة مشبوهة أبرمها أحدهم. وبينما تعالت الأصوات المنافقة بالتصفيق، لم يكن أحد يسمع سوى صوت تحويل الرصيد من حساب إلى آخر في صمت مريب.
جدول الأعمال: مناقشة قضايا لكن أي قضايا؟
تناول جدول الأعمال نقاطاً في غاية الأهمية: زيادة رواتب النواب، البحث في امتيازات السيارات الرسمية، وتوزيع المقاعد الأمامية في القاعة. أما قوانين الفقراء والتنمية، فقد تم تأجيلها إلى أجل غير مسمى، بانتظار عودة الوزير المختص من رحلة علاجية في إحدى العواصم الأوروبية.
تصويت شفاف لكن الكهرباء قُطعت فجأة!
حين حان موعد التصويت، دعا الرئيس إلى "الشفافية المطلقة". أُطفئت الأضواء فجأة، واختلطت الأصوات، وتمت الموافقة على القرارات بالإجماع دون أن يعرف أحد ماذا تمت الموافقة عليه!
ثم بدأت حفلة التعيينات: رئيس مؤقت من كتلة الأغلبية المالكة للمفاتيح السحرية، ونائبان يشبهان بعضهما في كل شيء إلا رقم الحساب البنكي، والمقرر شابٌ عُين حديثاً ليحمل أوراق الغياب بدل جداول المشاريع.
أحد النواب السابقين تسلل إلى المنصة ليقرأ تعليقا منسوخاً عن الإنجازات غير المرئية، ثم تابع النواب الجدد تدوين الملحوظات، ليس لقراءتها لاحقاً، بل ليحفظوا ملامح زملائهم فهؤلاء زبائن محتملون لصفقات الغد الآتي. الجلسة، من فرط الجدية المفتَعلة، انتهت على صوت رئيس المجلس وهو يؤكد: “سنعمل يدًا بيد كعائلة واحدة”. ابتسم الجميع، بعضهم متذكراً ولائم العائلة السابقة، وبعضهم متحسراً على الحصة التي لم تصله بعد.
مداخلات النواب: إبداع في التملق والهروب من المسؤولية
تسابق النواب في إلقاء الكلمات العصماء، حيث أبدى كل واحد منهم حرصه الشديد على "أمن الوطن"، مع
اقتراح بإنشاء لجنة خاصة لدراسة اقتراح لجان أخرى. أما أبطال الكوميديا، فكانوا أولئك الذين طالبوا بمحاربة الفساد وهم يحتضنون ملفات العطاءات تحت الطاولة!
ختام الجلسة: صور سيلفي ووعود من ورق
اختتمت الجلسة بصور سيلفي جماعية، وبعض الوعود بتحقيق "نقلة نوعية" في الحياة السياسية. خرج الجميع وهو يضحك ملء قلبه، أو ربما ملء جيبه، على أمل العودة لجلسة قادمة في دولة لا تمل من إنتاج نفس المسرحية كل دورة برلمانية!
خرج النواب إلى باحة مجلس النواب والابتسامات تعلو وجوههم، بينما المصورون يلتقطون مئة صورة لنفس
المشهد: مجلس نواب جديد، بقرارات قديمة، في دولة تتغير فيها الأسماء، ولا يتزحزح فيها الفساد عن مكانه منذ أول جلسة.
من يدري؟ لعل الكوميديا السياسية هي آخر أمل لمواطني دولة الفساد في ابتسامة صادقة!
أيها الشعب العزيز، لا تندهش إذا رأيت المشهد يتكرر، أو سمعت نائباً جديداً يقسم بنكهة قديمة! فهذه الجلسة الأولى ليست سوى فصل افتتاحي لمسرحية تَعرِضها شاشات التلفاز كل أربع سنوات، تتغير فيها ديكورات القاعة قليلاً ويبقى السيناريو محفوظاً عن ظهر قلب.
نصيحة من القلب:
إذا لم تنجح في مشاهدة كل الجلسة فلا تقلق، فعروض مجلس النواب عندنا طويلة وممتدة مثل شتاء بلدنا. لا تتعب أعصابك بكثرة التحليل، ولا تجهد نفسك في الترقب، فكل ما يلزمك هو ريموت كنترول وفنجان شاي، ثم استعد لسماع أغرب أنواع الوعود التي سيجري الاعتماد عليها مجدداً في موسم الانتخابات القادم. أما عن الإصلاح، فطمئن قلبك: هو مثل الشمس في صيف حار كثير الحديث، قليل الظهور.
وقبل أن تُطفأ الأنوار وتُغلق الجلسة الأولى، اقترح أحد النواب (على سبيل المزاح، وربما على محمل الجد) أن يتم توفير جهاز كشف الكذب عند مدخل مجلس النواب لكن الفكرة رُفضت بسرعة، ليس خوفاً من كشف الوعود المزيفة، بل لأن الجهاز نفسه تقدم بطلب لجوء سياسي ورفض العودة للعمل في دولة الفساد!

912 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع