ليلة العيد وحديث الذكريات

                                                      

                الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
                     أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

   

ليلة العيد وحديث الذكريات

ليلة العيد هي المحطة الأخيرة التي تسبق العيد الذي يحمل في طياته الأفراح والمسرات وينتظره الصغار والكبار بشغف كبير للاحتفاء به.

لقد كان للعيد في الأيام الخوالي لون وطعم ورائحة مختلف عما نراه اليوم، وكان الصغار ينتظرون قدومه قبل أسابيع، ويستعدون له ويحسبون ما سيطقطق في جيوبهم من عُمَل نقدية براقه سيحصلون عليها أيام العيد. دعونا نركب سوية في بساط الريح لينقلنا إلى الأيام الخوالي التي عاش بها آبائنا وأجدادنا أيام العيد.

مما لا ريب فيه فإن نمط الحياة يتغير مع دوران عجلة الزمن، وكما هو معروف فإن مراحل الزمن ثلاث: ماضي مضى ولم تبقى سوى آثاره وذكرياته، وحاضر نعيشه بكل ظرفه، ومستقبل مُبهم لا يعلم سوى الله تعالى كيف سيكون حاله.

لقد ظلت العديد من العادات والتقاليد راسخة في المجتمع العراقي لغاية ثمانينيات القرن الماضي، ثم بدأت تخفت ويتضاءل بريقها بسبب ظروف العراق وهجرة آلاف العوائل منه وفقدان مئات الآلاف بسبب الحروب والقتل والتفجيرات فخفتت أفراح العوائل؛ بل بدأت تتناسى لدى الكثيرين. يقول الشاعر العراقي السيد مصطفى جمال الدين:

هـذا هـو العيـدُ، أيـنَ الأهـلُ والفـرحُ ... ضاقـتْ بهِ النَّفْسُ، أم أوْدَتْ به القُرَحُ؟!
وأيـنَ أحبابُنـا ضـاعـتْ مـلامحُـهـم ... مَـنْ في البلاد بقي منهم، ومن نزحوا؟!

للعيد رمزية وخصوصية خاصة تعوَّدنا عليها، فما أجمل أن نعود إلى الأيام الخوالي والماضي الجميل لنستذكر كيف كان آبائنا وأجدادنا يتعايشون مع الأعياد في المجتمع العراقي العريق.


العيد في الماضي البعيد:
لقد كان الآشوريون يحتفلون في أعياد رأس السنة الآشورية التي تستغرق أحد عشر يوماً بلياليها، وكان هناك ساحة خاصة للاحتفالات الكبرى وسط العاصمة نينوى، وكان هناك طقوس خاصة بالاحتفالات تبدأ مع ساعات الصباح الأول للعيد، وكانت الفتيات من كل الأعمار يسرن باتجاه مبنى المعبد الكبير في صدر الساحة حاملات باقات الورود، لتبدأ بعدها الاحتفالات.

وتشير الرُقم الطينية إلى أن الملك (أسرحدون) احتفل مع رعيته بأعياد رأس السنة، وهو العيد الرئيسي للآشوريين لمدة ثلاثة أيام متوالية في ساحة معبد (اي-شارا). وتشهد أيام العيد تكريم الأبطال والحكماء في الساحة العامة، وكان الآشوريون مغرمون جداً بالألعاب التي يمارسها لاعب واحد أو اكثر في أعيادهم وأشهرها الرماية والصيد، حيث كانوا في بعض الاحيان يصوبون سهامهم على أهداف ثابتة واحياناً نحو الطيور المُحلقة بالسماء. وكانوا كذلك يمارسون ركوب الخيل والمسابقات الجمالية.

وكانت نساء العامة يرتدين الخلاخل، وهو تقليد استمر بين النسوة الريفيات في العراق حتى الوقت الحاضر، أما نساء الأثرياء فكانوا يرتدين حلياً تزين صدورهن، مصنوعة من مواد نفيسة واحجار كريمة كالعقيق الأبيض، وسلاسل الذهب، فيما كان يرتدى الرجال التعويذة السحرية في الرقبة على شكل عفريت كتب عليها عبارات سحرية لإبعاد الارواح الشريرة.

وكان الرجال والنساء من الأغنياء يرتدون الأساور في معاصمهم التي صيغت على اشكال الورود، وتبدو في المعاصم وكأنها ساعات الرسغ التي نرتديها حالياً، كما أن ارتداء الأقراط للرجال والنساء كان أيضاً شائعاً وهي ذات شكل هلالي تصنع من الذهب أو الفضة. واستعمل الآشوريون مرايا ذهبية وفضية كانت تصقل بنوع خاص من الجلد وكذلك الأمشاط المصنوعة من الخشب أو العاج، فضلا عن شفرات الحلاقة.

ومما عرفته الموصل في أعيادها قديما عادة تلوين البيض بالوان زاهية وجميلة، وقد انقرضت هذه العادة ولم تبق إلا في بعض القرى المحيطة بمدينة الموصل وخاصة المسيحية.

يشير الشيخ جلال الحنفي إلى أن العرب قبل ظهور الإسلام كانت قد أتخذت لها أعياداً خاصة بالمناسبات، وقد الغى الإسلام تلك الأعياد واكتفى بالعيدين الرئيسين وهما عيد الفطر وعيد الاضحى وجعلهما عيدين يتسمان بسمة دينية، إذ تقام عند قدوم كل منهما صلوات وتكبيرات خاصة، وتلقى فيها خطب منبرية تنبه الناس إلى أمور دينهم.

فالعيد في الإسلام على رأي الشيخ الحنفي يُعد وعاء للأعمال الطيبة ومكارم الأخلاق، إذ يصل الإنسان رحِمه ويذهب البغضاء. ويحتفل المسلمون كافة بأعيادهم بإقامة العديد من الألعاب والمباهج الشعبية.

ليلة العيد:
من الليالي الجميلة ليلة العيد، حيث تنهمك النساء بتهيئة البيوت وإعدادها للعيد، كما تنهمك في عمل كليجة العيد. ويقوم الرجال بالتسوق وشراء تجهيزات العيد من كرزات وحلويات وجكليت ما شابه، وتشهد الأسواق زخما شديدا وتبقى مفتوحة حتى منتصف الليل. كذلك الخياطون تبقى محلاتهم مفتوحة لما بعد العشاء لأن العديد من الزبائن لا يستلمون ملابسهم إلا بعد سماع أطواب (مَدافع) العيد، وكذلك الحلاقون يبقون يعملون لما بعد منتصف الليل.

كليجة العيد:
الكليجة هي السلام الوطني للأعياد والمناسبات السعيدة في العراق والدول المجاورة، وهي ليست مقتصرة على المسلمين فقط بل هي عنوان الأعياد لكل ألوان الطيف العراقي الجميل، والكليجة عبارة عن كعك يصنع من الدقيق (الطحين) ومعجونة بالزبد والدهن والزيت وتُحشى بالتمر أو الجوز أو جوز الهند أو السمسم مع الهيل.


تُعدُ الكليجة ملكة الحلويّات الشعبيّة، وقد استخدمها العراقيون منذ القِدم. واستخدم العراقيون الكليجة كمادة غذائية سهلة الحفظ وتتحمل الخزن الطويل فضلا عن كونها غذاء متكامل. لهذا استخدموها كغذاء ينقلوه معهم في السفر الطويل (مثل مواسم الحج).


وكلمة (كليجا) أو (كُليجة) أو (كَليجة) فارسية، وقد ذكرها ابن بطوطة (ت 779 هـ) في رحلته، وذلك أثناء زيارته لأمير خوارزمي، وذكر أن مائدته فيها (خبز معجون بالسمن يسمونه الكليجا). وكان ابن بطوطة قد زار العراق عام ١٣٢٦ للميلاد في خلال حكم أبو سعيد آخر حكام المغول الاليخانية في العراق، وذكر في كتابه (تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار): (ولأهل العراق حلوى لطيفة يصنعونها من العجين و يحشونها جوزا وتمرا ويسمونها الكوليجة....). كما ذكرها القزويني (ت 682 هـ) بصيغة الجمع كليجات. وقد ذهب آخرون إلى أن أصل التسمية تركي والبعض الآخر إلى أنها كلمة عربية محرفة من كلمة "كيالجة" التي تعني المكيال.


في أواخر شهر رمضان تقوم النساء عادة بتجهيز الكليجة استعدادا لقدوم العيد لكي تكون من الفقرات الأساسية التي تقدم للضيوف في تلك الأيام، بل وحتى قبيل العيد تقوم العوائل بإهداء بعضها البعض أطباق الكليجة من باب المحبة وتبيان شطارة وعدالة كل عائلة... ويسمى هذا "سباق الكليجة"!!


لقد كانت عملية صنع الكليجة من المناسبات التي تنتظرها النساء في الزمن الجميل، وكانت نساء الحي يتعاونن فيما بينهم ويتجمعن في بيت الجيران لمساعدتهم في عمل الكليجة.


وكان كل أفرد العائلة يشتركون في صناعة الكليجة، وكل واحد له واجب محدد: واحد يقوم بتدوير العجينة على حجر الفرش بالشوبك، والآخر يقوم بتقطيع العجين بواسطة قدح أو قوالب خاصة، وآخرين يقومون بحشو العجين بالتمر أو الجوز أو السمسم أو جوز الهند، وآخرين يقومون بالكذل لغلق قطع الكليجة بطريقة فنية، وآخر يقوم بوضع النقوش على الكليجة لتمييز كل نوع على الآخر. وهناك نوع خاص من الكليجة المحشوة بالتمر تسمى (البهية)، وطريقة إعدادها تختلف عن بقية الأنواع.


وبعد اكمال عمل الكليجة في الصباح الباكر، كانت ربة البيت تقف على تنور الطين وتبدء بعملة خبزها بعد دهنها بالبيض في ملحمة شاقة تستمر حتى المساء. عوائل أخرى كانت تتجاوز مرحلة الخبز بالتنور لأنها شاقة وصعبة فيرسلون صواني الكليجة إلى الفرن، وكان في الموصل أفران شهيرة تعود لأشخاص مسيحيين متميزين في شوي الكليجة والقوزي، وخاصة فرن متي خلف البريد القديم في قلب الموصل وفرن سمعان في الدواسة وبعدها انتقل إلى حي القادسية، حيث يُدهن وجه الكليجة بالبيض لإضفاء اللمعة ومنح ملامحها اللون الذهبي الجميل.


لقد مرَّ العراق عبر تاريخه بمحن متتالية، وبحيث لا يكاد يخرج من محنة حتى يدخل الأخرى، ومع هذا بقيت الكليجة محافظة على موقعها ومكانتها في البيت العراقي، ولم تتخلى عنها العائلة العراقية في أحلك الظروف. وأذكر أيام الحصار الظالم على العراق لم يتخلى العراقيون عن الكليجة وكانوا يخبزونها على الصوبات النفطية أو باستخدام الصاج.


كما لم تتخلى العوائل العراقية في الخارج عن الكليجة لأنه كما ذكرتْ لي مرة إحدى الأخوات العراقيات في إنكلترا: "الكليجة هي زي العيد.. والعيد اللي بلا كليجة ما عليه زي عيد". ومن أصعب الأيام التي كانت تمر علينا خارج العراق هي أيام العيد، حيث كنا نشعر بالوحشة الشديدة والغربة والبُعد عن الأهل والأحباب. وكان اخواننا العراقيون الذين معهم عوائلهم يشعرون بظروفنا ويدعوننا لزيارتهم في الأعياد.

أذكر في أحد الأعياد جاءتني ومجموعة من الأصدقاء دعوة كريمة من إحدى العوائل العراقية لزيارتهم في العيد وقالوا لنا (عندنا مفاجئة جميلة من العراق)، فذهبنا إلى هناك، وفعلا كانت المفاجئة بأن قدموا لنا كليجة مع شاي بالإستكان ( علما أن الإستكان كان لا وجود له في إنكلترا).

ليلة العيد في الفن:
لخصوصية ليلة العيد هناك عدد من الأعمال الفنية المميزة عن ليلة العيد. فهناك فيلم مصري عنوانه "ليلة العيد" وهو من إنتاج عام 1949، بطولة شادية وإسماعيل ياسين ومحمود شكوكو، إخراج حلمي رفلة. كما قدمت النجمة يسرا فيلم (ليلة العيد) للمخرج سامح عبد العزيز وتدور أحداث الفيلم في إطار درامي واجتماعي في يوم واحد وهو وقفة العيد.


وفي الغناء غنت أم كلثوم (يا ليلة العيد آنستينا) والتي تُعد واحدة من روائعها، وقد غنتها في فلم (دنانير) سنة 1939، وهي من كلمات أحمد رامي وألحان رياض السنباطي. ثم غنت أم كلثوم هذه الأغنية في 17 سبتمبر 1944 أمام الملك فاروق الأول في حفلة النادي الأهلي، فأنعم عليها بوسام الكمال ليصبح لقبها "صاحبة العصمة":

يا ليلة العيد آنستينا ... وجددتي الأمل فينا
هِلالك هلّ لعنينا ... فرحنا له وغنينا
وقلنا السعد حيجينا ... على قدومك يا ليلة العيد

https://www.youtube.com/watch?v=WcZNebFhZO4

https://www.youtube.com/watch?v=AbU6Bg-6y5o

وغنت فيروز (ليلة عيد) والتي يرددها المسيحيون في عيد الميلاد المجيد:

https://www.youtube.com/watch?v=2E181zPuw20

 أمانينا تسبق تهانينا، وكل عام وأنتم بألف ألف خير.

   

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

510 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع