
إبراهيم فاضل الناصري
الفيدرالية الثقافية: مدخلًا واقعيًا لإنقاذ المشروع الوطني
ليس من قبيل التوهّم أو المبالغة الفكرية القول إن أزمة الدولة في العراق لا تختزل في خلل النظام السياسي أو تعثّر الأداء الحكومي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى أزمة أعمق تتعلق بكيفية إدارة التنوّع المجتمعي. فالعراق، بحكم تاريخه وتركيبته الاجتماعية، يمثّل حالة فريدة من التعدد القومي والديني والمذهبي والثقافي، حيث تتجاور الهويات المختلفة داخل فضاء وطني واحد، لكل منها منظومتها الخاصة من العادات والأعراف والتقاليد والمعتقدات والقيم الرمزية. وقد أثبتت التجربة التاريخية، ولا سيما في العقود الأخيرة، أن محاولات صهر هذا التنوّع قسرًا ضمن نموذج مركزي أحادي لم تُنتج دولة متماسكة، بقدر ما راكمت الإحساس بالغبن والتهميش، وفتحت المجال واسعًا أمام التوترات والصراعات المجتمعية.
في هذا السياق، تبرز الفيدرالية الثقافية بوصفها إطارًا واقعيًا وعقلانيًا لإدارة التعدد، لا باعتبارها مشروع تقسيم أو تفكيك، بل بوصفها آلية تنظيمية متقدمة تعترف بالاختلاف وتحوّله إلى عنصر قوة داخل المشروع الوطني. فالفيدرالية، في جوهرها، ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لإدارة التنوع ضمن الدولة الواحدة، غير أن الاقتصار على الفيدرالية الجغرافية أو الإدارية، كما هو شائع في النقاش العراقي، أثبت محدوديته، لأنه يتجاهل البعد الثقافي والهويّاتي الذي يشكّل جوهر الإشكال. ومن هنا تأتي أهمية الفيدرالية الثقافية التي تقوم على الاعتراف الدستوري والعملي بحق المكوّنات المجتمعية في إدارة شؤونها الثقافية واللغوية والتعليمية والدينية، ضمن إطار سيادي وطني جامع لا يتناقض مع وحدة الدولة.
إن حالة الشدّ والجذب التي تطبع العلاقة بين أطياف المجتمع العراقي ليست ظاهرة عارضة، بل هي نتيجة مباشرة لشعور متراكم لدى جماعات واسعة بالخوف من الإقصاء أو الذوبان أو الإنكار الرمزي لهويتها. وعندما تشعر أي جماعة بأن خصوصيتها مهددة، فإنها تميل بطبيعتها إلى الانكفاء على الذات وإنتاج خطاب دفاعي قد يتحوّل، مع الزمن، إلى خطاب صدامي. هنا تحديدًا تكمن القيمة العملية للفيدرالية الثقافية، لأنها توفّر مظلة اطمئنان نفسي وسياسي للمكوّنات المختلفة، وتخفف من منطق الصراع الصفري على الهوية والوجود، وتنقل التنافس من مستوى الصراع على الاعتراف إلى مستوى الشراكة في إدارة الدولة. وبهذا المعنى، تتحوّل الهويات من عناصر شدّ وانقسام إلى فضاءات جذب متبادل داخل الإطار الوطني الواحد.
وعلى خلاف المخاوف الشائعة، فإن الفيدرالية الثقافية لا تُضعف الدولة ولا تنتقص من هيبتها، بل تعيد بناءها على أسس أكثر واقعية وعدالة. فالدولة القوية ليست تلك التي تُنكر التعدد أو تحاربه، بل تلك التي تمتلك القدرة المؤسسية والأخلاقية على تنظيمه وإدارته. كما أن المشروع الوطني الحقيقي لا يمكن أن يقوم على منطق الغلبة أو الإقصاء أو فرض هوية أحادية، بل على التوافق الواعي الذي يعترف بالجميع ويمنحهم إحساسًا متساويًا بالانتماء. ومن خلال الفيدرالية الثقافية، يُعاد تعريف مفهوم المواطنة بوصفه انتماءً سياسيًا جامعًا لا يلغي الانتماءات الفرعية ولا يتعارض معها، بل ينظّمها داخل إطار دستوري واحد، وتُبنى وحدة وطنية طوعية قائمة على القبول المتبادل لا على الإكراه، ما يفتح الباب أمام عقد اجتماعي جديد أكثر توازنًا واستقرارًا.
غير أن نجاح الفيدرالية الثقافية في العراق لا يمكن أن يتحقق كشعار نظري أو طرح نخبوي معزول، بل يتطلب جملة من الشروط الأساسية، في مقدمتها توفّر إرادة سياسية صادقة تؤمن بالتعدد ولا توظّفه ظرفيًا، ووجود نصوص دستورية واضحة تحمي الحقوق الثقافية واللغوية لجميع المكوّنات دون تمييز، إلى جانب بناء نظام تعليمي تعددي يعكس التاريخ الحقيقي للمجتمع العراقي بكل تنوّعاته، واعتماد خطاب وطني جامع يتجاوز منطق التخوين ويُعلي من قيم الشراكة والتكامل.
إن النهوض بالمشروع الوطني العراقي لن يتحقق عبر إنكار الواقع الاجتماعي المركّب، ولا عبر محاولة إعادة إنتاج نماذج مركزية أثبتت فشلها، بل من خلال الاعتراف الواعي بالتنوع بوصفه حقيقة بنيوية لا يمكن تجاوزها. وفي هذا الإطار، تمثل الفيدرالية الثقافية الصيغة الأقل كلفة والأكثر عقلانية لعبور عقدة الشدّ والجذب التي أنهكت المجتمع والدولة معًا، وأعاقت تشكّل هوية وطنية مستقرة. فهي ليست حلًا سحريًا لكل الأزمات، لكنها تشكّل نقطة انطلاق ضرورية نحو استقرار مستدام، تبدأ بالاعتراف المتبادل، وتنتهي ببناء دولة يشعر جميع أبنائها أنها تمثلهم دون استثناء.

1314 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع