
الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

البسطرمة وحديث الذكريات: الجزء الأول
البسطرمة أو الباسترما، هي نوع من اللحوم شبه المُجففة، وهي من الأكلات الشتوية المميزة، ويعود تاريخها إلى نحو 1500 عامًا، خلال فترة حكم أتراك "الهون"، عندما كان الفرسان يحملون معهم في حروبهم لحما مُملّحا، ويحتفظون به على ظهر خيولهم، من أجل تناوله خلال فترات الحروب والسفر، بحسب رئيس بورصة تجارة قيصري "شعبان أونلو".
يرتبط تأريخ البسطرمة ونشوئها بالحاجة إلى تخزين اللحوم في فصل الشتاء القاسي نتيجة للحروب على مدى الزمن والحصار المفروض على المدن وأيضاً لتخزين الغذاء من زمن الوفرة في الصيف إلى زمن الشحة في الشتاء.
ويقال إن كلمة "باستيرما" تعني حرفياً "الضغط"، إذ كان الفرسان الأتراك يركبون خيولهم حاملين اللحم المُتبّل في جيوب على جانبيها، حيث كان الفارس يضغط عليه بساقيه أثناء الركوب.
لقد انتقلت البسطرمة إلى العراق من خلال الدولة العثمانية، حيث مكث العثمانيون في العراق قرابة أربعة قرون (1534-1917م)، كما وصلت الباسترما (كما تُسمى في بلغاريا) إلى بلغاريا في القرن السابع الميلادي.
البسطرمة موروث تراثي وأكلة عراقية شتوية شهيرة منتشرة في أرجاء العراق، وكانت العوائل تقوم بصنعها منزليا، كما كانت العوائل العراقية ترسلها هدايا نفيسة إلى أحبابهم وأصدقائهم داخل العراق وخارجه.
تُعدُّ البسطرمة سفيرة الأكلات العراقية، وهي تتواجد في معظم البيوت العراقية، وهي أكلة تمتاز بنكهتها وبرائحتها الجاذبة لمحبيها. تُقلى البسطرمة لوحدها أو مع البيض والتمر والطماطة والبطاطا بدون إضافة أي دهن أو زيت لأنها كفيلة بها (دهنها منها).
وفصل الشتاء هو عكس فصل الصيف، وكانت الناس تصفه (ثقيل) لظروفه الجوية الصعبة. بعض العوائل كانت تشتري حولي (بقرة صغيرة) عند قدوم فصل الشتاء وكانت تقوم بعمل كميات مناسبة من البسطرمة للشتاء، كما كانت تقوم بكبس باقي اللحم بالبرنية (إناء فخاري) بعد تمليحه بالملح.
في الماضي القديم لم يكن هناك ثلاجات أو مجمدات لحفظ اللحوم، لذا لجئت الناس إلى تقديد وتجفيف اللحوم لاستخدامها عند الحاجة.
لقد كان تقديد اللحوم موجود في معظم بلدان العالم تقريباً، فنشأت الپاسترمة اليونانية والسجق التركي والپاسترامي الإيطالية والفسيخ المصري والمصموط البصري والسلامي والصوصج.. الخ.
لقد برزت أهمية تقديد اللحوم نتيجة الحروب على مدى الزمن والحصار المفروض على المدن، وكذلك لتخزين الغذاء من زمن الوفرة في الصيف إلى زمن الشحة في الشتاء.
لقد كان في شارع الرشيد في بغداد محلات للأرمن كانت تشتهر بنوعين من البسطرمة: القيصرية وهي اللحم المجفف الني المُتبل بالبهارات الخاصة، حيث تُقطع الى سلايدات وتقدم للأكل، والأخرى البسطرمة العادية المحشوة باللحم المثروم قليل الدسم والمتبلات الخاصة بها، فيتوجب تعليقها لفترة ليضربها الهواء لتجفف.
وفي شارع الرشيد أيضا كان هناك محل ستراك الأرمني الذي يبيع أطيب بسطرمة في فصل الشتاء، أما في الصيف فكان يبيع الكيك الجاهز مع البيبسي. وكان هناك أيضا بسطرمة أبو جورج في محله قرب اورزدي الرشيد.
كذلك كانت توجد محلات للبسطرمة في الكرخ والرصافة، وكان قاسم أبو الكص، قبل أن يعمل مطعمه المشهور للكص، كان من أحسن عاملي البسطرمة في الأعظمية، وشهرته معروفة في بغداد، ولازال أحد أبنائه يعملها هناك.
وللموصل خصوصية خاصة بالبسطرمة، وكانت العوائل تقوم بعملها منزليا، حيث كان يوضع اللحم المثروم في إناء كبير ويضع عليه الثوم المهروس وبهارات البسطرمة والملح، ثم يتم وضع الخلطة بشرادين (أمعاء بقر) مجففة، ثم يوضع فوق الشرادين ثقل لتُكبس، ثم يتم تعليق الشرادين على الهواء الطلق. وبعد عدة أيام تجف الشرادين وتطلع رائحة البسطرمة القوية، وعندها يتم أكل البسطرمة بالقلي لوحدها أو مع البيض أو التمر أو الطماطة أو أصابع البطاطا.

لقد كانت في الموصل بسطرمة القصاب (الحاج عباس الرّحو) منذ الخمسينات والتي وصلت الى الكويت ولندن وأغلب محافظات العراق، وآل الرّحو من أشهر عوائل الموصل في مجال القصابة وبيع اللحوم.
ومن أشهر محلات البسطرمة حاليا في الموصل هي (بسطرمة الحاج يونس)، وكان محله سابقا في سوق الميدان قرب جامع حمّو القدو، سوق السمك حاليا، وله فرع آخر في شارع الدركزلية في الساحل الأيسر قبالة منزل الأغا عبد الله الشرفاني، ومن بعده تولى أولاده وأحفاده عمل البسطرمة وبيعها.
كما كان هناك مطعم مميز لبيع البسطرمة في منطقة الدواسة بجوار سينما حمورابي، وقد تحول ذلك المحل إلى (فلافل بدر) الشهيرة.
العديد من العوائل الموصلية المتمكنة ماديا كانت تقوم بشراء كميات مناسبة من اللحم وتقوم بعمل البسطرمة في البيت في بداية الشتاء وتقوم بتعليقها على الهواء في فناء البيت أو الشباك الخارجي.
بعض العوائل كانوا يُربون حولي (عجل) في الصيف على قشور الباقلاء والبطيخ والرقي والخبز اليابس، وفي نهاية الخريف يقومون بذبح الحولي ثم يكبسون اللحم بالبرنية بعد تمليحه، كما يعملون بسطرمة من الجزء الآخر لكي يستخدموها في الشتاء.
في فترة سبعينات القرن الماضي وبعدها شحَّت ظاهرة عمل البسطرمة في البيوت لعدة أسباب؛ منها غلاء اللحم وتوجه العديد من النساء للعمل في الوظائف الحكومية، فأصبح التوجه لشراء البسطرمة بكميات محدودة من محلات القصابة ووضعها في المجمدة بدل تعليقها في المنزل.
يذكر الصديق العزيز الأستاذ نمير المصري الذي يمتلك خبرة مميزة في مجال الطبخ والصناعات الغذائية: يجب أن يكون لحم البسطرمة هو لحم عجل ويُخلط ثلثين هبر صافي وثلث شحم هوش (الليه مال غنم نهائيا ما تصير)، واللحم يُثرم خشن وليس ناعم كما يُثرم مع اللحم الثوم وحسب الرغبة.
الاعتيادي لكل كيلو لحم يضاف 50غم ثوم، أما البهارات فهي بنسب متساوية تكون ملعقتي طعام فلفل أسود وملعقتي طعام كمّون وملعقتي طعام جوزة البو (جوزة الطيب)؛ وهي من التوابل العطرية، وملعقة واحدة طعام من القرنفل، جميعها مطحونة جديد.
وطبعا لا تؤكل البسطرمة الا ساخنه وتُقلى لوحدها أو مع الطماطة والبيض وأصابع البطاطا والتمر، وألف عافية على اللي يأكلها.
https://www.facebook.com/watch/?v=1073929069619907
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.

1191 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع