الماسونية الروسية وثورة فبراير عام ١٩١٧

                                                  

                            د. جابر أبي جابر

الماسونية الروسية وثورة فبراير عام 1917

لمحة تاريخية: نشأ أول محفل ماسوني بروسيا في عام 1731 خلال عهد القيصرة انّا يوانفنا. وفي البداية كان معظم أعضاء هذا التنظيم السري من ضباط الجيش الروسي الأجانب والتجار. ولكن بعد فترة وجيزة صار الروس يدخلون في الماسونية بأعداد كبيرة نسبياً. ففي عام 1750 كان ينشط في بطرسبورغ محفل ماسوني برئاسة الكونت رومان فورونتسوف وكان من أعضائه المؤرخان ميخائيل شرباتوف وايفان بولتين والكاتب ألكسندر سوماروكوف. وخلال عشرات السنين اقتصرت عضوية المحافل الماسونية على ممثلي النخبة في المجتمع الروسي المنحدرين، بالطبع، من طبقة النبلاء وشملت القادة العسكريين وكبار موظفي الدولة والكتاب. وقد كانت التنظيمات الماسونية في روسيا تتطلع إلى تحقيق الأهداف الإنسانية والتنويرية وركزت اهتمامها على القضايا الأخلاقية. وكان الماسونيون يدافعون عن رسالة الفن الاجتماعية والأخلاقية. ومن أهم السمات الإصلاحية للماسونية الروسية إرساء استقلالية الفرد في حل القضايا الروحية والأخلاقية. وحسب اعتقادهم لا ينبغي لأي قوة أن تنتهك سيادة الفرد لا الدولة ولا الكنيسة ولا أي مؤسسة اجتماعية أخرى.
وفي عام 1770 حصل ايفان يلاغين على موافقة محفل برلين" رويال يورك" لافتتاح أول محفل كبير في روسيا. وسرعان ما أصبح تحت إدارته 14 محفلاً في مناطق مختلفة من الإمبراطورية الروسية. وقد بلغ العدد الإجمالي لأعضاء هذه المحافل قرابة 400 شخص.
وفي السبعينات من القرن نفسه أسس البارون ريخيل عدة محافل في العاصمة بطرسبورغ وريغا كبديل لمنظومة يلاغين السويدية. وفي الوقت نفسه انتسب إلى منظومة يلاغين حاملاً الدرجة الثالثة الكاتب نيكولاي نوفيكوف، الذي أكد على أن المحافل ينبغي أن تهتم بالسعي للكمال الأخلاقي والتطلع إلى معرفة الذات وتصحيح الجنس البشري بأكمله.
وفي عام 1778 انضم محفل موسكو برئاسة الأمير نيكولاي تروبسكوي إلى المنظومة السويدية ثم التحق بها نوفيكوف. وبعد إغلاق محفل يلاغين عام 1779 انتقل نوفيكوف إلى موسكو. وقد ارتبطت هذه المرحلة الجديدة من تطور الماسونية بالعاصمة القديمة وكان نوفيكوف محور نشاطها، الذي ازداد بعد الانتقال من بطرسبورغ إلى موسكو. وكان ذلك في عهد القيصرة كاترين الثانية، التي كان الماسونيون الروس قد ساعدوها في اعتلاء عرش روسيا عام 1762. وكانت المحافل الماسونية تمارس الأعمال الخيرية وتقوم بفتح المدارس والاعتناء بالمكتبات. غير أن بعض المحافل كان يوجه سهام انتقاداته إلى النظام الملكي المطلق ونظام القنانة، الذي أدى إلى استعباد الفلاحين، مما أثار في نهاية المطاف استياء القيصرة، التي نشرت عدة أعمال موجهة نحو الاستهزاء بالماسونية وفضحها. وبعد اندلاع الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789، التي شارك فيها الماسونيون الفرنسيون، باتت كاترين الثانية تخشى تكرار ذلك على أرض روسيا مما دفعها إلى حظر نشاط الماسونيين في عام 1792. وعلى أثر ذلك اعتقل نوفيكوف ولم يطلق سراحه إلا بعد وفاة كاترين الثانية ومجيء نجلها بافيل الأول إلى سدة الحكم.
وفي عهد القيصر ألكسندر الأول(1801-1825) شهدت الماسونية فترة انتعاش وازدهار خلال العقدين الأولين من القرن 19. ففي عام 1815 تشكل في بطرسبورغ "محفل أستريا الكبير" على غرار محفل إنجلترا الكبير. وقد تفرع عنه أربعة محافل وهي "بطرس نحو الحقيقة" و" فلسطين" ببطرسبورغ و"ايزيدا" بمدينة رافيل و"نبتون نحو الأمل" في كرونشتادت. وقد ترأس محفل"أستريا" الدبلوماسي فاسيلي موسين بوشكين- بروس. واختار هذا المحفل النظام السويدي، الذي يترك لكل محفل حرية اختيار أي نظام ماسوني في أوروبا.
وأدت عملية الإصلاح التي شهدها محفل"أستريا" إلى الانفصال عن المحفل الإقليمي الكبير وانضمام محفلي"النجم الملتهب" و" الاصدقاء المتحدون" إليه. وقد كان ضمن الأعضاء كوكبة من مشاهير روسيا مثل الشعراء بوشكين وغريباييدوف وتشادايف ووزير المعارف صاحب أكبر مكتبة شخصية في روسيا أبرام نوروف والعقيد بافيل بيستيل.
في الأول من آب/أغسطس عام 1822 أصدر القيصر ألكسندر الأول قراراً بإغلاق كافة المحافل الماسونية والجمعيات السرية الأخرى بروسيا. وقد بلغ عدد أعضاء محفل"أستريا" الرئيسي بحلول ذلك الوقت 1404 أشخاص. وكان هؤلاء موزعين على 19 محفلاً.
وخلافاً للماسونية الإنجليزية غير المكترثة بالسياسة لم يكن بوسع الماسونيين الروس الابتعاد عن مجال السياسة المحظر عليهم . وفي هذا السياق كان معظم المشاركين في انتفاضة الديسمبريين ضد تولي نيكولاي الأول عرش روسيا في 14 ديسمبر عام 1925 من الماسونيين. وقد تعرض بعضهم للإعدام ونفي البعض الآخر إلى سيبيريا. وكان هؤلاء يعتزمون إجراء إصلاحات ليبرالية في روسيا متأثرين بأفكار الثورة الفرنسية. وبعد هذه الحادثة الأليمة بالنسبة للماسونيين الروس انتقل نشاطهم الرئيسي إلى أوروبا.
ففي عام 1880 أسس الكتاب والفنانون المقيمون في فرنسا محفل "كوسموس". وأصبح ممكناً قبول الملحدين في هذا المحفل وغدت السياسة المجال الأول لنشاط الماسونيين الروس في المهجر حيث باتوا يشاركون مشاركة نشيطة في الحركات والأعمال الثورية الموجهة ضد الأنظمة الملكية. وعلى العموم توجه ممثلو الإنتلحنسيا الروسية في أوروبا آنذاك إلى محفل الشرق الأكبر الفرنسي.
بعد ثورة عام 1905 وصدور مانيفست 17 أكتوبر، الذي ضمن حرية التعبير وسمح بالنشاط العلني للأحزاب والجمعيات المختلفة إلى جانب إنشاء برلمان للبلد (مجلس الدوما)، توافد إلى روسيا مبعوثو الماسونية الفرنسية واستطاعوا تأسيس عدة محافل من ضمنها "نجمة الشمال" و"البعث". وقد أحجم الماسونيون الروس آنذاك عن ممارسة الطقوس الماسونية، وألغوا العمل في تصنيف الأعضاء حسب الدرجات، وباتوا يقبلون المرأة في محافلهم. وبذلك أصبحت الماسونية الروسية تنظيماً سياسياً بعيداً تماماً عن التمسك بالطقوس المعهودة لدى الماسونيين في الغرب. كما أن هذه الأخوية السرية لم تكن تولي الاهتمام إلى مسألة الكمال الروحي. وقد أعادت تنظيم صفوفها وتفعيل نشاطها في عام 1912 بعد مصرع رئيس الوزراء بيوتر ستوليبين، الذي كان يقف لها بالمرصاد. كما أن السلطة القيصرية عامة كانت تنظر إلى الماسونية بتوجس كبير وتسعى إلى محاربتها بشتى الوسائل. وفي العام نفسه أُعلن أن الماسونية الروسية لم تعد مرتبطة بالماسونية الفرنسية رغم أنها، في واقع الأمر، ظلت على علاقات متينة معها. وقد جرى في عام 1912 تشكيل محفل "الشرق الكبير لشعوب روسيا".
ونظراً للطابع السري التام، الذي يكتنف نشاط هذه الحركة وأعمالها، فإن مشاركة الماسونيين في حدث ما لا تغدو في العادة معروفة للملأ على شكل واضح ومفهوم إلا بعد مرور عشرات السنين ووفاة الشخصيات المعنية. ومن هنا يمكن للمرء أن يدرك أسباب التفاوت الشديد في تقييمات المؤرخين والباحثين لدور الماسونية في هذه الأحداث أو تلك.
وفضلاً عن ذلك فإن السلطات السوفيتية كانت تحجم عن ذكر الماسونيين وتحظر نشر الأعمال المتعلقة بنشاطهم. وهذا ما يفسر ظهور سيل عارم من الكتب والدراسات حول الماسونية عامة والماسونية الروسية بشكل خاص بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وقد انصب معظم هذه الأعمال على دور الماسونيين الروس في أحداث ثورة فبراير. وتضم مكتبة مؤسسة "غوفر" في الولايات المتحدة تسجيلات لمقابلات صحفية مع عدد من الماسونيين الروس البارزين، الذين أمضوا السنوات الأخيرة من حياتهم في المهجر واشترطوا نشر هذه المقابلات بعد وفاتهم.
وتشير المقابلات المذكورة إلى أن نشاط الماسونيين في روسيا أثناء الحرب العالمية الأولى اكتسح شتى الجمعيات الأهلية والتنظيمات السياسية بدءاً من الليبراليين وانتهاء بالبلاشفة.
وينحو بعض المؤلفين والماسونيين إلى المبالغة في أحجام الحركة الماسونية بروسيا قبل عام 1917 حيث يشيرون إلى أن شبكات المحافل كانت منتشرة في كافة أرجاء البلد. ولكن ثمة شهادات أقرب إلى الحقيقة تذهب إلى أن عدد المحافل الماسونية لم يكن يتجاوز 50 محفلاً يتراوح عدد أعضائها بين 350 و400 شخص ويقيم ربعهم في العاصمة. والمعروف أن قوام هذه المحافل كان نخبوياً، إذ ضمت أشخاصاً متنفذين قادرين على استخدام علاقاتهم المتشعبة لمصلحة التنظيم حين يقتضي الأمر. وقد كان محفل الدوما (محفل الوردة) كبيراً. كما كان لدى الماسونية محفل عسكري من كبار الضباط ، ومحفل أدبي من كتاب بارزين ومحامين معروفين والعديد من الشخصيات الاجتماعية والدبلوماسية والفلسفية والعلمية. وقد تجلت أهدافها فيما يلي :"الدفاع عن حقوق الإنسان والنضال من أجل التحرر السياسي لروسيا، وتطبيق مبادئ الثورة الفرنسية لعام 1789 في شكلها الأولي النقي، وتوحيد كافة العناصر التقدمية، وتحقيق الكمال الأخلاقي". ويرى العديد من المؤرخين أن الماسونية لعبت في روسيا دوراً فعالاً في الإعداد الإيديولوجي والتنظيمي والدعائي لأحداث ثورة فبراير. وقد كان على الراغبين في الانتساب إلى الماسونية الإجابة على الأسئلة التالية:
1- ما هو موقفك من الأسرة؟
2- كيف تنظر إلى مهام التقدم البشري؟
3- ما رأيك في الدين؟
4- ماهي طرق وأساليب العلاقات الدولية التي تعترف بها؟
5- ما هو موقفك من الحرب؟
6- ما الذي ينبغي عمله، حسب تقديرك، في حال الاعتداء على روسيا؟
7- أي شكل لإدارة الدولة تراه الأفضل بالنسبة لروسيا؟
وقد شهد عام 1917 بالنسبة للماسونيين الروس أوج نشاطهم، ولكن تنظيمهم بقي سرياً للغاية، وربما أصبح بعد ثورة فبراير أكثر سرية مما كان عليه قبلها. وفي معرض تناولها لارتباط الماسونية الروسية بالحكومة المؤقتة أوردت الكاتبة المهاجرة نينا بيربيروفا في كتابها "الناس والمحافل" قول وزير الخارجية بافيل ميلوكوف، الذي كان على اتصال وثيق مع الشخصيات الماسونية في الحكومة المؤقتة دون أن يدري ذلك، إذ أشار إلى أن جميع الماسونيين من وزراء الحكومة "كانوا أصحاب طبائع مختلفة تماماً والأمر نفسه بشأن ماضيهم ودورهم السياسي. ولكن لم تكن توحدهم المواقف السياسية فقط حيث بدا لي أن ثمة التزامات معينة تربطهم معاً وتنبثق من مصدر واحد... كنت ألاحظ هذه الظاهرة في السابق ولم يتسن لي أن أخمن منشأها. وقد أدركت حقيقة الأمر بعد فترة طويلة من سقوط الحكومة المؤقتة" (بافيل ميلوكوف. مذكرات. موسكو، دار نشر"فاغريوس"،2001.المجلد(2)، ص.332- 333).
خلال الفترة الواقعة بين ثورتي عام 1917(فبراير وأكتوبر) تبدل قوام الحكومة المؤقتة عدة مرات. ولكن النواة الماسونية بقيت واحتفظت بتأثيرها الكبير. وقد ضمت التشكيلة الأولى 5 وزراء ماسونيين من أصل 11 وزيراً. ومن المعروف أن الرئيس الأول لهذه الحكومة الأمير لفوف كان ماسونياً بارزاً. أما الرئيس الثاني كيرنسكي فقد شغل إلى جانب رئاسة الحكومة منصب سكرتير المجلس الأعلى أي أنه كان زعيم الماسونية الروسية. أما بالنسبة لقيادة سوفيت بتروغراد للعمال والجنود (القوام الأول) فقد ضمت ثلاثة ماسونيين وهم رئيس السوفيت نيكولاي تشخيدزه ونائبيه الكسندر كيرنسكي وماتفيه سكوبيليف فضلاً عن اثنين من أمناء اللجنة التنفيذية للسوفيت وهما كوزما غفوزدييف ونيكولاي سوكولوف.(نينا بيربيروفا. الناس والمحافل. الماسونيون الروس في القرن 20. موسكو "دار التقدم"، 1997؛ أندريه سيركوف. تاريخ الماسونية الروسية في القرن 20. سانت بطرسبورغ. دار نشر"نوفيكوف".2009).
وفي كتابه "مذكرات" يشير احد زعماء حزب الكاديت البارزين وهو غيورغي ميخائلوفسكي إلى أن السلطات الأمنية القيصرية كانت تتبع نشاطات الماسونيين الروس وتبعث أهم تقاريرها حول هذا الموضوع إلى القيصر. وقد جمعت هذه التقارير في إضبارة كبيرة كانت تحفظ بالقسم الحقوقي والقنصلي لوزارة الخارجية الروسية حتى شهر أيار/مايو عام 1917 حيث سرقها بوريس نولديه عقب خروجه من الحكومة المؤقتة كنائب وزير الخارجية. وللأسف لا يزال مضمون هذه الإضبارة مجهولاً حتى الآن"(غيورغي ميخائلوفسكي."خواطر"- من تاريخ الخارجية الروسية 1914-1920 المجلد (1)،موسكو، دار نشر"العلاقات الدولية". 1993).
وفي ظل الأحداث العاصفة، التي تصاعد خلالها إلى حد كبير دور جماهير عمال مصانع بطرسبورغ وجنود حامية المدينة، لم يعد للماسونية التأثير البارز، الذي كانت تمارسه منذ بضعة شهور في حياة المجتمع الروسي.
بعد ثورة أكتوبر البلشفية توقف نشاط المحافل الماسونية في روسيا بشكل تام. وفي العشرينات من القرن الماضي اعتقل العديد من الماسونيين وكان مصيرهم الإعدام أو السجن لسنوات طويلة.

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

540 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع