عبد السلام جلّود و(ملحمته) البائسة (١-٢)

أحمد العبدالله

عبد السلام جلّود و(ملحمته)البائسة(١-٢)

من المفارقات الغريبة جداً في تاريخ العرب الحديث والمعاصر, إن الشعوب العربية التي كافحت وقدّمت التضحيات الجسام للتحرّر والانعتاق من الاستعمار الغربي؛(الفرنسي-الايطالي-الانكليزي), ولما تحقق هذا الهدف بعد عقود مريرة من النضال, فحكمها(أبناؤها)بعد استقلالها, ولكن بعض هؤلاء الأبناء العاقّين, أسكرتهم السلطة ومغرياتها, فالتصقوا بها ومارسوا البطش ضد مواطنيهم, فاستغاثت تلك الشعوب بالدول الاستعمارية القديمة والجديدة من ظلم وفساد هؤلاء الحكام. وكانت النتيجة إن الاستعمار الذي خرج من الباب عاد من الشباك. وما حدث ولا يزال في سوريا تحت حكم حثالات النصيرية, وليبيا تحت حكم القذافي, وفي دول عربية أخرى بشكل أقل, يؤكد ذلك.
وفي كتاب صدر مؤخراً لعبد السلام جلود, الذي كان يوصف بـ(الرجل الثاني)في ليبيا لمدة ربع قرن تقريبا, حتى(ركله) القذافي سنة 1993, ووضعه في(ثلاجة)لغاية سقوط(جماهيرية العقيد العربية الشعبية الاشتراكية العظمى, ..الخ)!!في 2011, وفرار جلود هاربا بجلده إلى إيطاليا. وهناك, حيث يقضي وقته متسكِّعا, أصدر مذكراته التي سمّاها؛(الملحمة)!!, ولكنها كانت(المهزلة) بعينها. يحكي فيه بأسلوب ركيك وإنشائي, يكشف فيه ضحالته الفكرية وخواءه السياسي, سنوات(نضاله الثوري)مع القذافي, والذي يسمّيه تارة بـ(الأخ القائد), وتارة أخرى بـ(الطاغية)!!.
ومن خلال صفحات الكتاب التي ناهزت الـ500 صفحة, نستشفّ من خلالها الدرك الذي وصلته ليبيا عبر الـ42 سنة العجاف التي جثمت فيها تحت تسلط ثلّة من(الزعاطيط)المغامرين, ممن أطلقوا على أنفسهم(الضباط الأحرار)!!, وما هم بأحرار, متأثرين بالتجربة الفاشلة لجمال عبد الناصر, حيث أعادوا(تدوير الفشل), ولكن بشكل أكثر فوضوية. عبد الناصر الذي كان(يرى فيهم شبابه)!!حسب وصفه, وخلع على القذافي لقب(أمين القومية العربية)!!.
ولكن(أمين القومية العربية)هذا وتابعه(جلود)لا يتورّعان عن دعم أعداء العرب, بل كان هذا الأخير أكثر حماسا واندفاعا من القذافي نفسه, فيتحالف مع إيران الفارسيّة في عدوانها على العراق, ويمدّها بالخبراء والصواريخ التي قصفت بغداد بين عامي 1985-1988, ويعقد لحسابها صفقات السلاح والعتاد من أموال الشعب الليبي المبتلى بهم*. ويدخل في حلف مع النظام الشيوعي الذي حكم إثيوبيا في أطماعه في السودان والصومال وأريتريا, ويدعم المتمرد الوثني(جون قرنق), والذي قاد لاحقاً لانفصال جنوب السودان عن الوطن الأم. ويقف في صف(البوليساريو)للانفصال عن المغرب. ويساند الحوثيين في اليمن,..الخ, من أعمال التخريب والفوضى, والتي يفتخر بها في كتابه البائس, كبؤس مؤلفه.
ومن يطّلع على الكتاب, يتصوّر إن صاحبه يتفوق على(ديغول)في السياسة, وعلى(رومل)في العلم العسكري, وعلى(آدم سمث)في الاقتصاد!!. فالزعيم السوفيتي؛بريجنيف,(يرجوه) النصيحة لتدارك انهيار اقتصادي وشيك لبلاده, وأنديرا غاندي التي رأست قمة دول عدم الانحياز في نيودلهي عام 1983, تستمع لدقائق لكلمات رؤساء الوفود ثم تغادر القاعة لشعورها بالضجر!!, ولكن عندما يعتلي(جلود) المنصة, تبقى تتابع بلهفة خطابه حتى النهاية, بل وتطلب من(السكرتاريا)أن يزوّدوها بنسخة مكتوبة منه. وليس هذا فقط بل إن الملايين من الهنود يتدافعون بالمناكب للحصول على نسخ من الخطاب ثم يقومون بتعليقها في الشوارع والساحات والحواري. إنه(جلود), أيها السادة!!.
ويرتدي جلود أو(جوبلز)!!, جلباب(الزاهد المتنسّك)خلال زيارته ليوغسلافيا ولقائه مع رئيسها(تيتو), والذي احتفى به كثيرا كما يقول, وأقام على(شرفه)حفلا تكريميّاً في جزيرة بريوني, ويقدم له السيكار المصنوع خصيصا له, فيجيبه جلود؛ إنه لا يدخّن, ثم يقدّم له النبيذ المعتّق والمصنوع خصّيصا لتيتو أيضا من أعناب الجزيرة نفسها, فيرفض جلود قائلا؛ إنه لا يحتسي الكحول, ثم(يتوسّله)أن يقوم بالرقص مع إحدى الحسناوات الحاضرات في الحفلة, ولكن جلود يأبى ذلك, مما دفع تيتو ليقول له ضاحكا؛(إذا كنتَ لا تدخن ولا تشرب النبيذ ولا ترقص, فلماذا تعيش)؟!.
ويبدو إن جلود يتوهم إن الناس في ليبيا وخارجها في غفلة عن فضائحه المخزية وروائحها العفنة التي فاحت وأزكمت الأنوف, والتي كان من بينها قيام المخابرات المصرية في أوائل السبعينات بتصويره في شقة مفروشة مع واحدة من أشهر فاتنات السينما المصرية, في وضع(مش ولا بدّ)!!, وهو يمارس(النضال)!!معها, وفق مفهوم(النظرية الثالثة) لكتاب القذافي(الأخضر)!!. مما دفعه لتغيير الاتجاه لاحقا, فحطَّ رِحله في دمشق لدى صنوِّه الآخر(عبد الحليم خدام), والذي لعب دور(القوّاد), فتولى توفير(خدمات جهادية)!!من نوع خاص جداً, للمناضل الثوري(إبن جلود), ليريح جسده المنهك من(وعثاء النضال)!!, حيث طاب له المقام لثلاثة أشهر متواصلة في صيف عام 1976, ومثلها تقريبا في عام 1985, بذريعة وقف مجازر المجرم حافظ أسد و(زلمته) نبيه بري ضد الفلسطينيين في مخيمات اللجوء في لبنان, حيث قتلوا منهم أكثر مما قتله(العدو الصهيوني)!!في نصف قرن. ولِمَ لا؟, فطريق تحرير فلسطين(من النهر إلى البحر)!!, محفوف بالشهوات, وبما لذَّ وطاب!!.
ولكي يُضفي جلود على نفسه شيئا من أهمية لا يمتلكها وقيمة يفتقر إليها, فإنه يكرر في كتابه عبارات مثل؛(وعقدتُ اجتماعات متواصلة من الصباح إلى المساء, ومن أول الليل حتى مطلع الفجر)!!, وإن الجماهير في الدول التي يزورها تحتشد بـ(الملايين)!!, وليس بالآلاف, وهي تصفق وتهتف لجلود و(ثورة الفاتح), وغير ذلك من المبالغات السمجة التي تثير الضحك, والتي تبيّن(الأنا المتضخمة)لهذا الشخص التافه المصاب بالنرجسية. والغريب إنه رغم الكوارث التي رافقت عهدهم الأسود, لم يكلّف جلود نفسه بمراجعة لتاريخه المخزي والقيام بنقد ذاتي, بل كان همّه الأول والأخير هو(التغنّي بأمجاده), وتعليق كل السيئات برقبة القذافي وحده. وأقول؛ إذا كان القذافي سيّئاً, وهذا أمر مفروغ منه, فقد كان(جلود)أسوأ منه بكثير!!.
في المقال القادم سأروي قصة لم يروِها جلود في(ملحمته)!!, عندما(قرّعه)وأهانه الرئيس صدّام حسين في قمة عمان عام 1987, وسبب ذلك التقريع, وكيف قام(العقيد)حسين كامل بـ(جلبه)أمام الرئيس صدّام, ليعتذر عمّا بدر منه!!.
.........................................
* في مقابلة لجلود مع قناة العربية في 2012, ضمن برنامج الذاكرة السياسية, قال ما يلي؛(كُنّا نزوّد الإيرانيين بالسلاح الليبي ونشتريه لهم من الخارج بإسم ليبيا, وزودناهم بصواريخ(سكود), وكان القذافي متردداً في موضوع تزويد إيران بالصواريخ لضرب بغداد, ولكنّي أقنعته بذلك)!!. وعندما سأله المذيع؛ كيف تقبل لنفسك ذلك, وأنتم ترفعون شعارات القومية العربية؟, فيجيبه؛(إن الصراع الثوري يتطلب ذلك, وإنه يفهم خطورة هذا القرار الجذري, ولكنه غير نادم عليه أبداً)!!, لأن المهم من وجهة نظره, هو؛(عدم إسقاط الثورة الايرانية, لأن حال المنطقة سيكون سيّء جدا)!!. وعندما يقول له المذيع؛ ولكنكم قتلتم عراقيين بصواريخكم, يجيبه جلود بكل وقاحة وتبجح, وهو يبتسم ببلاهة وبملأ شدقيه؛(هذه طبيعة الصراع, يجب أن يموت فيه ناس, ولو كانوا أبرياء)!!!.

أطفال الگاردينيا

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

765 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع