الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - "موفق محمد " الراوي لشاعرة إسمها ( الحلة)

"موفق محمد " الراوي لشاعرة إسمها ( الحلة)

                                                  

                              علي المسعود

         

   

"موفق محمد " الراوي لشاعرة إسمها ( الحلة)

رسم المدرس برتقالة

فوجد الطلاب يقشرون السبورة
رسم المدرس دجاجة
فوجد الطلاب يلوحون لها بالسكاكين
الشاعر موفق محمد
نهض نصب الشاعر العراقي موفق محمد يوم الأربعاء المصادف ( ١٣/٥/٢٠٢٠) ليخبر الأجيال عن ممثل الوجع العراقي ، إنها سابقة فريدة في العراق شاعر تكرمه مدينته وليست جهة رسمية أو مؤسسة حكومية ، ويكرم في حياته ، وأن يقام نصب لشاعر أو اديب من قبل أهله ومدينته ، هو تاكيد وإعتراف من أن هذا الشاعر ضميرا حيا يتمثل حزن وٱمال شعبه ، وهذه الالتفاتة هي قصيدة جميلة من اهالي الحلة الى راوي مدينتهم - موفق محمد - (شاعر الوجع العراقي) وهوالموجوع بالفقدان ، فقدان ولده الشهيد ، المهندس الشاب :
ميّت أنه
ولا خط يجي عن موتك
سوده وحشتك يَولِدي حرموك من تابوتك
مشجوله ذمته المرمرك
لا تبري ذمته مروتك
ما ناح طير على الشجر
إلّا اعله نغمة صوتك
حيل ادلهمت يا نبع ﮔلبي وﮔمرنه امدمّه
إبموس الخناجر تاكل بلحمه وتفطر النجمه
عميه وتدور رويحتي إبيابير أدوّر يمّه
وما ظِن بعد تطلع شمس وتزول هاي الغمّه
وفرﮔاك فتّ إمرارتي وضاﮔت عليّه الـﭽلمه
لا ﮔبر وتهدّل إله
وألهم ترابه وأسأله
الـﮔلب صاير كربله
هو موفق بن محمد بن أحمد أبو خمرة، ولد بمحلة الطاق في مدينة الحلة سنة (1948) ، أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها ، حصل على شهادة بكالوريوس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية من كلية الشريعة في بغداد ، عمل في التعليم مدرساً في عدد من مدارس الحلة ، وفي نشأته أحبّ المتنبي والجواهري والسياب، وتأثر بـ (بابلو نيرودا) ، نشر شعره منذ سنة 1967م بعد نكسة حزيران وهو من جيل الستينيات وهو جيل التجديد والتمرد الشعري والفكري الذي يطلق عليه (الموجة الصاخبة) ، مارس كتابة الشعر ثم كتب الشعر الحديث ونشره في الصحف والمجلات العراقية مثل الكلمة والأقلام والعربية مثل جريدة العرب. طبعت له مجموعة شعرية في الدانمارك بعنوان (عبديئيل) -*(المرزوك، 2012م، ج3? ص341).
شارك الشاعر " موفق محمد " في الكثير من المهرجانات الشعرية في العراق وسويسرا والكويت وأسبانيا . موفق محمد شاعر محرض ومقاوم وجرئ ويمكن ان يكون صوت الكادح العراقي الموجوع والمبتلى بديكتاتور سرق احلامه وابناؤه وأورث له البكاء والنحيب على على بقايا مقابر جماعية ، أنتخب رئيساً لاتحاد الأدباء والكتّاب- فرع بابل سنة 2004 ، وهو عضو جمعية الشعراء الشعبيين في بابل ، أصدر المجموعات الشعرية الآتية : عبديئيل، بالعربان ولا بالتربان، غزل حلي ، سعدي الحلي في جنائنه عام 2015 وألاعمال الشعرية الكاملة عن دار سطور عام 2016 ، يعد الشاعر موفق من أبرز شعراء الحلة المعاصرين وهو احد الشعراء العراقيين الذين يحملون ارث العراق الحضاري والشعري والنضالي . موفق محمد شاعر ساخر قصائده فيها رفض ووجع ، لذلك فهو شاعر ملتزم كرّس شعره لخدمة أبناء وطنه ، وظف الشاعر "موفق محمد " المفردة الشعبية أو العامية في شعره مثل الأمثال والكنايات والحكاية وهو ما ميّز شعره عن غيره من أبناء جيله ، فهو في شعره نسيج وحده ، من الملاحظات في تجربة موفق محمد الشعرية (على سبيل المثال لا على الحصر) ـ التعلق بالمكان- فهو أكثر الشعراء أرتباطاً وتعلقاً بمكانه ، ومدينته الوادعة (الحلة) ، ودوروبها ، ومناطقها ، وبالتحديد (محلة الطاق) الغافية على ضفاف نهر الحلة، ويردد دائما وهو يقول عنها « لم أكن شاعراً في يوم ما… فأنا راوٍ لشاعرة اسمها الحلة"، حتى لحظة رفع الستار عن النصب الخاص به أعادة تلك المقولة ، وفي ديوانه "غزل حلي" وهو من منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتب عن معشوقته (الحلة ) التي خصها بقصيدة طويلة "غزل حلي" هي فاتحة الديوان، يصف علاقته بمحبوبته الحلة :
ها أنا أحب الحلة
فما زلت جنيناً في رحمها
أسمع صوت أمي
في هسهسة الخبز
وفي نهرها الهادر بالحمام
هذا النهر الذي مد ذراعيه وسحبني
برفق من رحمها
وخبأني وأراني ما في قلبه من تيجان
وكنوز
ولفّني في سورته
ولم يغادر موفق محمد منزله الأول، فقد ظلت الحلة ، حتى في ظلامها الموجع، منيرة في روحه ، تمنحه الالهام والاحتجاج والتحدي، وترشده وترشدنا نحو ذلك الحلم الذي رافق الشاعر منذ ما يقرب من خمسة عقود، يوم أبدع قصيدته (الكوميدياالعراقية)، وهي سيرة البلاد ، ليبدا مشواره في نزيف الكلمات وقذف الظالم و كلابه بحجارة قصائده ، سار في ذالك المشوار دروب من القهر و التهميش و الوجع ، حتى يصل بنا نصب الحرية ، حيث يطلق صرخته (لا حرية تحت نصب الحرية) التي أرعبت الفاسدين والذين وصفهم ب ( إشعيط وإمعيط ) "الهابطين علينا من من عواصم الثلوج ..ومن مزابل السيدة ".
ولكن نهر الحلة كان، ومايزال، يجري وئيداً لأنه يعلم أن موفّقاً يريد أن يصدح بمرثاته لزمان الخراب والانحطاط ، ويطلق نشيده ويفتح سيرة ذكرياته والتي هي سيرة وطن في قصيدته التي توجعنا، وتبصّرنا، وتمنحنا الأمل .
عشرة أيتام
كنا حين ينام النهر ننام
في منتصف الليل
وفي محلة الطاق
حيث ينحت النهر خصره
تأخذ أمي مكانها في الشريعة
فيأتي النهر الى حضنها
وبصوتٍ أعذب من كل مياه الأرض
تهمس في أذنه
دلل لول يالنهر يبني دلل لول
فيغفو من خمر في بحتها
وترضعنا من نعاسه لننام
موفق محمد ، المعلم والشاعر والانسان والزاهد عن المناصب ، والراغب بالابتعاد عن الأضواء و يفضل عليها جلساته مع الأصدقاء الحميمين ، حيث يجد الاطمئنان والانسجام وعندها تتوهج شعريته ويضفي عليها مخزونه من تجربته الشعرية الطويلة ومن صور الواقع البلاد المأساوي والذي يصفه في احد قصائده؛" هي الآن معصوبة العينين واليدين " ويزيد على تلك الصور إبداعا واقتدارا . الشاعر "موفق محمد " هو مربي متواضع ، وإنسان بسيط جدا لم تغريه الشهرة ، وتخجله كلمات الاطراء والمديح ، تراه يتصبب عرقا حين يتحدث امامه أحد ما عن شعريته أو منجزه الابداعي ، تراه يحاول أن يغير دفة الحديث . ولم يزل موفق محمد ملتزما بعدم انبهاره بالأضواء، فلا تحركه الصحف ولا تبهره أضواء الفضائيات، لكن تستفزه الكلمة وتحرك أشجانه تلك المفردات التي يطبعها من القلب فيكتب أشعاره من نزيف الروح .

علي المسعود

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

726 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع