
بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
وصمة العار التي لا يمحوها الزمن
١.في تلك اللحظة المشحونة، لم تكن الشاشات مجرد نوافذ على عملية عسكرية، بل مرايا تعكس ما في الداخل. على وجه ترامب ارتسم توترٌ ثقيل، عينان جامدتان تحاولان إخفاء قلقٍ يتسلل رغم كل ادعاءات القوة. إلى جواره، بدا وزير دفاعه مشدود الملامح، يراقب التفاصيل كما يراقب من يعرف أن الأمور قد تنفلت في أي لحظة، وأن الحسابات الباردة لا تمنح دائمًا الطمأنينة.في المقابل، وعلى مسافة آلاف الأميال، كان المشهد نقيضًا كاملًا. الرئيس الفنزويلي في بيته، تحيط به سكينة واثقة، لا شاشات قلق ولا وجوه متجهمة. اطمئنان من يعرف أن المعركة ليست دائمًا في السماء ولا تُحسم بالأزرار، بل في الإرادة والمعنى. هناك، حيث لا ضجيج غرف العمليات، بدا الهدوء أبلغ من ألف خطاب، وكأن الطمأنينة نفسها تحولت إلى رسالة سياسية.
هكذا انقلب المشهد من يملك السلاح كان أسير الخوف، ومن يُفترض أنه الهدف كان أسير ثقةٍ صامتة. وفي هذا التناقض، تتجلى المفارقة الكبرى؛ فالقوة التي ترتجف أمام شاشتها لا تصنع نصرًا، والطمأنينة التي تسكن بيتًا بسيطًا قد تكون أبلغ ردّ على كل استعراض.يبقى الغدر، مهما تلون بشعارات القوة أو غُلّف بادعاءات النصر، وصمة عار في جبين من يمارسه، تلاحقه عبر التاريخ كلما طال الزمن. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بقدرة الدولة على المباغتة أو الخداع، بل بمدى التزامها بقيم المواجهة الصريحة واحترام قواعد الصراع، مهما كان العدو أو حجم الخلاف. حين تُغدر الخصومة دون سابق إنذار، يتحول “النصر” إلى هزيمة أخلاقية ويصبح دليلاً على خوفٍ مستتر أكثر منه دليلاً على تفوق.
٢. إن ما تُقدّمه بعض الأفلام التي تتناول أسر رئيس دولة مثل فنزويلا أو تصوير إسقاط الخصم بوسائل ملتوية لا يعكس رجولة سياسية ولا شجاعة عسكرية، بل يكشف انكسارًا داخليًا تحاول القوة الكبرى إخفاءه خلف عدسة السينما وخطاب الانتصار. فالتاريخ لم يكن يومًا منصفًا مع من انتصروا بالخديعة، بل حفظ أسماء من واجهوا خصومهم وجهًا لوجه، حتى وإن خسروا المعركة.الرجولة، في معناها الإنساني والسياسي، لا تكمن في إذلال الخصم بعد شلّ قدرته، ولا في صناعة مشاهد دعائية لتبرير فعلٍ غير أخلاقي، بل في القدرة على المواجهة العادلة وتحمل تبعاتها. أما الانتصارات التي تُبنى على الغدر، فهي انتصارات مؤقتة، سرعان ما تتهاوى أمام محكمة التاريخ، حيث لا تُجدي القوة ولا تنفع الرواية الرسمية. القيود التي كُبِّلت بها يدا الرئيس الفنزويلي لم تكن كافية لإخماد المعنى، ولا لإطفاء الرسالة. ففي أول صورة التُقطت له، ارتفعت أصابعه مشكِّلة علامة النصر، لا بوصفها تحديًا عابرًا، بل كصرخة صامتة في وجه عالمٍ اختلطت فيه القيم، حتى صار الغدر يُقدَّم على أنه إنجاز، والانتهاك يُسوَّق كنصر.تلك الإشارة التي وُصفت من قبل الغزاة على أنها تتويج لنجاحهم، لم تكن في حقيقتها سوى شهادة على السقوط الأخلاقي للنظام الدولي، وعلى عجزه المزمن عن التمييز بين القوة والعدالة. قيود الجسد لم تُقيد الإرادة، والصورة التي أرادوا لها أن تكون إعلان هزيمة، تحولت إلى وثيقة إدانة، لا للأسير، بل لمن كبّلوه.
٣. اليوم يترقب العالم ما سيصدر عن مجلس الأمن والأمم المتحدة، لا بحثًا عن بيانٍ مكرر أو لغةٍ متواطئة، بل انتظارًا لإجابة شجاعة طال غيابها. غير أن التجربة علمتنا أن لا جدوى تُرجى من منظمات تخضع لإرادة الأقوياء، لا لميزان الحق، وتكيل العدالة بمقاييس النفوذ لا بمبادئ القانون. ( غزة خير شاهد على ذلك )
٤. خذلان الأرض لا يعني سقوط السماء. فعدالة السماء، وإن أُرجئت، لا تُلغى، وستنتصر في نهاية المطاف على كل متجبرٍ متعجرف، وعلى كل متخاذلٍ صامت. إن عصر التفرد والهيمنة، مهما طال، يحمل في داخله بذور نهايته، لأن الظلم حين يبلغ ذروته، يوقظ الشعوب. القيود التي كبّلت يدي الرئيس الفنزويلي لم تمنع رسالته؛ فإشارة النصر في أول صورة لم تكن إعلان هزيمة، بل فضحًا لسقوطٍ أخلاقي عالمي يُسوِّق الغدر كنصر. انتظار العدالة من مؤسسات تخضع للأقوياء بات عبثًا، إذ لم تعد ميزانًا للحق. ومع ذلك، تبقى عدالة السماء أصدق وأبقى على كل متجبر عبارة تختصر المعنى كله ..ما يبدو بعيدًا آتٍ لا محالة. فالظلم حين يشتد يقترب سقوطه، والطغيان عندما يبلغ ذروته يعلن بداية نهايته. قد يتأخر المشهد، لكن العدل لا يضيع، والتاريخ لا يغفل، مما يظن المتجبرون… إن ناظره لقريب.

1202 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع