قصة (الجريمة والعُقَابْ) - الجزء الاول

بقلم احمد فخري

قصة (الجريمة والعُقَابْ) - الجزء الاول

في ارض الشام الحبيب حيث الأزهار تتفتح بين الحقول الخضراء والقلاع القديمة تروي قصص الحضارات، بدأت هناك قصتنا لهذا اليوم. أرض سوريا، التي احتضنت مئات الآلاف من العوائل العراقية، ممن فروا من جحيم الحصار الظالم والغزو الامريكي الغاشم، بحثاً عن الأمن والأمان والاستقرار. فيصبح العراق بعدها لقمة سائغة للفصائل المارقة التي صُنِعَتْ من الظلام وامتهنت العنف والتعطش للدماء، فحكمت العراق بأهوائها، وبذلك اصبحت سوريا الملاذ الوحيد لشعبٍ تاق إلى السلام والاستقرار."

 دمشق عام 2003

مشى يوسف في جنح الظلام داخل سوق الحميدية بوسط العاصمة السورية دمشق يتبعه اولاده الثلاثة، سارة ومريم ومحمود. كان المطر يهطل عليهم بغزارة فابتلت ملابسهم حتى فقدوا الاحساس بوجودها وسئمت ارواحهم فاثقلها تعب السير على الاقدام. نظر يوسف خلفه يتفقد اولاده الثلاثة فوجدهم يبتعدون عنه بالأتجاه المعاكس وكأنهم تركوه وحيداً الى مصيره المحتوم. ناداهم باستغراب وقلق كبيرين، "الى اين انتم ذاهبون؟ لقد اقتربنا من بيت سامي". فالتفت اولاده اليه وقال أصغرهم معاتباً:

** يوسف واولاده يبتعدون عنه

محمود : لماذا جئت بنا الى هنا يا ابي؟ الم يكن الاجدر بنا ان نبيت في محطة الحافلات بدمشق فور وصولنا من بغداد؟ فلقد كانت المحطة مزودة بكراسي وثيرة وقاعاتها دافئة. اشعر ان اوصالي تؤلمني الآن من شدة البرد ولم اعد اشعر بها.

يوسف : حبيبي مودي، لا يمكنك ان تبقى بالمحطة، فعاجلاً ام آجلاً سيكتشفون امرنا وسيعرفون اننا لا نملك مأوى في هذا البلد فيرجعونا من حيث اتينا. انت تعلم ان الحياة في العراق لم تعد تطاق ولا نقوى على الرجوع اليها بعد الحصار الجائر الذي دام عقداً كاملاً والحروب المتتالية والقتل على الهوية ومما زاد في الطين بلة هو ان مرتبي صار ينفذ بعد اربعة ايام فقط من تسلمه لنقضي بقية ايام الشهر نستدين من هذا وذاك.

وفي تلك اللحظة الحزينة شعر الاولاد بالاسى على والدهم وندموا على تركه يمشي وحده فاقتنعوا بما قال وتذكروا الايام العصيبة التي مروا بها في ظل الحصار الخانق والحرب العالمية المدمرة والسقوط الغاشم فشعروا بالندم على ما فعلوا واستداروا نحوه ليتبعوه من جديد على مبدأ (مكرهٌ اخاك لا بطل). هنا قال صغيرهم،

محمود : وما ذنبنا نحن إذاً؟ هل هذا يعتبر جرماً نعاقب عليه؟ هل نحن من صنع الحصار؟ هل نحن من طلبنا من بوش ان يهاجم بلدنا؟ هل انا من جندت الفصائل المجرمة كي تسرق وتقتل؟

يوسف : يا ولدي هذا هو حال الدنيا في العراق اليوم. بلدنا مباح وشعبه يكابد مأزقاً كبيراً يا ابني. ماذا نعمل؟

محمود : لو فرضنا اننا مذنبون كما يقولون، ونحن نعاقب لاجل ذلك الذنب الذي اقترفناه، فلماذا احضرتنا انت الى هنا لننال المزيد من القصاص والتعب والحرمان والجوع؟ انظر الى المتاجر والمحلات حولك، جميعها مغلقة والشوارع خالية من البشر ولا تطأها حتى القطط والكلاب.

يوسف : حبيبي مودي، اصبح الكثير من العراقيين يأتون الى هنا لان اهلها كرماء شرفاء طيبون يحتضنون العراقيين ويحبونهم حباً جماً. فور وصولنا الى دمشق اليوم، جئنا لنبيت لدى ابن عمي سامي وانا متأكد من انه لن يردنا خائبين لانه انسان طيب القلب كريم الاصل عزيز النفس وانا احبه وهو يحبني كثيراً. تذكر ان البقاء معه سيكون امراً مؤقتاً حتى ييسر لنا الله امرنا وبعدها سنستقل وحدنا في بيت خاص بنا.

محمود : لكن يا ابي نحن لا نعرف ابن عمك هذا ولم نلتقيه ولو مرة واحدة في حياتنا فكيف تريدنا ان...

قاطعته اخته الكبرى سارة قائلة،

سارة : كفاك لغطاً يا محمود فابانا يحاول جاهداً ان يجد لنا مأوى ننام فيه هذه الليلة. اغلق فمك ودعنا نتبعه ربما سنصل قريباً الى بيت ذلك الذي اسمه سامي.

هنا تذمرت البنت الوسطى قائلة،

مريم : اووووف انا اشعر بجوع فتاك. متى سنصل يا سارة؟ بطني صارت تعزف الحاناً شجية.

سارة : لا علم لي بذلك، فابي وحده يعرف المكان جيداً لانه سبق وان تحدث مع قريبه قبل بضع سنين.

يوسف : اعتقد اننا شارفنا على الوصول يا احبابي. ربما سنراه خلف الزاوية التي من هناك. انظروا! اجل، اجل، ها هو البيت، تعالوا يا اولاد لقد وصلنا.

مشي الاولاد وراء اباهم بريبة كبير وبتردد غير مصدقين كلامه من شدة يأسهم حتى صاح الاب بسعادة،

يوسف : حمداً لله، ها هو البيت انا متأكد الآن. دعوني اطرق الباب. سوف ندخل بيته وستنعمون بالدفئ والراحة هناك، اعدكم بذلك.

سارة : اتمنى ان يكون متواجداً في بيته. والا سيذهب جهدنا هباءاً.

مريم : اما انا فاتمنى ان يكون لديه طعام لأنني جائعة. وبامكاني ان أكل خروفاً كاملاً او حتى فيلاً إذا كان متوفراً.

يوسف : كفاكم ثرثرة ودعونا نطرق الباب.

طرق والدهم الباب فانتظر الجميع وهم يمسحون قطرات المطر من على وجوههم. يترقبون الملجأ الذي قصدوه بكل رجاء لكن الباب لم ينفتح. عاد وطرق الباب من جديد فسمعوا من ورائه وقع اقدام تقترب نحوهم ثم انفتح فجأة ووقف رجل غريب الشكل طويل القامة نحيف البنية في العشرينات من العمر يمتاز بعينين مختلفتي اللون، اليسرى سوداء واليمنى زرقاء. نظر يوسف بوجهه ولم يتعرف عليه فقال بتردد كبير،

يوسف : اسـ... السلام عليكم يا اخي. اليس هذا بيت سامي العبدالله؟

نظر الرجل بعين يوسف وتفحص الاطفال واحداً واحداً باستغراب كبير ووقف لبعض الوقت ينظر اليهم جميعاً ثم قال بلهجة عراقية لا تقبل الشك،

الرجل : نعم انه بيت سامي لكنه ليس موجوداً اليوم. ذهب في رحلة قصيرة الى بيروت وسوف يعود بعد اسبوع. هل بامكاني مساعدتكم؟

يوسف : تربطني بسامي صلة قرابة. فهو ابن عمي المقرب ونحن اقصد انا واولادي قد وصلنا للتو من بغداد. كنت امل ان نبيت عنده.

الرجل : تفضل، تفضل يا عمي انا اسمي ميثم سامر العتبي. انا صديقه وشريكه بالبيت وبالعمل.

يوسف : بالحقيقة نحن لا نريد ان نزعجكَ، خصوصاً وان ابن عمي غائب. سنرحل الآن وسنعود بعد اسبوع عندما يرجع سامي من سفره.

ميثم : ما هذا الكلام يا عمي؟ إن ما تقوله عيباً. البيت بيتكم تفضلوا بالدخول. نحن نسكن بهذا البيت الكبير بمفردنا. ارجوكم تفضلوا وادخلوا فالمطر مازال يهطل بغزارة وملابسكم مبتلة بالكامل.

نظر يوسف الى اولاده بصمت وكأنه يستشيرهم في القرار لكن ابنته مريم سبقت الجميع ودخلت فلم يرى بداً من ان يدخل وراء ابنته لتتبعها سارة وبعدها محمود. قادهم ميثم في الممر وادخلهم جميعاً الى غرفة الاستقبال فوجدوا اثاثاً متواضعاً ليصطف الاطفال واباهم على اريكة خشبية واحدة حسب الطول والعمر فسألهم ميثم، "هل انتم جياع؟". اجاب اثنان منهم بآن واحد. حين قالت مريم "نعم" بينما قال والدها، "لا".

ميثم : على العموم ساعد لكم شيئاً بسيطاً مما تيسر لنا من طعام في المطبخ. كلانا عازبان اقصد انا وسامي ولا نتناول الكثير من وجباتنا في البيت.

بقي الاطفال ينظرون الى بعضهم البعض باستغراب كبيرين ولا يدرون ماذا يجب ان يقال بتلك الحالات. لكن كل ما كانت تفكر به مريم هو تناول الطعام لانها كانت تتضرع جوعاً والجميع يعلم، إن جاعت مريم احتدت الامور لديها وتحولت الفتاة الجميلة الوديعة الى وحش كاسر.

دخل ميثم المطبخ وصارت اصوات الصحون تتصاعد وتصل الى مسامعهم في الصالة مما زاد من حماسهم وسعادة مريم واخوتها حين اصبحوا ينظرون الى بعضهم البعض ويبتسمون فرحاً باقتراب وصول النجدة. وبعد انتظار ليس طويل، دخل ميثم حاملاً بيده صينية معدنية كبيرة تحتوي على صحون فخارية صغيرة متعددة صفها على الطاولة بمنتصف الغرفة ثم دعاهم بابتسامة عريضة قائلاً، "تفضلوا وباشروا بمد ايديكم، تناولوا الطعام بالهناء والشفاء بينما اعد لكم الشاي العراقي بالهيل".

يوسف : والله اشعرتنا بالخجل يا سيد ميثم فقد اعددت لنا وليمة كبيرة جداً يا اخي. لم نكن نرغب في ازعاجك بهذا الشكل.

ميثم : لا تقل مثل هذا الكلام يا عمي. لا شيء من قدركم.

بدأ الاولاد يأكلون ما لذ وطاب من الاجبان البيضاء والمكدوس السوري المحشي بالثوم وحبات الزيتون الخضراء الكبيرة التي كانت اشبه بالالماس البراق فيغطسون الخبز في صحن الزيت ثم يلفون به الخضار والجبن من على الصينية ليأكلوا بنهم كبير. وبعد قليل دخل عليهم بابريق شاي وضعه فوق الطاولة ثم عاد الى المطبخ واحضر كاسات الشاي (استكانات) ليضعها الى جانب الابريق وراح يصب الشاي وينصبه امام كل واحد منهم. وبالرغم من شحة الطعام الا ان الاولاد رأوا فيه وليمة كبيرة ملأت بطونهم الجائعة وبعثت في قلوبهم السعادة والبهجة. ظلوا يأكلون حتى مسحوا جميع الصحون وشعروا بالشبع فاعتلت البسمة وجوههم من جديد وقال اصغرهم،

محمود : بعمري ما رأيت طعاماً الذ من هذه الوجبة. شكراً يا عمي ميثم .

ميثم : على الرحب والسعة. ما اسمك يا حبيبي؟

محمود : اسمي محمود والجميع يناديني (مودي). هذه اختي مريم وتلك هي سارة اختنا الكبرى.

نظر ميثم الى الاولاد وتفحص البنت الكبرى بتمعن ليرى فيها انثى جميلة حتى ولو كانت لم تكمل الثامنة عشر من عمرها بعد قال،

ميثم : اتشرف بكم جميعاً. والآن دعوني اهيئ لكم غرف النوم.

يوسف : لا تتعب نفسك يا اخي ميثم. سننام جميعنا هنا على الارض بالصالون.

ميثم : لا، مستحيل، هذا لا يليق بكم يا اخي. لدينا غرف عديدة فارغة بهذا البيت المليئ بالسرر. ونحن نسكن فيه بمفردنا. انتظروني دقيقة واحدة فقط وساهيئ لكم كل شيء كي ترتاحوا بعد عناء السفر.

يوسف : شكراً لك يا ابني ميثم . لقد غمرتنا بكرمك الحاتمي. نحن مدانون لك بالكثير.

تركهم ميثم جالسين في صالة الاستقبال وصعد الى الطابق العلوي. وبعد قليل عاد اليهم وقال، "لقد اعددت لكم غرفتين فوق في اطابق العلوي، تفضلوا اصعدوا وارتاحوا فيها.

قال الاب وهو يوزع اولاده،

يوسف : لتبقى مريم وسارة باحدى الغرف وسننام انا ومودي سوية بالغرفة الثانية.

دخلت البنتان غرفتهما وما هي سوى دقائق وصارتا بداخل الفراش الوثير الدافئ. بينما دخل يوسف وابنه الغرفة الثانية. بدأ يوسف يهيء ابنه محمود ويدخله السرير ثم قبله وقال له،

يوسف : تصبح على خير حبيبي مودي.

محمود : هل تسمح لي بالسؤال يا ابي؟

يوسف : تكلم بسرعة فانا اشعر بانني ساموت من شدة النعاس وجفوني تكاد تنسدل من تلقاء نفسها.

محمود : كم سنبقى في دمشق؟ وهل سنعود الى بيتنا بالعراق فيما بعد؟ ولو فرضنا اننا سنبقى هنا بسوريا. فهل سيسمحون لي ان ادرس بالمتوسطة؟ فانا للتو قد نجحت من السادس الابتدائي.

يوسف : لا اعرف اي شيء بعد يا ولدي. اسئلتك كثيرة وليس فيها (ترك). اعتقد انهم سيقبلوك هنا بسوريا عاجلاً ام آجلاً. ارجوك اخلد للنوم الآن وسنرى ماذا سيحل بنا عندما يعود ابن عمي سامي من رحلته. سوف نستشيره بكل شيء من امورنا.

محمود : حسناً، تصبح على خير يا ابي.

نام جميع من في الدار الا مضيفهم ميثم. كان يجول بالدار كمّن اضاع جميع امواله وهو قلق ومتردد لا يدري ماذا يفعل. بقي يتجول بالطابق الارضي ويستمع الى وقع اقدام العائلة في غرف نومهم بالطابق العلوي. ولما هدأت الاصوات تيقن تماماً انهم لجأوا الى اسرتهم وناموا. انتظر لما يقرب من ساعة كاملة ثم صعد على درجات السلم ببطئ شديد الى الطابق العلوي يحاول جاهداً عدم ايقاظهم. فتح شقاً صغيراً من باب الغرفة الاولى فرأى الأب وابنه نائمان واصوات شخير الأب تصم الآذان. عاد واغلق الباب عليهم من جديد ببطئ وبحذر ثم فتح باب الغرفة الثانية فرأى منظراً اثار غريزته الحيوانية بشكل كبير. شاهد البنت الكبرى سارة نائمة وقد انكشف عنها الغطاء وصار بالامكان رؤية احدى ساقيها العارية خارج اللحاف وقليلاً من ملابسها الداخلية البيضاء اصبحت ظاهرة بوضوح. كان ذلك المنظر بمثابة دافع شيطاني حفزه واثار غريزته الشهوانية كي يتسمر بمكانه ويراقبها بتلذذ كبير لرؤية ذلك المشهد المثير. وبعد اكثر من نصف ساعة من التلصص عليها رآها تستيقظ وتنهظ لتغادر الفراش وتنتصب واقفة، فاصيب بالتوتر واغلق باب الغرفة بهدوء وببطئ شديد ثم رجع وتوارى عن الانظار سيراً على رؤوس اصابعه. دخل الحمام المجاور لغرفتها واغلق الباب ورائه حتى لا تراه وتكتشف امره. وقف بالحمام ينتظر عودة سارة الى فراشها ليرجع الى مراقبتها والاستمرار بفعلته القذرة فيتلصص عليها ويسترق النظرات الخبيثة الجامحة. لكنه اصيب بصدمة كبيرة لم يكن يتوقعها ابداً عندما انفتح باب الحمام عليه ودخلت سارة وصار وجهاً لوجه معها فرجع الى الوراء وقد شعر بحرج كبير لكنه سمعها تعتذر منه وتقول،

سارة : انا آسفة يا عمي ميثم. اعتقدتُ ان الحمام خالي.

ميثم : لا داعي للاعتذار يا سارة. تعالي الى الداخل. ليس هناك مشكلة، تعالي، تعالي.

لكنها مع ذلك استدارت وهمت بالخروج من الحمام ولم تستمع لما قاله لها فامسك بيدها وقال لها،

ميثم : ادخلي يا عزيزتي ادخلي ولا تتحرجي مني. بامكانك قضاء حاجتك حتى وإن كنت انا موجوداً هنا معك بالحمام.

سارة : لا يا عمي هذا لا يجوز. ساخرج الآن. خذ انت وقتك. سادخل الحمام بعد ان تنتهي انت منه.

امسك بيدها مرة ثانية وسحبها الى عنده بقوة فتقابل وجهيهما وكادا يلتصقان ببعضهما البعض. شعر انها ترتجف من شدة الخوف فقال،

ميثم : لا تخافي مني يا عمري. نادني ميثم فقط فانا لست اكبر منك سناً كما تعتقدين.

سارة : كلا يجب ان اخرج ارجوك اترك يدي. سارجع لغرفتي الآن.

ميثم : اسمعي مني يا حلوتي، انا وقعت بحبك واتمنى ان تبادليني نفس المشاعر. انا اريد ان اتزوجك. ساطلبك من اباك. ما رأيك؟

لكنها علمت ان الامر بدأ يتطور اكثر مما يجب وان عليها طلب النجدة فصرخت باعلى صوتها وقالت، "النجدة، النجدة انقذوني". الا ان احداً من اهلها لم يستجيب لصرخاتها لان النوم كان مطبقاً عليهم. وضع ميثم يده على فمها ليسكتها وقال،

ميثم : اسمعي مني ايتها العاهر المدللة، إذا صرخت مرة ثانية فسوف اذبحك هنا ثم اذبح اباك واخوتك. هل ستصمتين ام ماذا؟

هزت له برأسها بمعنا (نعم). فرفع يده من على فمها لكنها خدعته اطلقت صرخة عالية ومدوية من جديد كما لو كانت صفارة انذار هذه المرة وصارت تكرر باعلى صوتها، "النجدة النجدة النجدة". الا ان احداً لم يستجيب لندائاتها وصرخاتها. هنا امسك بخرقة من قماش قذرة كانت عادة تستعمل لتجفيف ارضية الحمام وربطها بها على فمها ثم كبل يديها بمنشفة اخرى وقال،

ميثم : الآن ساقوم ببعث السعادة الى قلبك يا حلوتي. ستتذوقين طعم النشوة الجنسية لاول مرة بحياتك. سامنحك فرصة لا تعوض.

ظلت تحاول قدر المستطاع ان تفلت من قبضته القوية الا انه ثبتها على الارض وجردها من ملابسها الداخلية بسحبة واحدة ثم دخل بها كالوحش الكاسر. بقيت تحاول التملص من قبضته اثناء ولوجه ولكن دون جدوى. وفي لحظة من اللحظات وبينما كانت هي تحته تقاوم وتحاول الافلات منه اقترب فمه من فمها وقبلها من عينها لكنها استغلت الامر ونطحته برأسها على جبينه نطحة قوية كادت تفتح جمجمته. الا انها من شدة اصطدام الرأسين ببعضهما البعض فقدت وعيها. وبعد ان اكمل فعلته الدنيئة معها وقف ونظر اليها وهي مستلقية على الارض عارية الجسد تنزف من رأسها وفمها. ابتسم وراح يرقص رقصة بشعة ويدور حول نفسه ليردد، "جبناها وجينة يامحمد، جبناها وجينة يامحمد". ارتدى ملابسه بسرعة وخرج من الحمام ثم اغلق الباب ورائه. نزل الى الطابق السفلي وخرج من البيت ليتوارى بستر الظلام بين ازقة دمشق المظلمة. وبعد اكثر من ساعة عادت سارة الى وعيها ونظرت حولها فتذكرت اين هي ولماذا كانت مستلقية على ارضية الحمام الباردة. تذكرت بوضوح ما حل بها قبل قليل من اعتداء غاشم فصارت تبكي بحرقة شديدة. تفحصت أعضائها التناسلية التي كانت تؤلمها كثيراً فوجدتها ملوثة بآثار ذلك الوغد الذي سرق منها بكارتها وحطم مستقبلها بفعلته المشينة. شعرت ان جسدها كله كان يشتعل، فالواقعة لا تزال ساخنة والالم الذي برأسها كان شديداً جداً. زحفت على الارض كالدودة حتى اقتربت من كرسي المرحاض لتستند اليه وتقف على ساقيها المرتعشتين. نظرت الى نفسها بالمرآة فرأت الدم يسيل من جبينها ومن فمها. شاهدت ملابسها الداخلية المقطعة مرمية على الارض بالقرب من باب الحمام. بدأت تفكر وتحاور نفسها، "ماذا سيحل بي يا ترى؟ ماذا سيقول عني ابي واخوتي؟ هل سيعاقبوني ويضربوني او حتى يقتلوني ام انهم سيقفون الى جانبي ويتفهمون موقفي ويضمدوا جراحي؟ يجب ان اخبر اختي مريم اولاً فهي فتاة مثلي وستعرف معنى الشيء الذي اكابده الآن".

خرجت من الحمام ومشت بالممر عارية الجسد حافية القدمين حتى بلغت غرفة النوم. فتحت الباب بقوة فرأت اختها تغوص بنوم عميق. اقتربت منها وهزت كتفها قائلة،

سارة : مريم، مريم، استيقظي يا مريم. هيا استيقظي يا اختي. ارجوك انا بامس الحاجة اليك.

مريم : اوووووه، ماذا دهاك يا سارة؟ اتركيني انام فانا لازلت اشعر بتعب كبير ولم آخذ كفايتي من النوم.

سارة : قلت لك استيقظي ارجوك، لقد حلت بي كارثة مدمرة في الحمام قبل قليل.

مريم : ماذا حل بك؟ هل جائتك العادة الشهرية من جديد؟ فلقد رحلت عنك قبل بضعة ايام فقط يا اختي. الا تركتني انام يا سارة ارجوكِ؟ انا اكاد اموت من التعب.

سارة : قلت لك اصحي يا اختي فانا في مأزق كبير جداً. ولا ادري ماذا اصنع.

هنا علمت مريم ان ثم شيئاً جلل قد حل باختها. فتحت عيناها بصعوبة فرأتها عارية تماماً ربي كما خلقتني والجرح الذي على جبينها ينزف بغزارة ويسيل الدم من فمها كذلك قالت،

مريم : هل زلقت قدماك وسقطت على الارض؟ انظري الى الجرح الذي على جبينك.

سارة : ليته حصل وسقطت على الارض او حتى مت. انا وقعت بمشكلة أكبر، أكبر يا مريم.

هنا جلست مريم على سريرها هذه المرة ونظرت الى اختها وسألتها،

مريم : ها قد استيقظت تماماً وطار النوم عيني في مهب الريح. أخبريني الآن ما الامر؟ ما هي مشكلتك التي لا تتحمل الانتظار حتى الصباح؟

سارة : استيقظت من نومي اثناء الليل وشعرت بحاجة للذهاب وقضاء حاجتي فقصدت الحمام الذي الى جانب غرفتنا هذه. وعندما فتحت الباب وجدت ذلك الرجل ميثم بداخل الحمام.

مريم : لا تبالي يا اختي. تلك الامور تحصل كثيراً. كل ما عليك فعله هو الاعتذار منه والعودة الى الحمام لتقضي حاجتك بعد ان يغادر منه. الامر لا يتطلب الكثير من الانزعاج والخوف والدراما.

سارة : انتظري يا مريم. انا لم اكمل حديثي. فبعد ان وقفت امامه وهو بداخل الحمام اردت ان اتراجع واغادر الحمام لكنه امسك بيدي بقبضته الحديدية ومنعني من الخروج ثم اغتصبني.

صرخت باعلى صوتها وقالت،

مريم : مــــــــــــــــاذا؟ هل قلت اغتصبــــــــك؟ كيف فعلها وكيف سمحت له بذلك؟ لماذا لم تستنجدي بنا؟ لماذا لم توقظينا؟ كيف سكتِ عن ذلك؟

سارة : صرخت يا مريم، اقسم بالله صرخت باعلى صوتي واستنجدت بكم جميعاً لكن احداً منكم لم يسمعني لانكم كنتم نيام. حاولت الافلات من قبضة يده بكل ما اوتيت من قوة دون جدوى. وعندما علمت يقيناً انه يحاول ان يأخذني ويعتدي على شرفي قمت بنطحه برأسه بكل قوتي لكن ذلك لم يأتي بنتيجة. فقد كمم فمي بخرقة قذرة وربط يدي بخرقة اخرى وراح يلمسني بيده العفنة على كامل جسدي ثم دخل بي واغتصبني يا مريم.

مريم : يا له من وغد حقير سافل. سوف يقتله ابي لا محال. دعينا نخبره الآن.

سارة : لا، لا، مستحيل، هل جننت يا مريم؟ سوف يموت ابي من شدة الحزن. لايمكن ان نخبره بشيء مخزي مثل هذا. انا افضل الموت على ان يدري ابي بما حصل فقد لوثت شرفي وشرفه وشرفكم انتم جميعاً.

مريم : وهل كان ذلك بموافقتك وبرضاكِ؟ هل تجاوبت معه بعد ذلك؟ انت لم تكوني راضية على ما وقع. الوغد السافل قام باغتصابك رغماً عن انفك. انت قاومته لكنك ضعيفة. انت الضحية يا اختي.

سارة : اجل لكن ابي سوف لن يستطيع ان يتحمل...

قاطعتها وقالت،

مريم : ابوك يجب ان يعلم بكل ما جرى فهو الذي سيعرف كيف يتصرف بتلك الحالات. تعالي معي، انا ساخبره بكل شيئ. ارتدي ملابسك واتبعيني.

مشت مريم الى غرفة اباها فتبعتها سارة بخجل وذل كبيرين، فتحت الباب فشاهدت اباها ما زال نائماً والى جانبه يرقد اخاهم الصغير محمود. اقتربت من سريره وقالت بصوت خافت،

مريم : ابي، ابي استيقظ يا ابي لو سمحت.

فتح يوسف عينيه بصعوبة وقال،

يوسف : مريومة؟ ما الامر حبيبتي؟ هل هناك مشكلة؟

مريم : اجل يا ابي ارجوك استيقظ اريد ان اكلمك بامر جلل. فلقد وقعنا جميعاً بمصيبة كبيرة جداً.

يوسف : ماذا هناك يا عمري هل تحتاجين الى مساعدة؟

مريم : انها اختي سارة يا ابي. قام ذلك الوغد بالاعتداء عليها.

يوسف : اي وغد يا مريم؟ هل تشاجرت اختك سارة مع اخوك مودي مرة اخرى؟ لكن انظري اليه، مودي ما زال نائماً الى جانبي ها هنا. المسكين لم يبرح مكانه منذ ان اوينا الى الفراش.

مريم : لا ليس مودي يا ابي. انه ذلك الوغد ميثم. لقد اعتدى على سارة.

يوسف : اعتدى؟ كيف اعتدى عليها؟ هل شتمها؟ هل ضربها؟

مريم : اكثر من ذلك يا ابي.

هنا ارتفع صوت ابيها وتحول الى زمجرة غاضبة قال،

يوسف : اكثــــــــر من ذلك كيف؟ اريد ان اعرف. اخبريني هيا كيف، كيف، كيف؟

مريم : لقد اعتدى على عرضها. ميثم قام باغتصاب سارة يا ابي.

انتفض يوسف من فراشه وكأن النار صارت تشب من عينيه. نظر الى ابنته سارة وسألها،

يوسف : الم تقاوميه يا سافلة يا بنت الكلب؟

بقيت سارة صامتة تنظر الى الارض بخجل كبير فاردفت مريم،

مريم : كيف لا وقد نطحته برأسها وشجت جبينه. لكنها فقد الوعي فربط ايديها وكمم فمها ثم فعل فعلته القذرة الدنيئة.

يوسف : ساقتله الآن. اين هو؟

خرج يوسف من غرفته والشرر يتطاير منه يبحث عن ميثم كي يقتله. نزل الى الطابق السفلي وصار يفتش عنه بكل مكان فلم يجده. هنا سمع ابنته تقول،

مريم : لقد هرب ابن الكلب. فعل ما فعل ثم خرج من الدار ذلك الجبان.

يوسف : يا الهي، يا الهي، ما هذه الكارثة؟ لا انها ليست كارثة، بل هي مصيبة قد حلت بنا. هربنا من النار والحصار والجوع والاحتلال في العراق ووقعنا بجهنم في دمشق. ليتنا لم نغادر بلدنا ليتنا لم نتورط بورطة مثل هذه. ما العمل؟ كيف سأتصرف؟ هل اقتل سارة؟ هل اقتل نفسي؟

مريم : كيف تقتل نفسك وتتركنا فريسة للضباع المفترسة على شاكلة ميثم القذر؟ نحن بحاجة اليك. ارجوك يا ابي، لا تتخلى عنا.

اقتربت سارة من ابيها وقالت،

سارة : إذا كان هناك شخص يستحق الموت فهو انا. اقتلني يا ابي ارجوك هيا اقتلني واغسل العار. انا لا ارغب في العيش بعد هذه الفضيحة. انا اريد ان اموت ارجوك يا ابي، اقتلني. اقسم بالله اني لا اريد الاستمرار بهذه الحياة. فلقد متّ منذ ان فقدت برائتي.

رفع يده للاعلى وصفعها صفعتين كادت تفصل رأسها عن جسدها ثم رفع يده كي يزيد عليها الثالثة لكنه تجمد بمكانه وانفجر بالبكاء. ظل واقفاً امام ابنته ويده مرفوعة في الهواء والدموع تسيل من عينيه لتقطر من حنكه بصمت كبير والافكار تتقاطر في ذهنه لوقت طويل. بعدها فتح لها ذراعيه فارتمت بحضنه وبدأت تبكي بحرقة. صار يطبطب على ظهرها ويقول،

يوسف : لدينا الله يا روحي. حسبنا الله ونعم الوكيل فيه، حسبنا الله ونعم الوكيل. هيا دعينا نخرج.

مريم : الى اين نحن ذاهبون يا ابي؟

يوسف : سنذهب الى مركز الشرطة يجب ان نقدم بلاغاً بما وقع حتى يمسكوا بذلك الوغد ويعدموه او يزجوه في غياهب السجون.

ارتدى جميع افراد العائلة ملابسهم وخرجوا سيراً على الاقدام بشوارع دمشق وصاروا يسألون المارة الذين بدأوا يتواجدون بشحة في الشوارع عن اقرب مركز للشرطة. وعندما وصلوا المركز اقتادوهم إلى غرفة الرائد كنان رئيس التحقيق الجنائي. دخلوا مكتبه ليستقبلهم بقوله،

الرائد كنان : تفضل يا حاج، ما هي مشكلتك؟ تفضلوا يا اولاد.

يوسف : جئتك اليوم لاقدم بلاغاً يا ابني. فلقد قام احدهم بـ... باغتصاب ابنتي سارة ليلة امس.

الرائد كنان : لا حول ولا قوة إلا بالله. انا آسف جداً يا عمي. تفضل بالجلوس. تفضلوا انتم ايضاً يا اولاد اجلسوا جميعاً.

اسطف الاولاد على الاريكة امام منضدة الرائد فقال،

الرائد كنان : الا حدثتني عن الحكاية من بدايتها وحتى النهاية؟ اين وقعت الحادثة؟ ومن هو الجاني؟

يوسف : حضرة الرائد، لقد قدمنا من العراق ليلة امس انا واولادي الثلاثة فقط لان زوجتي توفت منذ سنة تقريباً. جئنا الى هنا هرباً من جحيم العراق ووصلنا محطة الحافلات في دمشق حوالي الساعة 12 ليلاً. توجهنا سيراً على الاقدام الى بيت قريبي الذي يسكن في دمشق منذ بضع سنين والذي اسمه سامي العبدالله.

راح يوسف يحكي الاحداث بالتفصيل منذ دخولهم بيت قريبه سامي وكيف ارتُكِبَتْ الجريمة. فسأل الضابط سارة عن تفاصيل الجريمة وكيف وقع الاغتصاب وسألها إن كانت قد اغتسلت بعد الاعتداء فاجابته بانها لم تغتسل بعد. لذلك حولها الى الطبيب الشرعي كي يقوم بفحصها فحصاً دقيقاً يدعى سايف (SAFE Sexual Assault Forensic Examination) وذلك يتضمن التقاط الادلة وتوثيق الاصابات التي تساعد في الابحاث الجنائية لغرض ادانة الجاني. هذا الفحص يشمل التدقيق بجسد الضحية من اعلى الرأس وحتى اخمص القدمين باحثين عن الاصابات والكدمات والتقاط الصور الفوتوغرافية وجمع الادلة الجنائية الباقية بدأً باخذ مسحة الـ (سواب) من لعابها لغرض فحص الحمض النووي DNA. كذلك فحص عينة من السائل المنوي المتبقي بداخلها. وبعد ان تمت جميع الفحوصات سألتها الطبيبة الشرعيةعن اي علامات فارقة يمتاز بها الجاني فاخبرتها بان لديه عينين مختلفتي اللون، اليسرى سوداء واليمنى زرقاء. قالت الطبيبة بانها حالة نادرة تسمى Heterochromia وستجعل من العثور على الجاني امراً يسيراً. كذلك وصفته وصفاً دقيقاً من حيث الطول والبنية ولون الشعر وما الى ذلك. بعد ذلك طُلِبَ من العائلة العودة الى مكتب الرائد كنان. فدخل افراد العائلة جميعاً الى مكتب الرائد ليستقبلهم باحترام كبير وبدأ حديثه معهم حين قال،

الرائد كنان : لقد قمنا بالاجرائات الروتينية اللازمة التي قد توصلنا للجاني يا سيد يوسف لا تقلق. والآن دعونا نذهب جميعاً الى مسرح الجريمة لمعاينته وسيمسح فريق الفحص الجنائي الموقع برمته.

ركب الجميع اربعة سيارات للشرطة وتوجهوا بها الى البيت بمنطقة شارع قلعة دمشق. فتح يوسف الباب وادخل عناصر الشرطة ورجال الامن والفريق الجنائي فادلوهم إلى الحمام الذي وقعت فيه الجريمة. راح الرجال يجمعون الادلة من بصمات اصابع وقطرات الدم ومخلفات الجريمة التي من ضمنها الملابس الداخلية المقطعة للضحية. وعندما اكملوا جميع الاجرائات خرج الرائد وتحدث مع يوسف قائلاً،

الرائد كنان : هناك امراً مهماً يجب ان تعرفه سيدي. لقد وصلتني للتو معلومات جديدة تفيد بان هذا البيت مؤجر لقريبك سامي العبدالله بعقد رسمي موثق. لكن اي معلومات اخرى مدونة لم نعثر عليها عن الشخص الذي ادعى ان اسمه ميثم سامر العتبي. لذلك نحن نعتقد ان ميثم استخدم اسماً وهمياً ليظللكم او انه سكن في بيت قريبك سامي من دون إذن من سامي لغرض السرقة او لسبب آخر نجهله بالوقت الراهن. فنحن لم نجد اي اثر لقريبك سامي لحد الآن لذلك فهو يعتبر من عداد المفقودين.

يوسف : يا الهي. ما هذا الخبر؟ هل قضينا ليلة كاملة مع مجرم مغتصب؟ ما هذه الكارثة؟

نظر الرائد كنان الى ابنته سارة فوجدها تبكي قال لها،

الرائد كنان : لو شاهدت المجرم ثانية يا سارة، فهل تستطيعين التعرف عليه يا ابنتي؟

سارة : بامكاني ان اخرجه من بين مليون انسان. رائحته النتنة لا زالت عالقة بانفي وشكله البشع وهو فوقي لازال كالكابوس يطاردني اينما نظرت بكل ثانية وبكل لحظة.

الرائد كنان : إذاً سنعود الآن الى المركز وسيقوم مساعدي باعطائك البومات تحتوي على صور ذكور عراقيين مدانين بجرائم سابقة. حاولي التعرفي عليه من خلالها. فإذا تعرفتِ عليه من الصور سيصبح القاء القبض عليه اسهل بكثير وسيقدم للعدالة لينال جزاءه الذي يستحقه.

فور وصول الجميع الى مركز الشرطة، نادى الرائد على مساعده وطلب منه عرض البومات صور الذكور العراقيين المدانين فوقفت سارة وغادرت مكتب الضابط مع العريف. بقيت تتفحص الصور لاكثر من ساعتين وتقارنها بوجهه القبيح الذي في ذاكرتها. لكنها لم تصل اليه مطلقاً. رجعت الى مكتب الضابط وقالت،

سارة : يبدو ان صورته غير مشمولة مع باقي المجرمين حضرة الضابط.

قالتها وعادت تبكي من جديد. وقف الرائد ووجه كلامه لرب الاسرة قائلاً،

الرائد كنان : بما انكم لا تملكون اي مأوى ثابت بعد، فهل بامكانكم العودة الى بيت قريبك سامي العبدالله حتى نكمل جميع التحريات؟

يوسف : اجل، نحن لا نملك مأوى سواه بالوقت الراهن فبالرغم من انه سيذكرنا بالمأساة التي مررنا بها. لكننا مضطرون على البقاء هناك.

الرائد كنان : عليكم ان تتحلوا بالصبر لان التحريات ستتطلب بعض الوقت. لكننا سنمسك به عاجلاً ام آجلاً، اعدكم بذلك.

صافح يوسف ضابط الشرطة الشهم وعبر له عن شكره العظيم على الاهتمام الذي ابداه لمساعدتهم ثم اخذ اولاده وطلع خارج مركز الشرطة متوجهاً الى المنزل المشؤوم. فور وصولهم الدار توارت سارة عن الانظار لتدخل الحمام وتغتسل بجسدها كاملاً. بقيت تحك جلدها بقساوة كبيرة وكأنها تريد ازالة كل اثر لذلك الوغد المغتصب. دخلت عليها اختها اثناء ذلك وقالت،

مريم : ماذا تفعلين يا اختي؟ انظري الى جلدك كيف احمر وصار كالطماطم. لا تفعلي ذلك ارجوكِ.

سارة : لا ادري ماذا افعل يا مريم. اشعر انني مهما اغتسلت فسوف لن ازيل رائحته العفنة عن جسدي. اشعر انني غارقة بالقذارة فتصيبني قشعريرة. يجب ان اتخلص منها تماماً.

مريم : القذارة تكمن بداخل ذكرياتك الاليمة حبيبتي. توقفي عن دعك جلدك بهذه القسوة. هل تريدين مساعدتي؟

سارة : اجل، اريدك ان تدعكي ظهري بالليفة بقوة وبقسوة ارجوكِ.

مريم : تعالي يا عمري. حاولي ان تمحيه من تفكيرك. فقط فكري بماما عندما كانت تحكي لنا القصص اثناء الاستحمام. هل تذكرين ذلك؟

سارة : وكيف استطيع ان انساها؟ كانت حنونة لاقصى الدرجات. لم تؤنبنا او تضربنا ولو مرة واحدة. لقد كانت كالملاك الحنون يا اختي. كم اشتقت اليها. ليتنا بقينا ببيتنا بدلاً من مجيئنا الى هنا وحصل ما حصل.

مريم : من منا كان يتوقع شيئاً مثل هذا سيحدث لنا؟ ما وقع لنا اليوم لم يكن في الحسبان ابداً. والآن جففي نفسك واخرجي فانا سانظف الحمام وازيل جميع الآثار وبقع الدم المتناثرة بكل مكان. وبعدها ساعد بعض الطعام.

سارة : انا لا اشعر بالرغبة في تناول اي شيء. اريد ان انام وحسب، فجسدي كله يئن بصوت مدوي داخل رأسي.

مريم : حسناً حبيبتي اخلدي الى النوم الآن إذاً.

سارة : هل تصدقيني لو قلت لك انني كنت جداً سعيدة عندما صفعني ابي. كنت اتمنى ان يصفعني اكثر واكثر لانني لم اكن اشعر بالالم. كنت اريد ان اموت تحت يده. ليته ضربني مليون ضربة وقتلني حقاً. فانا استحق الموت.

مريم : ابي ضربك بشكل لا ارادي من شدة غضبه. لكنه اب حنون يحبك كثيراً وانت تعلمين مشاعره نحوك بالخصوص ونحونا عموماً. هل رأيت كيف ضمك الى صدره بعد ذلك؟ عرف ان الذنب ليس ذنبك. هيا يا عمري عودي الى الغرفة وارتاحي.

خرجت سارة من الحمام تاركة ورائها مريم تمسح ارضية الحمام وترجع كل شيء الى نصابه كي لا يثير المزيد من الاحزان لجميع افراد الاسرة. وعندما خرجت سارة رأت اخاها الصغير محمود ينظر اليها وقد امسك بسكين كبير جاء به من المطبخ. قال بغضب شديد،

محمود : ساقتل ذلك الوغد الذي آذاك وابكاك يا اختي. صدقيني ساقتله عندما تعثر عليه الشرطة.

سارة : اترك من يدك تلك السكين يا مودي لانها ستجرحك. هذا امر لا يعنيك ابداً فانت مازلت صغير السن. الشرطة ستقتص منه بالقريب العاجل إن شاء الله.

محمود : اقسم لك يا اختي باني ساقتله يوماً ما. إن لم يكن اليوم فغداً وان لم يكن في الغد فبعده. لن اسكن او ارتاح حتى انال منه واذبحه كما تُذْبَح الشياه.

في اليوم التالي سمع الجميع صوت رنين الجرس ففتح اباهم الباب ليرى الرائد كنان واقفاً يطلب الاذن بالدخول فادخله يوسف وأمر ابنته مريم كي تعد له دلة من القهوة. جلس على الاريكة وقال،

الرائد كنان : جئتكم لاعلمكم بآخر المستجدات يا سيد يوسف.

يوسف : اخبرنا يا سيادة الرائد، هل تمكنتم من الامساك بذلك المجرم؟

الرائد كنان : كلا لم نمسك به بعد، لكننا نشرنا اوصافه في جميع مخافر دمشق وحلب والمناطق الحدودية. لكن احداً لم يبلغ عنه بعد والوقت ما زال مبكراً بكل الاحوال. يبدو وكأنه قد تلاشى عن الوجود. اما الشيء الثاني الذي جئت لاخبركم عنه هو اننا حاولنا البحث عن قريبك سامي العبدالله الذي ذكرته لنا في بلاغك فوجدنا ان له ملف بالداخلية لانه يعيش بدمشق بصورة قانونية ومقيم عندنا منذ بضع سنين. وبالامس عثرت دورية تابعة للحرس الحدودي على رفاة رجل تتطابق اوصافه مع اوصاف قريبك سامي العبدالله. كان قد دفن بقبر سطحي غير عميق في مكان مهجور على الحدود بين سوريا ولبنان. ازال المطر التراب عنه فعثر عليه بعض المارة وابلغوا الشرطة بالامر. لذا اريد منك الحضور معي كي تتعرف عليه وبذلك ينغلق ملفه بشكل نهائي لدينا.

جهش يوسف بالبكاء وصار اولاده يلتفون حوله ليهونوا عليه فبقي بهذه الحالة لاكثر من نصف ساعة. بعدها رفع رأسه وقال،

يوسف : دعنا نذهب الآن. اريد ان اتأكد من جثته.

نظر الرائد كنان الى الاولاد وقال،

الرائد كنان : ساخذ اباكم الى مركز الطب الشرعي ليتعرف على رفاة ابن عمه ثم سنعود سوية بعد ذلك. رجاءاً لا تغادروا المنزل بتلك الاثناء.

ركب الاثنان بسيارة الرائد وتوجها الى مركز الطب الشرعي بدمشق. وعندما عرض جثمانه عليه اومأ برأسه وصار يبكي بكاءاً مراً. ثم رفع رأسه وسأل،

يوسف : هل عرفتم سبب الوفاة يا دكتور؟

الطبيب : يبدو انه مات خنقاً لان الأدلة تشير إلى ذلك. كذلك وجدنا اثار تكبيل على يديه مما يشير الى ان قاتله ربط معصميه ثم قام بتعذيبه ثم خنقه بيديه العاريتين لاننا وجدنا آثار الاصابع على الرقبة.

يوسف : يا الهي ما هذه الوحشية؟

الرائد كنان : اقدم لك اصدق التعازي يا اخي يوسف. البقاء لله.

يوسف : ماذا نستطيع ان نفعل سيدي؟ رحمك الله يا حبيبي يا سامي.

خرج الجميع وعادوا الى البيت فجلس الرائد بغرفة الاستقبال ثم وجه كلامه للجميع حين قال،

الرائد كنان : بامكانكم البقاء هنا بهذا البيت لانه يعود لابن عمكم سامي رحمه الله. لقد اخبرنا صاحب الدار بان عقد الايجار مازال ساري المفعول من الآن وحتى ستة اشهر. لذلك ساقوم باجرائات منحكم الاقامة القانونية المؤقتة الى نهاية تلك الفترة. وبعدها لكل حادث حديث.

يوسف : هل تعتقد ان هناك امل في الامساك بالمجرم القذر ميثم؟

الرائد كنان : ربما، ولكني لا استطيع ان اجزم او اعدكم باي شيء، فعدد العراقيين اليوم اصبح كبيراً جداً بسوريا والبحث عنه كالبحث عن ابرة في كومة قش. بامكانه ان يتخفى لدى العديد من معارفه ويتلافى امر القاء القبض. ولكن بامكاني ان اعدكم بشيء واحد فقط هو انني شخصياً توليت القضية واتابعها بكل اهتمام وسوف اعلمكم باي شيء يستجد بذلك الخصوص.

يوسف : شكراً لك يا سيادة الرائد. انت اوليت اهتماماً كبيراً بنا وبمشكلتنا الكارثية. نحن ممتنون لجهودك ووقوفك معنا.

الرائد كنان : دعني اترككم الآن فعملي يتطلب مني الرجوع الى المركز.

ودعت العائلة ذلك الرائد الشهم فدخلت مريم وسارة المطبخ لاعداد الطعام بينما صعد يوسف الى الطابق العلوي ليغير ملابسه.

ولما رجع الى غرفة الاستقبال وجد بناته قد قمن باعداد وجبة طعام جيدة جلس ابوهم الى جانبهم وصار يأكل قليلاً ثم توقف فسألته ابنته،

مريم : لماذا توقفت يا ابي؟ انت بالكاد اكلت لقمة واحدة.

يوسف : لقد شبعت يابنتي. الحمد لله.

علم الاولاد ان اباهم لا زال في حالة حزن شديد ويصعب عليه العودة الى حالته الطبيعية.

وبعد مرور اسبوعين خرج الاب للبحث عن عمل لان المال الهزيل الذي جاؤوا به معهم من العراق كاد ينفذ. ابتدأ يوسف باللجوء الى وزارة التربية محاولاً ان يعمل بمهنته السابقة كمدرس للفيزياء لكن الحظ لم يحالفه بذلك المضمار لذلك قرر ان يعمل اي عمل بامكانه ان يدخل له ولعائلته بعض الرزق فاشتغل لدى احدى المحلات ببيع الملابس ثم اشتغل كمنظف باحدى الخازن التجارية الكبرى وبآخر المطاف تمكن من العثور على عمل ثابت في تحميل البضائع بداخل الشاحنات. الا ان صحته بدأت تتدهور تدريجياً لذلك جمع اولاده باحدى الايام وقال لهم، "اعزائي يبدو انني غير قادر على العمل وانا بمثل هذا السن المتقدم. فجسدي له حق علي وقد ناهز عمري الستين. وبما ان الايجار سينتهي خلال اسبوعين فانا اتخذت قراراً لا رجعة فيه وهو العودة الى بغداد لنبقى في بيتنا هناك". صاحت سارة قائلةً،

سارة : لكن يا ابي كيف سنعيش هناك؟

فاجابتها اختها على الفور قائلة،

مريم : حبيبتي مريم، على الاقل سوف لن ندفع اي ايجار هناك لان بيتنا ملكٌ لنا. نجوع، نشقى، نكابد، لكن احداً لن يرمينا بالشارع.

محمود : اجل لكنهم لم يقبضوا على المجرم ميثم بعد يا ابي. كيف سنرحل ونتركه دون عقاب؟

يوسف : بالامس مررت على مركز الشرطة وتحدثت مطولاً مع الرائد كنان. اخبرته بقراري في العودة الى العراق فوعدني بانه سيستمر بالتواصل معنا حتى بعد عودتنا الى العراق. اخبرته كذلك باننا مستعدون للرجوع الى دمشق إذا تطلب الامر.

سارة : ابي انت الذي تقرر كل شيء بحياتنا. نحن نثق بحُكْمِكَ وحِكْمَتِكَ ومستعدون للعودة معك ولكن لدي رجاء خاص لك ولكم اخوتي هو ان لا تخبروا احداً من اقاربنا بما حل بي من اعتداء عندما نصل الى بغداد.

مريم : لا طبعاً سوف لن نخبر اي احد باي شيء وقع لنا. فقط سنقول باننا كابدنا الحنين واشتقنا للوطن فعدنا من حيث اتينا.

محمود : على الاقل ساعود لالعابي التي تركتها ببيتنا. فانا مشتاق اليها كثيراً.

بعد مرور اسبوعين ركبت العائلة احدى حافلات النقل وتوجهوا بها الى بغداد محملين بهموم ثقيلة قامت بتغيير حياتهم الى الابد ورسمت وجهاً قاتماً لما سيأتي مستقبلاً. وفي الطريق اثناء العودة كانت الرحلة متعبة جداً إذ تعطلت الحافلة وبقوا في العراء لساعات طوال حتى تم اصلاح العطل من جديد. وبعد ان عاد وركب المسافرون الحافلة، جلس يوسف مع اولاده وهو ممسكاً ببطنه فسألته ابنته قائلة،

مريم : ماذا حل بك يا ابي؟ هل انت بخير؟

يوسف : اشعر بالم شديد ببطني. ربما هي القرحة يا حبيبتي.

سارة : هل تريدني ان اطلب من السائق لكي يتوقف يا ابي؟

يوسف : لا، لا، سوف اتحمل الألم حتى نصل الى بغداد وساذهب الى مدينة الطب بعدها مباشرةً. سيعالجني طبيبي المعهود الدكتور لؤي. انه طبيب ماهر وابن اعز صديق لي الاستاذ عبد الهادي.

سارة : هل تحمل معك مُسَكّنات يا ابي؟

محمود : اجل لقد تناولت ايبوپروفين لكنه لم يجدي نفعاً. ساتحمل وحسب. ليس باليد حيلة.

مريم : ابي انا خائفة عليك كثيراً.

يوسف : اطمئني يا مريومة، سوف لن يقع لي مكروه فقد وعدت امكم بانني ساعتني بكم لآخر لحظة من عمري حتى اراكم تكبرون وتأخذون مكانتكم في الحياة.

وبعد اكثر من 10 ساعات اخرى وصلت الحافلة الى بغداد فجراً فتوجهت العائلة الى مدينة الطب كي يحاولوا معالجة يوسف وتسكين آلامه. ولما رآه الدكتور بدأ يفحصه فحصاً كاملاً وشاملاً ثم بعثه الى المختبر كي يسحبوا منه عينات الدم ثم اعطاه حقنة لتسكن آلامه وطلب منهم العودة الى الدار حتى تخرج نتائج الفحوصات لتتم اجرائات العلاج. وفور وصولهم منزلهم بدأت الفتاتان مريم وسارة بحملة تنظيف كبيرة شملت جميع ارجاء البيت ثم قاموا بغسل الملابس المتراكمة مستعملين الغسالة الكهربائية واستخدموا المعقمات والمعطرات لترجع البهجة والسرور الى البيت كما كانت في السابق. كل شيء رجع الى سابق عهده ما عدى النفوس. فقد شعر الجميع ان شيئاً ما قد انكسر بداخلهم ولن يتمكنوا من اصلاحه مهما مر عليه الزمان.

يا ترى هل ستتمكن العائلة من دفن آلامها ووضع جروحها تحت طي النسيان ام ان الكارثة ستبقى تطاردهم مدى الحياة؟

سنعرف ذلك في الجزء الثاني والأخير من هذه القصة.

 

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1148 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع