البُردة الشريفة.. دُرَّة المسلمين ومُلهمة المبدعين

                                                                                          

              الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط

         

            


البُردة الشريفة.. دُرَّة المسلمين ومُلهمة المبدعين

كانت البُردة اليمنية أحب الثياب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة ببُردة قالت: هل تدرون ما البُردة؟ قال سهل: نعم.. هي الشملة منسوج في حاشيتها، قالت: يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها الرسول صلّى الله عليه وسلّم محتاجا إليها.

نقدم في هذه المقالة دراسة موجزة عن البُردة النبوية الشريفة وإلهاماها للعديد من الشعراء في عصور مختلفة.

قصة البُردة:
كعب بن زهير بن أبي سلمى شاعر مخضرم، أسلم أخوه فوبّخه واستحثه على الرجوع عن دينٍ لم يكن عليه أحد من أبائه، فهجاه كعب ثم هجا النبي، وقام يشبب بنساء المسلمين. فسمع النبي شعره فتوعده وأهدر دمه، فهام كعب يترامى على القبائل أن تجيره فلم يجره أحد، فنصحه أخوه بالمجيء إلى النبي الكريم مسلماً تائباً، فرجع بعد أن ضاقت الأرض في وجهه، وأتى المدينة ودخل المسجد وأنشد قصيدته المشهورة (بانت سعاد) أمام النبي الكريم فعفا عنه وخلع عليه بُردته. فسُميت قصيدة كعب بن زهير اللامية (البُردة) وتقع في 59 بيتا، ومطلعها:
بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ ... مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفْدَ مَكْبولُ

صفة البُردة الشريفة ومصيرها:
قال ابن الأثير في صفة البُردة الشريفة أنّها كانت شملة مخططة. وذكر أحمد بن حنبل عن عروة بن الزبير: "أن ثوب رسول الله الذي كان يخرج فيه للوفد رداء حضرمي طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراعان وشبر". وعند تأسيس الدولة الأموية أراد معاوية بن أبي سفيان شراء البُردة من كعب بن زهير، إلا أن كعبًا لم يسمح ببيعها لمعاوية، وقال: "لم أكن لأوثر بثوب رسول الله أحدًا". فلما مات كعب اشتراها معاوية من ورثته بعشرة آلاف درهم. وورثها خلفاء الدولة العباسية من بعده وكان الخلفاء يلبسونها في الأعياد والمناسبات.

قصيدة البُردة (الكواكب الدرية في مدح خير البرية):
محمد بن سعيد البوصيري شاعر مصري من بلدة أبو صير عاش في القرن السابع الهجري؛ الحادي عشر الميلادي. أصيب البوصيري بشلل نصفي، فأكثر من دعائه وتوسلاته وفكَّر في إنشاد قصيدة يستشفع بها الله في أن يشفيه ويعافيه. وذات ليلة نام البوصيري، فرأى النبي محمد (ص) يمسح على وجهه بيده المباركة، ويلقى عليّه بُردته، ليستيقظ ويجد نفسه قد برؤ من الشلل، فكتب هذه القصيدة.

لقد ألهمت بُردة البوصيري الكثيرين، وتُرجمت الى العديد من اللغات لما تحظى به من مكانة روحية وفكرية كبيرة، جعلتها أيقونة المديح النبوي. وقد أجمع معظم الباحثين على أن قصيدة البُردة للبوصيري من أفضل وأعجب قصائد المديح النبوي إن لم تكن أفضلها، حتى قيل: إنها أشهر قصيدة مدح في الشعر العربي بين العامة والخاصة، وقد انتشرت هذه القصيدة انتشارًا واسعًا في البلاد الإسلامية، تُقرأ في بعض بلاد الإسلام كل ليلة جمعة، وتقام لها مجالس "البُردة الشريفة".

يقول الدكتور زكي مبارك: "البوصيري بهذه البُردة هو الأستاذ الأعظم لجماهير المسلمين، ولقصيدته أثر في تعليمهم الأدب والتاريخ والأخلاق، فعن البُردة تلّقى الناس طوائف من الألفاظ والتعابير غنيت بها لغة التخاطب، وعن البُردة عرفوا أبوابًا من السيرة النبوية، وعن البُردة تلّقوا أبلغ درس في كرم الشمائل والخلال. وليس من القليل أن تنفذ هذه القصيدة بسحرها الأخاذ إلى مختلف الأقطار الإسلامية، وأن يكون الحرص على تلاوتها وحفظها من وسائل التقرب إلى الله ورسوله الكريم".

تقع قصيدة البُردة في 160 بيتاً وتتناول عشرة موضوعات صُنفت في عشرة فصول، وتتميز بقوة السبك وجمال النظم وحسن التصوير. ورغم طولها فإنها لم تفقد وجهها التصويري، وحرارة الدفقة الشعورية فيها، كما تتميز بأنها أول قصيدة تقدم ملامح سيرة رسول الله (ص) بشكل شامل، وتغوص في معاني تلك السيرة، وتخللها من الحِكم الباهرة الشيء الكثير.

لقد بدأ البوصيري بالغزل والشكوى على عادة شعراء زمانه:
أمِنْ تَــذَكِّرِ جيرانٍ بــذي سَــلَم .. مَزَجْتَ دَمعــا جرى مِن مُقلَةٍ بِدَمِ

ثم انتقل إلى الموعظة بالتحذير من هوى النفس، ثم انتقل إلى سيرة الرسول (ص) ، فجاء على مولده ومعجزاته، والقرآن الذي بعث به، ومعراجه وجهاده، وختم بمناجاة الله سبحانه وتعالى ودعائه.

من ملامح خصوصية قصيدة البُردة والقصائد الأخرى التي جاءت على منوالها أنها تخالف بناء القصيدة الكلاسيكية ونموذجها الأرقى المعلقات التي تعد أجود ما قيل من الشعر العربي، حيث تبدأ بالوقوف على الأطلال، ثم الفخر بالنفس والقبيلة، وقيمها في الكرم والشجاعة وغيرها، بينما تعتمد قصائد البُردة في بنائها على ثلاثية الغزل العفيف غير الحسي الذي يثير الغرائز وذكر مناقب النبي محمد (ص)، لتختتم بالثالثة وهي الدعاء من الله بالخير لكل الناس.

لقد كان البوصيري في قصيدته شاعرا تصويريا من طراز أول، وقد سار الكثير من أبيات قصيدته على الألسن بحسن صورها، وحكمتها، ومنها قوله:
فكيف تنكر حباً بعد ما شــهدتْ ... به عليك عدول الدمع والســــقمِ

وذكَر أبياتًا جرَتْ مجرى الأمثال منها قوله:

وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى ... حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِن تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ

وقوله:

قَد تُنْكِرُ الْعَيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِن رَمَدٍ ... وَيُنْكِرُ الْفَمُ طَعْمَ الْمَاءِ مِنْ سَقَمِ

قصيدة كشف الغمة في مدح سيد الأمة:
تعد قصيدة (كشف الغمة في مدح سيد الأمة) من أوائل قصائد العصر الحديث وأطولها في معارضة قصيدة البوصيري، حيث تغنى بها الشاعر المصري محمود سامى البارودي (1839-1904) في مدح الرسول الأعظم محمد (ص). والمعارضة في الشعر معناها أن يقرأ شاعر قصيدة معينة لشاعر آخر فيعجب بها ثم ينظم قصيدة أخرى على وزنها وقافيتها وفي موضوعها في الغالب.

تتضمن القصيدة سيرة الرسول الكريم مستمدة من كتاب "السيرة النبوية" لابن هشام، فاجتمع فيها جمال الشعر وجلال المضمون، وهي قصيدة طويلة تقع في أربعمائة وسبعة وأربعين بيتًا من البحر البسيط وعلى قافية الميم، وهي بحق ملحمة الإسلام يجد فيها القارئ غذاء الروح والفكر.

لقد سرى البارودي على نهج البوصيري في هذه القصيدة التي كانت بمثابة إلهام لأمير الشعراء أحمد شوقي، فسرى على نهجها شوقي في كتابته لقصيدة (نهج البُردة) الشهيرة. وقد برع الشاعران البارودي وشوقي في المديح النبوي بطلاقة وبراعة فائقة، بل أنهما قد عارضا البوصيري في بعض الأبيات.

يبدأ البارودي قصيدته بقوله:
يا رَائِدَ البَرقِ يَمّمِ دارَةَ العَلَمِ‏ ... وَاحدُ الغَمامَ إلى حَيٍّ بِذِي سَلَمِ‏
إلى أن يصل إلى ذكر الرسول (ص) فيقول:

مُحَمَّدٌ خاتَمُ الرُسلِ الَّذي خَضَعَت ... ‏لَهُ البَرِيَّةُ مِن عُربٍ وَمِن عَجَمِ‏
قَد أَبلَغَ الوَحيُ عَنهُ قَبلَ بِعثَتِهِ ... مَسامِعَ الرُسلِ قَولاً غَيرَ مُنكَتِمِ
فَذاكَ دَعوَةُ إِبراهيمَ خالِقَهُ‏ ... وَسِرُّ ما قالَهُ عِيسى مِنَ القِدَمِ‏

وفي نهاية القصيدة يعمد إلى التوسل بالرسول (ص) قائلاً:

هُوَ النَّبِيُّ الَّذي لَولاهُ ما قُبِلَت‏‏ ... رَجاةُ آدمَ لَمّا زَلَّ في القِدَمِ‏
يا سَيِّدَ الكَونِ عَفواً إِن أَثِمتُ فَلي‏ ... ‏بِحُبِّكُم صِلَةٌ تُغنِي عَنِ الرَّحِمِ

قصيدة نهج البُردة: 

تعد قصيدة "نهج البُردة" من أجمل قصائد أمير الشعراء أحمد شوقي (1868- 1932)، كما تعد من أروع قصائد المدح النبوي. تتميز بمعانيها الجميلة وبسهولة الفاظها وكلماتها وسهولة فهمها لمن يقرأها، كما تعد من أطول القصائد التي نسجتها قريحة أمير الشعراء على أمواج البحر البسيط، فهي تتكون من 190 بيتا من الشعر الجيد المتناهي في الجودة.

لقد وضع أحمد شوقي قصيدته "نهج البُردة" كتذكار لحج حاكم مصر الخديوي توفيق (1852- 1892) ولي نعمته والذي سافر شوقي إلى فرنسا على نفقته، فكانت أجمل تذكار وأروع هدية، حيث أفاضت مشاعر شوقي الفياضة تجاه الدين والرسول الكريم. وبالنظر لأهمية هذه القصيدة الخالدة فقد قام شيخ الأزهر الشيخ سليم البشري (1832-1916) ونشر كتابا عنوانه (نهج البُردة ومعها شرح النهج)، حيث وضح معاني القصيدة بيتا بيتا، وساق أبرز الصور البلاغية في القصيدة.

لقد غنت السيدة أم كلثوم (1898- 1975) ثلاث روائع لأحمد شوقي في مدح النبي عليه الصلاة والسلام في سنة واحدة هي سنة 1946، وجميعها من الحان الموسيقار رياض السنباطي (1906-1981) وهي: ولد الهدى، سلوا قلبي ونهج البُردة.

لقد تأثر شوقي ببعض القصائد النفيسة لكبار الشعراء فعارضها بقصائد رائعة، ومن القصائد التي عارضها القصيدة الهمزية للبوصيري (كيف ترقى رقيك الأنبياءُ... يا سماء ما طاولتها سماءُ) فعارضها شوقي بقصيدته التي غنتها أم كلثوم (ولد الهدى فالكائنات ضياءُ... وفم الزمان تبسم وثناءُ). وعارض شوقي قصيدة " البُردة" للبوصيري وسماها "نهج البُردة"، وهو اسم يدل على مبلغ تأدب شوقي وتواضعه؛ فهو لا يعارض قصيدة البُردة وإنما يقول قصيدة على نهجها كأنه يقتفي خطاها وينظر إليها على أنها الأصل الذي لا يُجاري ولا يُعارض؛ وإنما يريد أن يسير على نهجه ويقتفي اثره ويستوحيه ويتتبع خطاه.

ورغم أن شوقي كان في هذه القصيدة بكل قوته وبكل شاعريته وبكل قدرته على التصرف في المعاني وتوليدها وابتكارها واخضاعها للقوالب الشعرية، فإن أثر البوصيري ظل واضحا بصورة أو بأخرى في "نهج البُردة" لشوقي. وعلى نهج الشعراء السابقين افتتح شوقي قصيدته بمقدمة غزلية بديعية رائعة، يتصور فيها محبوبته التي تتنقل كظبي حسن ورشيق، وقد قتلته صبابة وولها:

ريـمٌ عـلى القـاعِ بيـن البـانِ والعلَمِ... أَحَـلّ سـفْكَ دمـي فـي الأَشهر الحُرُمِ

ثم ينتقل الشاعر برسم لوحات شعرية في غاية الروعة تصف دقائق تفاصيل السيرة النبوية العطرة. ويصرح شوقي في قصيدته "نهج البُردة" ويقر لصاحب البُردة بالفضل والسبق ويعلن أنه وهو ينشد هذه القصيدة لا يعارضه لأنه فوق مستوى المعارضة وإنما هو يغبطه على ما سبق إليه من الفضل وذلك حيث يقول شوقي مخاطبا الرسول (ص):

المــادحون وأَربــابُ الهـوى تَبَـعٌ... لصـاحبِ الـبُردة الفيحـاءِ ذي القَـدَمِ
مديحُـه فيـك حـبٌّ خـالصٌ وهـوًى... وصـادقُ الحـبِّ يُمـلي صـادقَ الكلمِ
اللــه يشــهدُ أَنــي لا أُعارضُــه... مـن ذا يعارضُ صوبَ العارضِ العَرِمِ؟
وإِنَّمـا أَنـا بعـض الغـابطين، ومَـن... يغبِــطْ وليَّــك لا يُــذمَمْ، ولا يُلَـمِ

وإذا كان من الانصاف أن نعترف لشوقي بأنه هو أيضا أبدع وأجاد في "نهج البُردة" وأنه لم يقصر عن شاو البوصيري ولا تخلف عن مستواه، فإن من الإنصاف للحقيقة أيضا أن نقول أن آثار "البُردة" واضحة في "نهج البُردة" وضوحا لا تخطئه العين، ليس ذلك فقط في الروح العامة التي تنتظم القصيدتين معا وإنما أيضا في بعض الصور التعبيرية والأخيلة الأدبية، بل إن الإمر يتعدى ذلك احيانا إلى المفردات والتراكيب كما قد يتضح من الامثلة التالية:
• يقول البوصيري:
يا لائمي في الهوى العذري معذرة ... مني إليك ولو أنصفت لم تلــــمِ
محضْتني النصح لكن لست أســمعهُ ... إن المحب عن العذال في صــممِ
ويقول شوقي في المعنى نفسه:
يـا لائـمي في هواه؛ والهوى قدَرٌ ... لـو شـفَّك الوجـدُ لـم تَعـذِل ولم تلُمِ
لقــد أَنلْتُــك أُذْنًــا غـير واعيـةٍ ... ورُبَّ منتصـتٍ والقلـبُ فـي صَمـمِ

• ويتحدث البوصيري عن نفسه فيقول:
منْ لي بردِّ جماحٍ من غوايتهـــا ... كما يُردُّ جماحُ الخيلِ باللُّجُــــمِ

أما شوقي فيقول عن النفس أيضا:
تطغـى إِذا مُكِّـنَتْ مـن لـذَّةٍ وهـوًى ... طَغْـيَ الجيـادِ إِذا عَضَّـت على الشُّكُمِ

• ويقول البوصيري ذاكرا زهير بن ابي سلمى ومدحه لهرم بن سنان:
ولم أرد زهرة الدنيا التي اقتطفت ... بدا زهير بما أثنى على هرمِ

ويقول شوقي متحدثا عن شعره في مدح الرسول:
يُـزرِي قَـرِيضِي زُهَـيْرًا حين أَمدحُه ... ولا يقـاسُ إِلـى جـودي لـدَى هَـرِمِ

• واذا رأينا شوقي يدعو الرسول (ص) باسم (أحمد) ويذكر أنه يعتز بأنه هو أيضا اسمه (أحمد) فيقول:
• يـا أَحـمدَ الخـيْرِ، لـي جـاهٌ بتسْمِيَتي ... وكـيف لا يتسـامى بالرسـولِ سمِي؟
فيجب ان نذكر قول البوصيري واسمه (محمد):
فان لي ذمة منه بتسميتي ... محمدا وهو أوفى الخلق بالذممِ

قصيدة البُردة والشعراء العراقيون:
من الشعراء العراقيين الذين اهتموا بقصيدة البُردة الشاعر والمنشد الشهير الملا عثمان الموصلي (1854- 1923)م الذي قام بتخميس لامية البوصيري وأطلق عليها (الهدية الشامية على القصيدة اللامية) وأهداها إلى السلطان عبد الحميد (1842- 1918) ونشرها في سنة 1895.

ومن الشعراء العراقيين الذين عارضوا هذه القصيدة الشاعر سعيد إبراهيم النعيمي (١٩٢٠-٢٠٠٣) وهو من العاملين في سلك التربية والتعليم في سنجار والموصل. فقد عارض سعيد النعيمي قصيدة البُردة في قصيدة طويلة، ومما قاله فيها:

دعني أسائلُ ضعناً سارَ للحرمِ ... عن فتيةٍ كابدوا حباً بذي سَلمِ
عن فتيةٍ نشأوا في الله ساهرةً ... منها القلوبُ عن التوحيدِ لم تنمِ
اللهُ أنبتهم علماً وتضحيةً ... لولاهمُ لم يقمْ صرحٌ من العدمِ
هناكَ لي من رسولِ اللهِ ملتجأ ... من يلتجئ برسولِ اللهِ لم يُضمِ
فالشعر غنى له والكونُ مبتِسمُ ... فأسمع من الشعر لحناً جادَ كالديمِ

   

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

595 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع