الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - إقرأ هذا المقال ...

إقرأ هذا المقال ...

                                             

                            الطاف عبد الحميد


كتبت رسالة الكترونية الى صديق عزيز - بعد أن أثقلني بفضل أداه لي – تتضمن جملة مقتضبة تعني لنا نحن أهل العراق الكثير وهي (رحم الله والديك ) ، إلا أني كتبتها (رجم الله والديك ) ،

وبعد أن وضعت إصبعي على كلمة ( send ) السحرية على حاسوبي تؤأم حواسيبكم  إنطلقت رسالتي الى الفضاء وألقيت في سلة حاسوبه ،  دققت الرسالة قبل إرسالها إلا أن شيطان السنين الستين مرر خطأي مستندا على نرجسية أدعيها لنفسي بدقتي وحرفية رسائلي ، تثاقلت خجلا منطويا متصاغرا حتى بدا لي أن نفسي تنفر من نفسي ، فقدت حينها ميزتي  ، وأنزلت قيمتي الإعتبارية الى أدنى محتقرا إياها بضعف الرشد والتدبير فيها ، أردت إبراق رسالة لاحقة لاغية بتصحيح او ترميم ماانكسر ، الا أني ترددت وقررت الصمت وطوي خجلي بإستغفال نفسي  ، وقلت ربما تمرق منه كما مرقت من أمامي ، ولما لايكون هذا : قلت لنفس مواسيا  ، هي مجرد نقطة لعينة قد تهمل العين قرائتها من خلال التصوير الكامل للجملة كما تفعله الكامرة ، لكني صوبت لنفسي قائلا : إن شيطاني طار من فوره ليحط  ويخط خطا أحمر تحت الكلمة  ليدق أسفين نجاحه في الشق  الذي أحدثته النقطة الملعونة .
كم طيرا من طيور الزاجل سنحتاج الى إبراق الف رسالة لكل بلدان العالم وكم من الايام والاسابيع سنحتاج  لوصولها ، ولا نحتاج قي عصرنا هذا إلا الى كبسة زر تستغرق ثانية او بعض منها ، إنه التطور المذهل التراكمي بكم التوجيهات التي تلاحقت ولطمت المتخلفين  والمتثاقلين لتبني حافزا حلقت بألامم الى أعلى .
أردت من هذا التقديم أن أكتب في موضوع قديم كتب فيه كتاب كثر،  تَشَيخ عليهم فيه مصطفى لطفي المنفلوطي  أديب المقالة وساحرها ، وهو ( كيف تكتب مقالا ناجحا )  .
في عصر السرعة والتسارع الخارق لكل مألوف ، ستجد نفسك أيها الكاتب للمقالات بمختلف توجهاتها وتخصصاتها أنك في الميدان وحيدا ترك لك العلم جيشا من المساعدين الاليين والالكترونيين بزعامة (google) ، يغنيك عن كثير من الناس الذين سيحتاجون الى الاستقبال والتوديع والضيافة وتبذير الوقت الثمين ، لكن الامر لايخلو من التبصر والوقوف على ماتعارف عليه الادباء في تقييس العمل الادبي اسوة بكل شيء يخضع لتوصيف المادة ، صالحها وطالحها ، النفيس فيها والرخيص .
والمقالة كونها فن من فنون الادب  ، وهي قطعة إنشائية معتدلة الطول ، وتكتب نثرا ، وتعالج موضوعا معينا معالجة سريعة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ، وهي بنت الصحافة المدللة نشأت بنشأتها وتجملت بازدهارها وهي من اكثر الفنون الادبية إستيعابا وشمولا ، وتتميز بأنها أقل تعقيدا وأشدها وضوحا واسهلها هضما للقارىء ، وهنا تبدا مهمة الكاتب من توظيف صفاتها بصناعة مقال ناجح
ستكون مهمة الكاتب تحريك العقول بدفعهم للتطور والسمو وتربية الفكر فيهم ، وتتفاوت قدرات الكاتب ولكن يفترض وجود حد ادنى لكي تنتمي المقالة  لفنون الادب ، ومن ذلك الوضوح لقصد الافهام  ،  والقوة لقصد التأثير ،  والجمال لقصد الامتاع  ، والاكثار من الطباق الذي يزيد المعنى  وضوحا  ( وبضدها تتميز الاشياء ) وقوة الاسلوب تتأتى من حيوية الافكار ودقتها ومتانة الجمل وروعتها  ، وحينما يملك الكاتب الذوق الادبي المرهف والاذن الموسيقية والقدرات البيانية يستطيع ان يتحاشى الكلمات الخشنة والجمل المتنافرة  ، ويقتضي هذا وضع خطة بترتيب الافكار وبسطها للقراء  ، على شكل مقدمة ،  وعرض ، وخاتمة ، والمقدمة وجب ان تكون تمهيدا لفكرة الكاتب شديدة الاتصال بالموضوع ، ويكون العرض صلب الموضوع وهو اصل المقال الذي يعرض الكاتب فيه كامل فكرته بشكل وافي ومتوازن ،  وتكون الخاتمة ملخصة للنتائج التي توصل اليها الكاتب .
بعد إنجاز كتابة المقال ، على الكاتب أن يتنحى جانبا لحساب القارىء وعليه ان يتقمص شخصية القارىء النبه المثقف الناقد والعارف والمفكر وحتى الفيلسوف منهم وذلك بقصد المراجعة والتدقيق والاضافة والحذف او الاستغناء عن كامل المقال ، اذا كان الهدف المنشود منه لايساوي إلا صفرا من خلال تبادل حقيقي للأدوار ، بمقاربة الشيزوفرينيا المتنافرة والتسقيط  لما يستحق التسقيط لأن ذلك سيضيف نجاحا وإبهارا محمودا ، وتشكل الأخطاء الإملائية واللغوية النعش الحاوي  لجثة ألمقال بإجهاض مادته حتى ولو كانت ثرية لأنها ستثير قرف وإشمئزاز كل شخص عارفا باللغة له إذن موسيقية طاردة لكل كلمة ركيكة  أو في غير محلها ، حتى وإن كان الكاتب لم يعرف الفراهيدي ولم يحصل على شهادة في لغة العرب ، فاللغة العربية  هي اكثر لغات العالم تطريبا للأذن وتشكل اللغة ميدانا رئيسيا للناطقين بها ، مما يتطلب من الكاتب معرفة خاصية المتلقي العربي العاشق للفصاحة وكنوز اللغة ودفائنها في بحرها المعروف المحشو بالدرر .
هي النصيحة التي تكمل كل نقص فينا ، وإذا إكتملنا بقبولها أحدثت تكاملا ووأدت تخلفا وطرحت تميزا وسدت نقصا في مساعينا قبل طرحها وتسويقها لتبدوا محصنة من التشويه وتحتل مكانا في عقل المتلقي فيحدث الإبهار والتفوق ، فالانسان ناقص مادام إنسانا  .

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

562 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع